زمان.. كان الناس يتنادون لعقد قمة عربية عندما تحل الكوارث، والآن.. صار عقد القمة العربية في ذاته كارثة سياسية بامتياز.

 

وهذه الحالة ليست وليدة اليوم، ولا هي مرتبطة بقمة "سرت" الوشيكة بالذات، بل هي استطراد لبؤس القمم، والتي فقدت معناها اللغوي بعد السياسي، وبدت أقرب إلى قمم القاع، وإلى خيبة الأمل التي تركب الجمل.

 

وليست القصة في اختلافات هنا أو هناك، فكل قمم السياسة في العالم تحتمل وجود خلافات، وتحتمل التسويات أيضًا، لكن ما بين الرؤساء والملوك والأمراء- خاصتنا- ليست خلافات، فليس لأحدهم رأي، ولا سياسة ذاتية، ولا ارتباط بالمعنى العربي إلا في الأسماء وملامح الوجوه، وكل ما يجري هو شجار بالوكالة عن السيد الأمريكي الغائب الحاضر على منصة القمة، وسباق وتنافس في خدمة السيد الأمريكي، يبدو- في الظاهر- وكأنه خلافات قمة.

 

وفي ماضٍ قريب، كنا نشكو من تحول المشهد العربي النظامي إلى "ظاهرة صوتية"، كنا نشكو من فوائض الشجب وكثرة الاستنكارات، ثم غاب الصوت، ولم يعد من تعريف للحكام العرب غير كونهم "ظاهرة جغرافية"، ناس ما في مكان ما، ومع تضييع بوصلة الزمن، صار خبر القمم العربية في ذيل القائمة، ولا يلفت النظر فيه غير من حضر ومن غاب، وغير المكايدات الصغيرة بين عائلة تحكم هنا أو عائلة تحكم هناك، والتخلف عن تقديم واجب العزاء للعائلة المضيفة، فالذين يذهبون للقمة يفعلونها، وهم متثاقلون، وكأنهم ذاهبون إلى جنازة متكررة، ولأداء الصلاة على ميت سبق أن دفنوه ألف مرة.

 

وقد تجد أحدهم غاضبًا لكرامة ابنه، ويقيم الدنيا فلا يقعدها، بينما لا يحرك إصبعًا، ولا يغضب لتهويد القدس، ولا للاستعدادات "الإسرائيلية" الجارية لهدم المسجد الأقصى المبارك، وبناء هيكل سليمان الثالث على أنقاضه، ونشر الخراب بعد تشييد كنيس الخراب، والسبب مفهوم، فلم يعد من فارق جوهري بين النظم العربية التي تحكم الآن، وعلى اختلاف اللافتات الجمهورية والملكية، فكلها نظم تحكم بالحق العائلي، والشعوب آخر من يرد على البال، فهي من اختصاص وزراء الداخلية ورؤساء مصالح السجون والمعتقلات، وليس لها من دور في اختيار الحكام، فليس للنظم العربية مجمع انتخابي داخلي، بل لها- في الغالب الأعم- مجمع انتخابي افتراضي من خارج المعنى العربي كله، هو الرعاية الأمريكية- "الإسرائيلية"، وعلاقة النظم بالسيد الأمريكي هي الأهم، ورضاه بالدنيا والآخرة، وتكاد لا تختلف النظم إلا في درجة توثق العلاقة الحميمة بالسيد الأمريكي، فبعض الحكام- في الدول العربية الكبرى والصغرى- وصلوا بالسلامة إلى غرفة نوم السيد الأمريكي، وآخرون ينتظرون في الصالون، بينما يبدو آخرون في حالة تردد، يضغطون على زر الجرس على أمل أن يفتح لهم الباب.

 

والمحصلة ظاهرة، فلا مشروع عربي عند مشهد القمة، بل مشروع أمريكي بجسد عربي، والمداولات محسوبة، والقرارات معروفة سلفًا، وهي نفس القرارات التي صدرت من قبل، والتي لا يصدق فيها وصف القرارات من أصله، فهي أقرب إلى الموافقات- المكررة- على المعروض الأمريكي، وقد لا نكون في حاجة إلى رهان مع أحد، وقمة "سرت" لم تُعقد بعد، فرغم كل ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة، ورغم قرارات التهويد التي تلتهم المساجد بعد الأرض، فلن يصدر عن القمة سوى استنكار خافت، ثم عودة إلى ترديد الكلام الأمريكي إياه، عن مبادرة السلام، وعن تعنت "إسرائيل"، وعن المفاوضات تلو المفاوضات، والسبب مفهوم، فأمريكا لا تريد ما هو أكثر في العلن، وتترك الأهم للقاءات مبعوثيها في الكواليس مع الحكام، وحيث لا توجد كاميرات ولا أحاديث متلفزة، وحيث تكون إيران- وليس "إسرائيل"- هي العدو الأهم، وحيث تبحث تفاصيل مشاركة الحكام في المجهود الحربي والتعبئة السياسية ضد إيران، وحيث يجري الاتفاق على دفع المليارات والتريليونات من خزائن البترول لأمريكا مقابل صفقات سلاح لا يستخدم، ومقابل ضمان حماية العائلات الحاكمة من مخاطر القوة الإيرانية.

