محمد السيسي

العدوان الصهيوني على المصلين في الحرم القدسي الشريف يوم الجمعة 5 مارس 2010م ودخول أكثر من 700 مجرم صهيوني من رجال الأمن من جميع الأبواب وهم مدججون بالسلاح والرصاص المطاطي والحي وإطلاق أسلحتهم على المصلين المعتصمين بعد صلاة الجمعة لحمايته من المتطرفين اليهود، واستهداف الأعين والرءوس والصدور بهدف القتل وإسالة الدماء.. كل هذا إنما هو سلسلةٌ متواصلةٌ من الجرائم التي لم تتوقف لحظةً واحدةً بحقِّ شعبنا الفلسطيني البطل.

 

ودخول المتطرفين اليهود ساحات المسجد الأقصى قد تزايد منذ يوم الأحد الموافق 28/2/2010م في إطار حملة صهيونية؛ الهدف منها استفزاز المصلين، وتعمُّد إهانتهم، والعدوان عليهم بدعوى ممارسة طقوس تعبدية وشعائر تلمودية داخل باحات المسجد الأقصى في مخطط صهيوني قديم حديث نحو تهويد المدينة المقدسة وطرد السكان المقدسيين منها وتهويد المسجد الأقصى، ومحاولة تقسيمه، وبناء كنيس يهودي بداخله أو على أنقاضه.

 

وتأتي هذه الخطوة الاستفزازية بعد قرار رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو- في يوم الأحد أيضًا الموافق 21/2/2010م- اعتبار المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم، ضمن المناطق التراثية الصهيونية، بمثابة فرض سياسة الأمر الواقع.

 

فما هو التراث الصهيوني؟ ليس إلا القتل والحرق والتدمير والمصادرة والمجازر والإبادة، هذا هو تراثكم.. جرائم واحتلال لأرضٍ كان فيها شعب قبلكم بآلاف السنين.

 

المسجد الإبراهيمي في الخليل ومنذ أن ارتكب باروخ جولدشتاين مجزرته في 25 شباط 1994م التي راح ضحيتها عشرات المسلمين الساجدين لربهم، منذ ذلك الحين ودولة يهود تُسيطر على المسجد سيطرةً كاملةً بعد أن قسَّمته إلى جزأين، أحدهما للمصلين المسلمين والآخر لليهود، وتستمر في مصادرة الأراضي من حوله وتضع الحواجز أمام المسلمين لمنعهم من الوصول إلى المسجد، إضافةً إلى منع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي، ووضع البوابات الحديدية عليه، وأما مسجد بلال فهو يُشكِّل جيبًا ليهود في مدينة بيت لحم.

 

انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية

قرار حكومة العدو الصهيوني رصد 400 مليون شيكل لصيانة أماكن تراثية، بما في ذلك المسجد الإبراهيمي الشريف ومسجد بلال بن رباح (قبة راحيل) بعد ضمِّهما، في وقتٍ تعاني فيه الأماكن المقدسة للمسلمين من انتهاكٍ خطيرٍ منذ إقامة دولة الكيان الصهيوني حتى اليوم، تحوَّلت فيها المساجد الإسلامية إلى إسطبلات ومطاعم وخمَّارات ومكاتب ومخازن، وبعضها تُركت دون رعاية، رغم عظمتها المعمارية وقيمتها المقدسة، وبعضها الثالث حوَّلته إلى كنس يهودية، وبعضها الرابع هُدِّم بالكامل. ودولة الاحتلال- أيّ احتلال- مسئولة طبقًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف عن الحفاظ على مؤسسات ومقدسات وتراث وثقافة الشعوب تحت الاحتلال؛ فلا يجوز الاعتداء عليها بالضمِّ أو الاستيلاء أو التغيير بأي صورةٍ من الصور، وعلى "إسرائيل" أن تُغيِّر سياساتها جذريًّا، وأن تعترف بالأماكن المقدسة الإسلامية، من مساجد ومقابر ومقامات؛ باعتبارها سلطة احتلال، وأن كل ما تنفِّذه "إسرائيل" في فلسطين المحتلة- ومنها الخليل- مخالفٌ للقانون الدولي وللشرائع الدينية، ولن يغيِّر من الحقيقة أن الأرض الفلسطينية بما عليها وما فيها عربية إسلامية خالصة ليس لليهود أي حق فيها.

