1- هؤلاء هم الإخوان

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

جمعني الله بمجموعةٍ من فضلاء الإخوان فيما سُمي إعلاميًّا بقضية "التنظيم الدولي للإخوان"، وقد مكثنا في المعتقل معًا حوالي ستة أشهر، وكان ذلك في سجن المحكوم بطرة، وهو سجن مخصص للمحبوسين احتياطيًّا في قضايا جنائية (تحقيقات نيابة أو محاكمات، أو أحكام قليلة المدة 1-2 عام).

 

ولقد ترددت كثيرًا في كتابة خواطر عن هذه الفترة؛ لأنها أمر بين العبد وربه إلا أن الجهر ببعض الملاحظات والفوائد وإصرار بعض الإخوة على أهمية تدوين التجارب الشخصية (أو أجزاء منها)، حتى لا تصبح مذكرات الغاضبين أو المتفلتين أو الحاقدين أو المغرورين ممن كانوا يومًا في صفوف الإخوان هي مرجع عموم الناس عن الجماعة من السبعينيات إلى الآن، ما جعلني أعيد التفكير في الكتابة عن بعض الأمور التي يجب أن يتأملها أفراد الإخوان، وأن يعرفها عموم الناس عن الإخوان.

 

وقد قرَّرت أن أبدأ هذه المقالات بقصة رواها لنا الأخ الكبير والوالد الفاضل الحاج محمد العزباوي (طنطا) عن أخ من الإخوان القدامى، وقد تأثرنا بها كثيرًا، وخاصةً أنا، فرأيت أن يشاركني إخواني هذا النموذج غير المعروف من رجال الإخوان، وأنا أكتب القصة من الذاكرة، وأجردها من الأسماء لتبقى العبرة والعظة في الأحداث.

 

كان هذا الأخ هاربًا من نظام عبد الناصر (مطلوب القبض عليه)، وقد ظلَّ يتنقل من مكانٍ إلى آخر، وقد أعياه الهرب وأرهقه ثم وجد نفسه قريبًا من سكن شيخ الأزهر في ذلك الوقت، فقرَّر أن يزوره ويناقشه ويستنصحه، فطرق الباب وأدخل إلى الصالون ثم حضر شيخ الأزهر وحيَّاه وجلس معه.

 

قصَّ أخونا قصته على شيخ الأزهر وناقشه ثم استأذن شيخ الأزهر في الدخول إلى داخل المنزل والغياب لفترة قصيرة عن الضيف، فأذن له الأخ ثم حدثته نفسه: لماذا تركني ودخل؟ هل سيبلغ المباحث عني؟ إذا كان ذلك فماذا سأفعل؟ وإن كان غير ذلك فلماذا تركني ودخل؟ ثم قطع الأخ هذا الحوار الداخلي بأن قال لنفسه: إن أبلغ عني شيخ الأزهر المباحث فالسجن أفضل، ولا فائدة من الهروب، واستسلم الأخ لقدر الله، ومكث ينتظر عودة الشيخ.

 

عاد الشيخ إلى أخينا وهو يعتذر عن التأخر، وقال له: إنه كان يناقش زوجته وابنته في فكرة رآها، وهي أن يُئوي هذا الأخ عنده، ولكن كان يجب أن يحصل على موافقتهما؛ لأنهما شريكتان في الموضوع، وربما في عواقبه إن ساءت، وذكر الشيخ أن الاثنتين رحبتا بهذه الفكرة، وشجعتا الشيخ على اتخاذ هذا القرار الخطير، فقرر الشيخ أن يسميه "صادق"، وأن يكون الأخ سكرتيرًا وسائقًا للشيخ مع وجود حجرة في حديقة المنزل ستعد لتكون مكان إقامة الأخ.

 

عاش الأخ "صادق" في هذا المكان، وعمل سكرتيرًا وسائقًا لشيخ الأزهر بعد أن غيَّر قدر الإمكان من شكله المعروف؛ حتى لا تلاحظه أعين البصاصين الظالمين، وسارت الأمور على هذا النحو لأشهر عديدة.

 

زادت كثافة حملات البحث عن الهاربين من الاعتقال، وزاد تضييق الخناق والحملات الأمنية المتكررة حتى خاف الأخ "صادق" من انكشاف الأمر، ووقوع الشيخ وأسرته في بلاء ومحنة، فاعتذر للشيخ عن عدم الاستمرار، ووجوب الرحيل، وحاول الشيخ الفاضل أن يثنيه عن مراده، لكن الأخ صادق شكر له ولأسرته وانصرف إلى حياة الهروب والتنقل مرةً أخرى، حتى أُلقي القبض عليه بعد فترة من ترك الشيخ.

 

بدأ مسلسل التعذيب الرهيب المتكرر للأخ صادق، وكان أهم سؤال تجب الإجابة عليه هو: أين كنت الفترة الماضية؟ مَن الذين عاونوك؟ وأين مكانهم؟

 

لم يجب الأخ صادق عن هذه الأسئلة، فكان بعد التعذيب اليومي يُحمل إلى زنزانته مع إخوانه في السجن ليطببوه ويعالجوه ويشدوا من أزره، وظلَّ الحال هكذا عددًا كبيرًا من الأيام، حتى جاء يوم وطلب الزبانية أحد الإخوان ليحمل الأخ صادق إلى زنزانته، فقام أحد شباب الإخوان في ذلك الوقت وهو الحاج محمد العزباوي، ولم يعرف الشاب محمد العزباوي كيف ينقل الأخ "صادق"، إذ لا يوجد مكان ليس فيه جرح ينزف دمًا، لم يجد أماكن في جسد الأخ "صادق" يمكن أن يمسك به منها لنقله، واستقر الأمر على حمله فوق كتفيه؛ لعدم قدرة صادق على الحركة والمشي.

