د. حسن يوسف الشريف

هذا العنوان "السباحة في بحار الدم"، والذي يصف نفسية "الكيان الصهيوني" الذي قام على أرض فلسطين ليس من عندي ولا من عند أي عربي مسلم أو مسيحي، بل مأخوذ من كتاب رجل المخابرات الأمريكية "جون بيتي"، والذي يكشف حقيقة الدولة الصهيونية وجرائمها على أرض فلسطين خلال سنواتها الأولى؛ لقد أصبح من الواجب على المفكرين العرب أن يوحدوا صفهم ويجهروا بالحقيقة أمام العالم، وأمام حكوماتهم وشعوبهم، بأنه من الخيانة للحق والحقيقة، الاعتراف بهذا الكيان الاحتلالي الاستيطاني، إنه من الخيانة للإنسانية أن نعترف بشرعية الكيان الصهيوني ودولته الإرهابية؛ لأن عقيدتها هي الإيمان بالإبادة الجماعية المقدسة التي تدعي أن الله أمرهم بها ضد أعدائهم العرب.. راجع في ذلك ما كتبه روجيه جارودي (الأساطير المؤسسة للدولة الصهيونية).

 

إن الشعوب في أمريكا وأوروبا لا تعرف حقيقة هذا الكيان الدموي الإرهابي؛ لأن السياسة الغربية وإعلامها هو الذي خطَّط وحارب لإيجاد هذا الكيان السرطاني الذي لا يُعرف له حدود، هذا الإعلام الغربي يحافظ وبقوة على سمعة "إسرائيل"، ويجب على المفكرين العرب والإعلام العربي أن يكشفوا حقيقة هذا الكيان الإرهابي، وأن يكشفوا حقيقة النفاق السياسي والإعلامي الغربي ضد المصالح العربية.

 

لقد كشف النائب الأمريكي (بول فندلي) في كتابه (مَن يجرؤ على الكلام) والصحفية الأمريكية (جريس هالسل) في كتابها (النبوءة والسياسة) كيف يتم خنق حرية الكلمة في الإعلام الغربي عامةً والأمريكي خاصةً، إذا كانت ستكشف حقيقة الطابع الإرهابي لدولة "إسرائيل".

 

إن النفاق الدولي- إعلاميًّا وسياسيًّا- ضد حقوقنا ومصالحنا يجب أن نواجهه ولا نهرب منه مهما كلفنا من جهاد وتضحيات، وعلى المفكرين والإعلاميين العرب أن يتسلحوا بصفتين:

"الفهم والشجاعة".. أي "العقل الفاهم" لحقيقة الكيان الإرهابي الصهيوني، بدايةً من "اجتماع بازل" 1898م مرورًا بوعد الحكومة البريطانية عام 1917م "وعد بلفور" بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم انتداب بريطانيا على فلسطين، والسماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين وحتى قيامها عام 1948م برعاية وحماية أمريكا وحتى الآن، ولا بد أن يكون هذا "العقل الفاهم" للمؤامرة الأوروبية الأمريكية "أن يكون شجاعًا".

 

إن عقيدة "الإبادة المقدسة الجماعية"، والتي بدأتها العصابات الصهيونية بمذابح "دير ياسين" عام 1948م، و"كفر قاسم" عام 1956م، وإبادة الأسرى المصريين عام 1967م، ومذابح "صابرا وشاتيلا" عام 1982م في جنوب لبنان، ومذبحة الخليل عام 1994م، ومذبحة قانا 1996م، ومذبحة مخيم جنين 2002م، وتدمير جنوب لبنان 2006م، ومحرقة غزة في عملية الرصاص المصبوب 2009م، وما زال التهويد مستمرًّا فوق كل شبر من القدس الشرقية التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967م، والإرهاب الصهيوني وصل إلى داخل المسجد الأقصى واعتقال المصلين والمعتكفين داخله (مارس 2010م)، وطرد العرب المقدسيين من ديارهم في القدس الشرقية ليحل محلهم المستوطنون اليهود.