 

إعلان ضم الحرم الإبراهيمي تمهيد لتدمير المسجد الأقصى

إعلان الكيان الصهيوني ضمَّ الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل إلى قائمة ما تُسميه مواقع أثرية يهودية والمتوقع أن يتمادى الطرف الصهيوني في ممارساته وعدوانه على مقدسات إسلامية أخرى- وبالتحديد قبر يوسف في مدينة نابلس- ما هو إلا "بروفة" للوقوف على ردِّ فعل المسلمين المتوقع عندما يعمد الاحتلال منتصف الشهر الحالي إلى تهويد المسجد الأقصى المبارك، ومن ثَمَّ تدميره وبناء الهيكل اليهودي المزعوم فوقه.

 

وموعد استهداف المسجد الأقصى يأتي وفقًا للنبوءات التي يتحدث عنها حاخامات يهود، والمقرر لها يوم 16 مارس المقبل في ذروة الأعياد اليهودية، والتي عادةً ما يواكبها اعتداءات من يهود متطرفين على الأقصى.

 

وبحسب تأكيدات الصهاينة سيتم في هذا اليوم افتتاح أكبر كنيس- ويسمى "معبد الخراب"- على بعد 50 مترًا فقط عن المسجد الأقصى، ويوافق اليوم التالي (16 مارس) موعد نبوءة بناء الهيكل الثالث المزعوم علي أنقاض الأقصى، والمنسوبة لأحد حاخامات القرن الثامن عشر، والمعروف باسم جاءون فيلنا.

 

وقد حذَّر الشيخ رائد صلاح رئيس الجناح الشمالي في الحركة الإسلامية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 من أن الاحتلال الصهيوني يسعى في هذه المرحلة إلى تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود على غرار ما حصل للمسجد الإبراهيمي، فالمنظمات "الاستيطانية" المتطرفة زادت من اقتحاماتها لساحاته بشكل شبه يومي، بل وأصبحت تتجرَّأ على إقامة طقوس تلمودية وتوراتية في باحاته، وكذلك أعمال الحفر تحيط به من كل حدب وصوب أسفله وجوانبه، وكنس تُبنى بالقرب منه، وأيضًا البلدة القديمة يجري إغلاقها لمدة عامين تحت حجج وذرائع الترميمات؛ بمعنى شلّ شريان الحياة الاقتصادية في البلدة القديمة، وحينها تكون الفرصة مواتيةً للهدم أو التقسيم وبناء الهيكل المزعوم.

 

"إسرائيل" تدرك جيدًا أن هذا المسجد الذي تعرَّض للحرق على يد أحد الصهاينة في أغسطس 1969م، وكانت رئيسة الوزراء الصهيوني جولدا مائير تتصور أن رد الفعل العربي والإسلامي سيكون بالزحف إلى تل أبيب، لكنها تكتشف أن ردة الفعل العربي والإسلامي لم تخرج عن إطار الشجب والاستنكار والمظاهرات في العواصم العربية والإسلامية، وهذا ما أعطى مؤشرًا لها ولغيرها من قادة الكيان الصهيوني اللاحقين أن ردة الفعل العربية والإسلامية على أي جريمةٍ يُنفذها الكيان- حتى لو كانت بحجم هدم الأقصى- لن تتعدى فترة العزاء عند العرب ثلاثة أيام.

 

السطو على التراث الفلسطيني يرتقي إلى مستوى جريمة الحرب

على الدول العربية والإسلامية التي لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية أو تجارية مع الكيان أن تبادر بطرد السفراء والممثلين التجاريين وقطع العلاقات فورًا، ودعوة مجلس الأمن الدولي للانعقاد، وتحت البند السابع؛ لما أقدم عليه الاحتلال من تعدٍّ غير مسبوق على تاريخ وتراث وحضارة الشعب الفلسطيني المحتل، وبما يثبت بشكلٍ قاطعٍ أن هذه الدولة تقوم على العنجهية والبلطجة وثقافة القوة وإقصاء الآخر.

 

والموقف العربي الرسمي المتخاذل رهن الإرادة والقرار الرسمي للقوى الخارجية والإملاءات الغربية والأمريكية، ويتجلى ذلك في التخلي عن المقاومة كنهج وخيار وثقافة ودور، بل والعمل على محاربة ومطاردة القائلين أو الداعين أو المؤمنين بها من جماهير وأحزاب وقوى.