 

حمل الشاب محمد العزباوي أخاه "صادق" على كتفيه وسار به من مبنى التعذيب عبر الساحة ثم دخل العنبر وصعد به إلى زنزانته، ليقوم الإخوان بمعاونته، وتنظيف جسده الضعيف من الصديد والدم، وصادق يتأوه من الألم طوال الطريق، وفي الزنزانة.

 

بعد يومين تأخَّر برنامج طوابير الأذى اليومية للإخوان في الساحة، ورفع أحد الإخوان الشاب محمد العزباوي فوق كتفيه لينظر من الشباك الصغير المرتفع في الزنزانة إلى ساحة السجن ليستكشف الأمر، فرأى باب السجن مفتوحًا وعددًا من الجنود يحملون جثة ملفوفة في قماش رث ليخرجوها بسرعة، وليدفنوها في الخارج في أي مكان، وقد تكرر مثل ذلك مرات عديدة مع الإخوان في السجن، قال الحاج محمد العزباوي: تيقنت وأنا أنظر إلى هذه الجثة أنها جثمان أخينا الحبيب "صادق".

 

لم يتحمل جسده هذا العذاب القاتل المتكرر يوميًّا، ولكنه في نفس الوقت لم يتكلم أو يشي بمن عاونوه؛ خاصةً شيخ الأزهر وأسرته، فكانت شهادته وفاءً لهؤلاء، وكان صبره على الألم ردًّا للجميل، ومثلاً لنا جميعًا في الرجولة والخلق والصبر.

 

هؤلاء هم الإخوان...

هذا نموذج لا يعرفه أحد منا إلا أقل القليل ممن عاصروا القصة، ومضى الرجل لا يريد ذكرًا بين الناس، ولا شهرة بين إخوانه، ولا منصبًا حتى في الدعوة، فقبضه الله إليه فيما نرجو أن تكون شهادة، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

 

وقد يقول أحد الإخوة: لقد حدث هذا مع الكثير من الإخوان، فلماذا هذه القصة بالذات، والإجابة أن هذا النموذج لم يصبر على الأذى لحماية أسرار الدعوة فحسب أو لحماية إخوانه ممن لهم أدوار مهمة فحسب، وإنما صبر وفاءً لمن عاونوه سابقًا، وكان من الطبيعي أن يقول لم أتحمل فاعترفت، فلوموا الزبانية ولا تلوموني أنا، لكنه لم يفعل، وصبر حتى لقي ربه، فأي أخلاق هذه! وأي وفاء هذا! وهل لو وُضعنا مكانه- لا قدر الله- سنفعل مثلما فعل؟ أم سنتأول ونتفلسف تبريرًا لسلوكنا؟

 

أمر آخر هو أهمية التذكرة المستمرة بالنماذج الفذة، قديمًا وحديثًا لنتفكر ونتأمل بعمق في قضيتنا وحالنا، ولنتحفز لنزداد قربًا من الله، وبذلاً في سبيل الله وخلقًا رفيعًا، ووفاءً لدعوتنا وإخواننا، وكل أصحاب الفضل علينا، ورحم الله الشافعي حين قال: "الحرُّ من راعى وداد لحظة أو انتمى لمن أفاده لفظة".

 

هؤلاء هم الإخوان..

كنت أتخيل بدقة أثناء سرد القصة وصف الحاج محمد العزباوي لحمل الأخ صادق على كتفيه، وسيره به، واهتمام إخوانه به وعلاجه، وجمع كل ما يحوزون من عسل نحل لعلاج الأخ صادق.. وغير ذلك، وأنظر في وجه الشيخ صاحب الخمسة وسبعين عامًا، المحبوس معنا ربما للمرة السادسة، الصابر على البلاء، فأقول في نفسي هذه هي الأخوة، وهؤلاء هم الإخوان برجولتهم ووفائهم وأخوتهم، فيعصم الله مثل هؤلاء من الريبة في إخوانهم أو قيادتهم، فلا يتهمون، ولا يتطاولون، ولا يسيئون، بل ينصحون بأدب وأخوة وثقة، ثم يلتزمون بما عليه الجماعة، طاعة لله أولاً وآخرًا، وإن خالف الأمر رأيهم.

 

وهكذا كان الأزهر...

فقد سألت الشيخ أكثر من مرة أكان ذلك شيخًا أزهريًّا؟ أم شيخ الأزهر نفسه في تلك الفترة، فأجاب وأكد أنه كان شيخ الأزهر نفسه، فتعجبت من ذلك الشيخ الفاضل الذي غامر بنفسه وأسرته (التي غامرت بدورها أيضًا) ليساند مظلومًا من الدعاة إلى الله، وهو يعلم تمام العلم عواقب هذا الأمر إن انكشف للظالمين.

 

أيها الإخوة الكرام...

إنها ليست مجرد قصة مؤثرة لننفعل بها فحسب، لكنها قصة لنعرض أنفسنا عليها، ونتأملها بعمق، ونخرج منها بما يجب أن نكون أو نفعل، وكيف نحقق ذلك..

 

إن أمثال هؤلاء الإخوان هم الذين أوصلوا إلينا هذه الدعوة بنقائها وشموخها، وهم الذين قالوا لنا: نعم من الممكن أن تفعلوا إن اجتهدتم، وأن تنالوا الشهادة ورضا ربكم، فشمروا أيها الإخوان وكونوا كأسلافكم على مرِّ الزمان يفتح الله عليكم وينصركم ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)﴾ (آل عمران).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.