 

وربما لا يتبقى في القمم العربية غير مشاهد كوميديا سوداء، من نوع "تبويس اللحى"، أو غضب أحدهم على تخطيه في الكلام، أو تجاوز رغبته في التحفظ على فقرة أو كلمة، مع أن البنود (الاثنتين والعشرين إياها) جرى بحثها ألف مرة، في اجتماعات المندوبين، وفي اجتماعات وزراء الخارجية، وفي أروقة الجامعة العربية التي تحولت إلى قبر من رخام، ميزانيات، ورواتب موظفين، واجتماعات عبث لا تنتهي إلى شيء، فلا أحد يملك قراره، ولا أحد يقول جديدًا، ولا أحد يعرف معنى "الجامعة" التي تربطهم بالضبط، ولا معنى "العربية" التي تجمعهم، اللهم إلا على طريقة حسن ترجمة الأوامر الأمريكية من الإنجليزية إلى لغة عربية فصحى تلتوي على الألسنة، ثم يجري تقويمها على لسان عمرو موسى أمين عام الجامعة الذي ينتمي إلى زمن الظاهرة الصوتية، ويجد نفسه محشورًا في زنقة الجغرافيا.

 

كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟! القصة معروفة، خرجت السياسة المصرية عن المعنى العربي منذ ثلاثين سنة، جرى خلع الوتد فسقطت الخيمة، كانت "إسرائيل" هي العدو الجامع، فأصبحت صديقًا في العلن للنظام المصري ولآخرين، وصديقًا من الباطن الأمريكي لبقية النظم، ثم سرى التحول العائلي في النظم جميعًا، وتحول الحكم إلى عائلات معلقة فوق خوازيق أمنية في العواصم، واتحدت طبائع النظم، وتوحدت في أيديولوجيا النهب العام المستند لعصا الكبت العام، والانخلاع عن حس الناس، وتحويل الأوطان إلى زواريب وعزب، وغام معنى الأمة، وضاعت حرمة مقدساتها، وتحولت فلسطين إلى فعل ماض، و"إسرائيل" إلى فعل مضارع مستمر، وسقطت النظم- ومعها حياة العرب- في ثقب التاريخ الأسود، فلا هي تفعل، ولا هي تمضي، ولا هي توقف حفلات الأزياء التنكرية التي تقام سنويًّا باسم القمة العربية.

 

في وقت ما، وقبل أن يجري تجريف معنى القمة العربية، كان التناقض الرئيسي ظاهرًا، كان كيان الاغتصاب "الإسرائيلي" هو العدو المسَلَّم به، وكان دعم المقاومة المسلحة هو واجب الوقت، وكان النهوض بالتصنيع والاختراق التكنولوجي وسباق السلاح، وقتها كان للقمم العربية معنى، وكان توزيع الأدوار يجري بين دول للمواجهة ودول للدعم، وكان العدو هو كل صديق "لإسرائيل"، والصديق هو كل عدو "لإسرائيل"، وكان التهديد بوقف تدفق البترول واردًا، وكانت مصر في مكانها قبل انخلاع الزمان، كان لمشروع الأمة مركزه القيادي في القلب، ثم انفصلت النظم عن الأمة، وانقلبت عليها، وإن لم تتوقف الأمة ذاتها عن طلب الحياة، وبالذات في جغرافيا تغيب عنها النظم أو تضعف بالطبيعة، وهو ما يفسر نهوض المقاومة في لبنان وفلسطين وعراق ما بعد صدام، ولم تجد المقاومة الجديدة دعما من القلب، بل من الطرف الأقصى خارج المعمورة العربية كلها، وجدت الدعم من إيران الإسلامية الناهضة، وصارت القمم المؤثرة هي التي تكون إيران طرفًا فيها، ففي غياب المشروع العربي بالرأس العربي، فقد صرنا بصدد مشروع مقاومة عربي برأس إيراني، بينما تحولت قمم الحكام إلى مشروع أمريكي بجسد عربي.

 

والمحصلة- من جديد- ظاهرة، وهي أن أحدًا لا ينتظر خيرًا من "القمة العربية"، ولسبب بسيط، وهو أنها ليست كذلك، فهي عربية بالعناوين، وبفنادق الإقامة، لكنها أمريكية في المضمون، و"إسرائيلية" بالهوى، وقراراتها مجرد حبر على ورق، وفي خيامها تسكن الخيبة بـ"الويبة".

----------

* القدس العربي- 22 مارس 2010م

Kandel2002@hotmail.com