 

وها هي الجامعة العربية اليوم تمارس سياسة الاستجداء والخنوع، على العكس تمامًا مما يمارسه العدو الصهيوني تجاه الأقصى والقدس والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس، فتعطي محمود عباس صكَّ الدخول في المفاوضات غير المباشرة مع الصهاينة، وإعطاء مهلة قدرها أربعة أشهر، يتم بعدها النظر في نتائج المفاوضات، وعندئذ لا بدَّ من ضرورة العودة إلى المفاوضات مجددًا، وخطة أمريكية ومبادرة أوروبية ومؤتمر روسي.. إلخ من الخطط والمبادرات، الهدف منها هو الاستمرار في إدارة الأزمة، وفق إيقاع أمريكي أوروبي غربي منظم ومنسق، يُكرِّس الاحتلال الصهيوني ويبارك خطواته وإجراءاته على الأرض.

 

رغم هذا فالكيان مستمر في سياساته ولم يتوقف يومًا طوال تاريخه عن ممارسة العدوان والجرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني ومقدساته، ففريق اغتياله من الموساد وصل إلى دبي العربية واغتال المبحوح القيادي في حركة حماس بجوازات سفر أوروبية، ومن شبه المؤكد بعلم الدول التي استخدمت جوازات مواطنيها، وبما يفضح ويُعرِّي الدور المتواطِئ والمشارك في الجريمة لتك الدول، دون أن تتخذ هذه الدول التي تزعم الديمقراطية والحرية والعدل موقفًا قويًّا ضد العدو الصهيوني الذي انتهك سيادة كل الدول التي استُخدمت جوازات سفرها أو مرَّ منها وبات الأمر مرنًا جدًّا، ولم يصدر من أي عاصمة أوروبية إدانة أو استنكار للكيان على ما قام به، سواء لجريمة القتل أو لانتهاك السيادة المتعمَّد أو المتفق عليه.

 

ولم تتخذ الجامعة العربية موقفًا- ولو شكليًّا- تساند فيه دولة عربية انتُهكت سيادة أراضيها من كيان يمارس العربدة والقتل في طول أوطاننا وعرضها، دون أن تهتز شعرة لمسئولٍ عربي واحد، من الذين تملأ صورهم نشرات الأخبار وكأنهم سعداء بالجريمة التي وقعت على أرض عربية، أو كأنهم شركاء ولن تغلبهم الحيل، فدعوى مكافحة الإرهاب كفيلة بشراب نخب المبحوح بكئوس عربية ودماء فلسطينية وسقاة صهاينة وسفرة أوروبية وحماية أمريكية.

 

إذا كانت جرائم بحجم ضمّ الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح واعتبارها معالم تراثية صهيونية؛ لا تحرك شيئًا في هذه الأمة، فهل هذه الأمة قد بات يحكمها من محيطها إلى خليجها مجموعة حكام من كوكب آخر؟ وهل شعوبها التي تئنُّ من القمع والجوع والفقر والحرمان ولم يعد يُحرِّكها اغتصاب عاصمة الرشيد واحتلالها، أو قصف قطاع غزة بالأسلحة المحرمة دوليًّا أو قصف بيروت وتدميرها؛ سيحركها هدم المسجد الأقصى أو ضمه كمعلم تراثي صهيوني؟!

 

رغم كل هذا لا يمكن لهذه الأمة أن تستسلم وقد صمد أهل القدس في وجه العدوان، وصمد أهل غزة رغم الحصار الصهيوني المصري في وجه العدوان والمجازر، وأمة تملك عبر تاريخها رصيدًا هائلاً من المقاومة والوقوف في وجه المحتل وطرده.. أمة عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وطارق بن زياد وهارون الرشيد والمعتصم وصلاح الدين الأيوبي وقطز وبيبرس والعز بن عبد السلام والقسام وحسن البنا وأحمد ياسين.. لا يمكن أن تُهزم أبدًا.

 

لا نملك إلا أن نطالب الشعوب العربية والإسلامية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات المهتمة بالحفاظ على التراث العربي والإسلامي؛ بممارسة الضغوط على حكامهم وأنظمتهم؛ من أجل التحرك لوقف هذا العدوان الصهيوني المستمر.

---------

* الأمين العام لنقابة المحامين بـ6 أكتوبر.