عشرات الأسئلة، وعلامات استفهام عديدة تتضاعف يومًا بعد يوم، دون أن يكلف الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء والطاقة، أو أي من قيادات وزارته أنفسهم عناء الرد على ما أثارته عددٌ من الصحف قبل أسبوعين، حول علاقة نجله وأبناء كبار قيادات الوزارة بشركة "بجسكو" التي تتولى الأعمال الاستشارية للعديد من مشروعات محطات الكهرباء بالأمر المباشر، وبتكلفة تصل إلى مليارات الجنيهات، والتي كان آخرها ما كشفت عنه المستندات الرسمية التي تؤكد أن "الكهرباء" وافقت على منح "بجسكو" أكثر من 360 مليون جنيه مقابل قيامها بالأعمال الاستشارية لمحطة كهرباء واحدة توقف العمل فيها قبل أن يبدأ.
مبلغ 360 مليون جنيه المشار إليه هو نقطة في بحر كبير من المليارات التي انتقلت إلى "بجسكو" عبر عقود مشابهة للعقد الأخير الذي كشفه محضر اللجنة العليا للمشتريات بشركة كهرباء شرق الدلتا في جلستها رقم 34 للعام المالي 2008/2009م التي عقدت بتاريخ 6/1/2009م؛ لتوصي بإسناد مناقصة الأعمال الاستشارية الخاصة بمحطة كهرباء تقليدية واحدة، هي محطة نويبع لتوليد الكهرباء خلال 4 أعوام، وبقيمة تقترب من نصف قيمة عقد الأعمال الاستشارية الخاص بمشروع إقامة المحطات النووية التي تشمل دراسة 5 مواقع جديدة، بالإضافة لتحديث دراسات الضبعة، والذي لا تزيد على مليار جنيه، موزعة على 10 سنوات، رغم أن طبيعة العمل في المحطات التقليدية أقل تعقيدًا من أعمال المحطات النووية، التي تنفذها شركات معدودة على مستوى العالم، بعكس أعمال محطات القوى التي تختص بها مئات الشركات والمكاتب الاستشارية، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول العقدين.
هل عقد "بجسكو" الخاص بمحطة نويبع مُبالغ فيه بدرجة كبيرة؛ خاصة أنه يشمل موقعًا واحدًا تقل مساحته عن 1/10 مساحة موقع الضبعة أحد مواقع المشروع النووي المطروحة للدراسة؟ أم أن عقد الأعمال الاستشارية الخاص بالمشروع النووي منخفض التكلفة؛ للدرجة التي تجعل تكلفة الأعمال الاستشارية لموقع محطة كهرباء تقليدية يوازي قيمة الأعمال الاستشارية الخاصة بموقعين للمحطات النووية؟.
لا تتوقف الأسئلة المتعلقة بـ"بجسكو" وعقودها المليارية عند هذا الحد، فعقد محطة "نويبع" واحد من عشرات العقود التي حصلت عليها "بجسكو" بالأمر المباشر من وزارة الكهرباء منذ إنشائها في 1993م بشراكة مصرية أمريكية بين وزارة الكهرباء وشركة "بكتل باور" الأمريكية الشهيرة في مجال إنشاء المحطات النووية، ومحطات القوى الكهربائية، وهي عقود كان يمكن لـ"بجسكو" الحصول عليها بسهولة تامة؛ لكفاءتها التي لا يمكن المزايدة عليها بفضل وجود شركة "بكتل" أحد أهم المكاتب الاستشارية للمحطات النووية ومحطات القوى الكهربائية التقليدية كشريك بها، ودون أن تطفو عشرات التساؤلات المتشككة بلا إجابة، لكن وجود أبناء العديد من قيادات وزارة الكهرباء في الشركة الوليدة "بجسكو" على رأسهم نجل الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء، رغم تعيينهم جميعًا بشركات الكهرباء التابعة للوزارة، يثير تلك التساؤلات، التي تتجاوز "لماذا بجسكو؟" إلى أسئلة أخرى مثل "لماذا هذه المبالغ الخيالية لبجسكو؟"، و"هل هذه هي القيمة الحقيقة للأعمال التي تقوم بها الشركة؟" و"هل لذلك علاقة بوجود أبناء الوزير ورؤساء شركات الكهرباء في بجسكو؟"، و"لماذا من الأساس يترك نجل الوزير وأبناء رؤساء الشركات عملهم بالشركات التابعة لوزارة الكهرباء ليعملوا ببجسكو في الوقت الذي يبحث فيه عشرات الآلاف من الشباب عن وظيفة متواضعة لا مانع أن تكون بالتعاقد المؤقت وبراتب يقل 10 مرات عن رواتب شركات الكهرباء التي هجرها أبناء قيادات الوزارة طمعا في رواتب بجسكو الخيالية، التي تفسرها عقود الأعمال الاستشارية الأكثر إغراقًا في الخيال؟".