 

بالضبط مثلما وصفهم رجل المخابرات الأمريكية "جون بيتي" بعد عدة سنوات من قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛ حيث كتب يومها يفضح السياسة الأمريكية المؤيدة للإرهاب الصهيوني على أرض العربية فقال: ".. إن الكيان الصهيوني الضئيل الذي يطفو على بحار من الدم قد ورَّط العالم في مشكلات خطيرة، ولم تزل تزج به إلى مزيد من المتاعب، إن أبا آييان سفير الصهاينة لدينا قد جاء إلى مدينة دالاس في تكساس ليجمع تبرعات لإيواء 200 ألف مهاجر يهودي هذا العام 1951م، وليجمع تبرعات لإيواء 600 ألف مهاجر يهودي خلال الثلاث سنوات التي بعدها في دولة فلسطين".. ثم يقول جون بيتي: "ونعود إلى التساؤل: أين ذهب الستمائة ألف يهودي الذي ذكرهم أبا آييان؟ إن المقصود طبعًا إحلالهم محل أعداد جديدة من المهاجرين العرب، مسلمين ومسيحيين، ممن سوف تطردهم "إسرائيل" من ديارهم".. ولا ندري ماذا كان سيقول جون بيتي لو عاش إلى الآن ورأى عشرات ومئات من المجازر والمذابح التي أقامها الصهاينة ضد العرب!!! يالسذاجة العقل العربي وطفولته السياسية التي جعلت السلام هو الخيار الإستراتيجي الوحيد في التعامل مع "إسرائيل"!!

 

يقول العالم اليهودي الأمريكي المعارض للسياسة الصهيونية والأمريكية "ناعوم تشومسكي":

"إسرائيل كدولة عميلة للإمبراطور الأمريكي إنما ترث عنه حق الإرهاب والتعذيب والعدوان وارتكاب جرائم حرب، تمَّ بسببها شنق الكثير من حكام وقادة في محاكم نورمبرج وطوكيو" (الأباطرة والقياصرة ص29)، وفي يناير 2002م ظهر في فرنسا كتاب لهذا المفكر الشجاع عنوانه (11/9 تشريح الإرهاب)، قال فيه:" إذا تم تحديد المفهوم الصحيح للإرهاب؛ فإنه سيجعل أمريكا وحلفاءها– "إسرائيل"- على رأس قائمة الدول الإرهابية في العالم".

 

لقد وصل الإرهاب الصهيوني إلى حد مصادرة القانون الدولي؛ حيث صدر قرار مجلس الأمن عام 2002م بتكوين (لجنة تحقيق) في الجرائم التي ارتكبها الجيش "الإسرائيلي" في مجزرة مخيمي اللاجئين الفلسطينيين في جنين ونابلس.. فاعترضت "إسرائيل" وتبعتها أمريكا على تكوين لجنة التحقيق واقترحوا (لجنة تقصي الحقائق)، ونزل مجلس الأمن على رغبة الإرهاب "الإسرائيلي" بتكوين (لجنة تقصي الحقائق).. ثم تم الاعتراض على تكوين اللجنة.. ثم طلب الإرهاب "الإسرائيلي" تأخير سفر اللجنة بعد موافقته على أعضائها.. ثم إعلان قيادة الإرهاب الصهيوني في تل أبيب عن رفضه استقبال لجنة تقصي الحقائق، ثم كانت الكارثة وهي هزيمة مجلس الأمن الدولي أمام الإرهاب اليهودي، وإعلانه: "يعلن مجلس الأمن عن أسفه لحل لجنة تقصي الحقائق، وعدم إرسالها لتقصي الحقائق عن المجازر الصهيونية في مخيمي جنين ونابلس لعرب فلسطين".. وكذلك تقرير (جولدستون) الخاص بجرائم الحرب "الإسرائيلية" في محرقة غزة2008/2009م، والذي أصرت قيادة الإرهاب في "إسرائيل" وأمريكا على إفشال كل حقائقه ونتائجه في أي مكان يذهب إليه.

