الصورة غير متاحة

 البدوي عبد العظيم البدوي

 

لا شك في أن الاستبداد ظاهرة مهمة في منطقتنا؛ مما يجعلها محل رصد، وقبل ذلك تعريف في محاولةٍ للفهم، فالاستبداد أن يعتقد المستبد أن رأيه هو الأصح دائمًا ولا يحق لغيره أن يناقشه فيه، بل إنَّ غيره هذا حتى ولو كان من أعوانه لا يرقى عقله ولا تحمله مؤهلاته أن يدلو بدلوه في أية قضية من القضايا.

 

كما أن المستبد يعتقد في جوهره أنه محورٌ للكون، وأن كان به شيء من التواضع فيعتقد أنه محور المنطقة التي يعيش فيها من العالم، وأن بني جلدته وشعبه لن يستطيع أن يعيش، بل لن تتوافر له مقومات الحياة الأساسية إن لم يكن له وجود وتأثير في تسيير قرارات بلاده ومنطقته، ومع كل ذلك الاعتداد بالرأي والتصلب.

 

إلا أن المستبد لا يجد حرجًا في أن يُطأطِئ رأسه متنازلاً لغيره من المستبدين الأكبر منه حجمًا وصلفًا (سواء كانوا أشخاصًا أو أنظمة)، معتقدًا أنه بذلك يصيب خلق التواضع، وأن ذلك من باب التضحيات التي يقدمها لشعبه حتى يُوفِّر لهم مقدرات الحياة وضرورياتها؛ مما يجعله صورةً من الصور راضيًا عن نفسه، إلا أنه في حقيقة الأمر لا يرضخ صاغرًا لمَن هو أكبر منه استبدادًا إلا لمعرفته بحجمه الحقيقي.

 

كما أن المستبد الأكبر لن يسمح له أن يعيش في دور المحرر أو البطل القومي في حضرته،  وإلا فإن ردة فعله معروفة، ويزداد المستبد صغارًا وخضوعًا إذا كانت له مصلحة ما لدى المستبد الأكبر منه حجمًا، وكلما كانت تلك المصلحة أو الحاجة شخصية للمستبد الصغير كان مقدار الاستنزاف والابتزاز من المستبد الأكبر منه له كبيرًا، وتلك هي طبيعة الأشياء في عالم الاستبداد.

 

مَن يدفع الثمن..؟!

وفي كل الأحوال يجب أن يكون هناك ثمن أو مقابل يجب أن يتم سداده، سواء كان هذا الثمن لبقاء المستبد في موقعه أو لحصول المستبد على الحاجة أو المصلحة التي يبتغيها ذلك المستبد لنفسه، والأهم من ذلك هو أن هناك ثمنًا سيتم دفعه، ولأن المستبد لا يملك في حقيقة الأمور شيئًا فإن مَن يدفع الثمن في كل الأحوال هو الشعب الذي يحكمه هذا المستبد من تاريخه وكرامته وثروته ووحدة نسيجه، وبالجملة مقومات بقائه، وقد يصل الثمن إلى أرضه ورمز سيادته.

 

ولعل المثال الأهم هذه الأيام هو ما يحدث على الساحة الفلسطينية، وما جره استبداد فرد أو فصيل ما على القرار وإنكاره وإقصائه لكل المؤثرين في الواقع الفلسطيني حتى نصَّب نفسه صاحب الحل الأهم والأعمق والإستراتيجي، والذي لا يفهمه غيرهم نظرًا لقلة خبرتهم أو لقصور فهمهم لقواعد اللعبة السياسية ودهاليزها.

 

كل ذلك جعله منبوذًا من بني جلدته خارجًا عن الإجماع الوطني الفلسطيني، بل محاربًا باقي فصائل ومكونات قيادة الشعب الفلسطيني، ويقوم بالدور الذي كان يحاول العدو الصهيوني القيام به منذ سنوات ولم يفلح، وهو تصفية المقاومة الفلسطينية في الضفة على الأقل بعد أن خرجت غزة من يده، والثمن الأهم هو التنازلات التي يتم تقديمها للعدو الصهيوني، بل القبول بها حتى ولو كانت في صلب وأساسيات القضية الفلسطينية مثل القدس وحق العودة والمستوطنات.

 

وأخيرًا ضم عددٍ من المساجد التاريخية مثل الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح لما يسمى بالتراث اليهودي، فضلاً عن الحفريات المستمرة تحت المسجد الأقصى.

 

والحل..؟

هو دائمًا في مواجهة ظاهرة الاستبداد وعزل حكومة الاحتلال الصهيوني فرع رام الله، والتي ذكرتنا بالحكومات العميلة والموالية التي شكَّلها الألمان في البلاد التي احتلوها أثناء الحرب العالمية الثانية.

 

وفي حالتنا هذه، فالحل هي انتفاضة جديدة تطهر الواقع الفلسطيني في الضفة من ذلك السرطان الذي إن لم يستأصل فسينتشر زيادة في كل يوم، ويستفحل أمره ويزداد المرتبطين به بروابط الولاء ثم المصلحة، وأخيرًا العمالة الصريحة والموالاة للأعداء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدينة رام الله بعد أن أصبحت مغارة أو كهف يعشش العنكبوت وينسج خيوطه ليخنق كل أمل واستوطنتها الخفافيش، والعبء الأكبر في هذا الأمر يقع على عاتق الشعب الفلسطيني الذي يظل دائمًا موضع الرهان على وعيه ويقظته وحراسته للقضية الفلسطينية.

---------------

* مستشار قانوني- محكم تجاري دولي- باحث