مليارات "بجسكو" وعقودها المباشرة تفتح المجال أيضًا أمام أسئلة أخرى تتعلق بنفوذ الشركة الأمريكية الأصل، داخل إحدى أهم الوزارات الخدمية في مصر، مع تأكيدات لمصادر داخل شركة شرق الدلتا بأن قرارات التعامل مع "بجسكو" تصدر مباشرة من الدكتور حسن يونس وزير الكهرباء، عبر الدكتور محمد عوض رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر.
وبالتأكيد تتعلق معظم هذه الأسئلة بالتلاعب في تعيينات الشركة، وحجزها لأبناء قيادات الكهرباء، لحين عودتهم من إعارة "بجسكو"، بينما يتم تجاهل حقوق آلاف الشباب الباحث عن عمل، قبل أن ننتقل لأسئلة تتعلق بمستقبل الطاقة، ومستقبل مشروع المحطات النووية الذي تشرف عليه وزارة الكهرباء، وتتعامل معه بنفس طريقة تعاملها مع مشروعات المحطات التقليدية، فلا معلومات متاحة، ولا شفافية تضمن عدم تكرار سيناريو "الكهرباء – بجسكو" بصورة أكبر مع شركة "بكتل" شريكة الكهرباء التي تتطلع إلى المساهمة في الأعمال التنفيذية لمشروع المحطات النووية، وهي الأعمال التي تتخطى عقودها قيمة عقد الأعمال الاستشارية بعشرات المرات، لتتسع دائرة الجدل وقتها وتضم "وزارة الكهرباء" بجانب "بكتل" وبينهما "بجسكو" ونجل وزير الكهرباء وعشرات من أبناء رؤساء شركات الكهرباء ومسئولي قطاعاتها، دون أن يكون هناك مجال لاتهام "سوء النية" بجمع هذه الأسماء في قائمة واحدة هذه المرة.
وبعيدًا عن هذه الأسئلة يبقى مشروع إنشاء محطة كهرباء نويبع دليلاً عمليًّا على كارثية هذا الخلط بين الوزارة والشركة المصرية الأمريكية التي تضم أبناء كبار قيادات الوزارة، وتتعامل معها في مناقصات بالمليارات، فالمحطة التي خصصت وزارة الكهرباء أكثر من 350 مليون جنيه لـ"بجسكو" مقابل أعمالها الاستشارية، توقف العمل بها؛ لعدم الانتهاء من التراخيص وينتظر أن تفسخ محافظة جنوب سيناء تعاقدها وتسترد الأرض مع ضياع قيمتها التي تزيد على 2 مليون على وزارة الكهرباء لمسئوليتها عن التأخير، وعدم جديتها في تنفيذ المشروع.
وبالرغم مما سبق لم يكلف وزير الكهرباء الدكتور حسن يونس، نفسه عناء الرد على ما نشرته الصحف بالمستندات حول علاقة نجله بـ"بجسكو"، وتفسير هذا الخلط والاشتباك بين الوزارة وأبناء قياداتها، وبين إحدى الشركات المتعاملة معها في مناقصات بمليارات الجنيهات، وإن تجشم الوزير أو أي من قيادات وزارته عناء هذا الرد فعليه أن يخبرنا عن الـ350 مليون جنيه الخاصة بأعمال محطة "نويبع" الاستشارية، التي فشلت "بجسكو" في اختيار الموقع المناسب لها، والتي ما زال العمل متوقفًا فيها بشكل نهائي، عليه أن يخبرنا صراحة هل تقاضت "بجسكو" هذه المبالغ رغم توقف العمل بالمحطة؟ أم أنها ستتبرع بها لصالح الوزارة تعويضًا عن فشلها في اختيار الموقع المناسب لإقامة المحطة؟
لمعلوماتك:
- 40% نسبة وزارة الكهرباء في بجسكو وهي نفس نسبة بكتل الأمريكية.
- 15 عامًا استحوذت خلالها "بجسكو" على كل مشروعات محطات القوى الكهربائية في مصر، بما فيها محطة توليد كهرباء الكريمات بمراحلها المختلفة، وتوسعات محطات شمال وغرب القاهرة، ومحطات سيدى كرير وعيون موسى، والتوسعات التي تلت إنشاءهما، بالإضافة لمحطات التبين والنوبارية وطلخا.
--------------