 

وتجلى فجور الإرهاب "الإسرائيلي" في تحديه للإدارة الأمريكية وإرباكها وإحراجها، في أنه أثناء توجه نائب الرئيس الأمريكي "جون بايدن" إلى "الكيان"- الأسبوع الماضي- تم إعلان الحكومة الصهيونية "بالموافقة على إنشاء 1600 وحدة استيطانية بالقدس الشرقية، هذا الإعلان كشف عن صفقة صهيونية أمريكية، بأن تتجاهل الإدارة الأمريكية وتيرة تهويد القدس، وإقامة "كنيس الخراب" بالقرب من المسجد الأقصى، مقابل امتناع "إسرائيل" الحرب ضد إيران أو جنوب لبنان هذا العام؛ حتى لا تتعرَّض مصالح أمريكا في الشرق الأوسط للخطر، وهو ما اعتبره البعض رسالة للسياسة العربية التي تظن أن الإدارة الأمريكية قادرة على الضغط على "إسرائيل".

 

إن إسرائيل لا تخفي عبادتها للحروب والدماء والقتال؛ حتى لو كان من داخل الأماكن الإسلامية المقدسة، كما حصل في ساحات المسجد الأقصى بالقدس الشرقية.

 

وبعد أن قام أبو مازن (محمود عباس) بالقضاء على المقاومة في الضفة الغربية، بعد التنسيق الأمني مع "إسرائيل" وبقيادة الجنرال الأمريكي "دايتون" وتصريح عباس المتكرر بأنه لن يسمح بأي انتفاضة فلسطينية ما دام كان على رأس السلطة، وبعد أن قام أبو مازن بهذا العمل اطمأنت الصهيونية فأعلنت عن جنونها الصهيوني بتحويل الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم بضمهما إلى التراث اليهودي الصهيوني!!

 

ولم يبق من الأهداف الكبرى لـ"إسرائيل" سوى إعلانها السيطرة الكاملة والمنفردة على القدس شرقها وغربها وإعلانها عاصمة "إسرائيل"، وهذا ما كشفت عنه الكاتبة الأمريكية جريس هالسل قالت: إن هدف اللوبي اليهودي مطالبة الإدارة الأمريكية بثلاثة أهداف:

1- أن "إسرائيل" تطلب المال (المعونات الأمريكية للتوسع والاستيطان).

 

2- أن "إسرائيل" تريد من الكونجرس أن يكون مجرد خاتم للموافقة على أهدافها السياسية.

 

3- أن "إسرائيل" تريد سيطرة كاملة ومنفردة على القدس... (النبوءة والسياسة ص165).

 

إن "إسرائيل" لا تخفي عزمها على هدم المسجد الأقصى، وإقامة هيكل سليمان، وإعلان مملكة اليهود التي تحكم العالم، وهو ما يطرح تساؤلاً مهمًّا: ماذا سيفعل الحكام العرب في القمة القادمة أمام هذه الغطرسة الصهيونية التي بلغت ذروتها في إعلان نتنياهو من واشنطن يوم الثلاثاء 23/3/2010م أن الاستيطان في القدس أمر عادي؛ لأن القدس عاصمة لـ"إسرائيل"؟!!!!

 

وإذا لم تتخذ النظم العربية الإجراءات الحاسمة والقادرة على مواجهة هذه الغطرسة الصهيوأمريكية، في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الصراع العربي- "الإسرائيلي"، وخاصة بعد إعلان رئيس وزراء الكيان الصهيوني من واشنطن أن القدس عاصمة للكيان الصهيوني؛ فستكون هذه النظم قد حكمت على نفسها بالوفاة ولا يبقى إلا إعلان هذه الوفاة!!!