نشرت جريدة (المصري اليوم) على مدار أربعة أيام متتاليات ابتداءً من يوم 8 فبراير 2010 ما زعمته "بالوثيقة النادرة"، وقام بتحقيقها الأستاذ "صلاح عيسى" في حملة إعلامية هدفها تشويه صورة الدكتور "محمد بديع" المرشد الجديد للإخوان المسلمين، وإظهاره للرأي العام أنه ينتمي إلى ما يسمى بالتطرف أو العنف، وأنه كان يتبنى هذه الأفكار مع غيره من الإخوان منذ كان عمره لا يجاوز العشرين عامًا، وأنه قد كتب بخط يده وثيقة "اعترافات" اتخذت أساسًا للتحقيقات التي أجرتها معه النيابة العامة في خيمة بساحة السجن الحربي، في عملية تلفيق كبرى لقضايا تنظيم الإخوان المسلمين عام 1965 والتي تشكلت على إثرها محكمة عسكرية من عدة دوائر كان أبرزها دائرة "الفريق محمد فؤاد الدجوي" حيث صدرت أحكام قاسية بالإعدام شنقًا على ثلاثة من كرام الإخوان هم: الأستاذ سيد قطب، والشيخ عبد الفتاح إسماعيل، والأستاذ محمد يوسف هواش رحمهم الله، كما نالت أحكام السجن ابتداءً من المؤبد حتى الحبس سنة واحدة مئات من الإخوان، هذا بخلاف أكثر من عشرين ألفًا جرى اعتقالهم في وقت وجيز امتلأت بهم سجون مصر كلها، وبقي الكثير منهم رهن هذا الاعتقال الظالم أكثر من ست سنوات لم يفرج عنهم إلا بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م.
ويعترض الأستاذ مختار نوح على منهج المحلل للوثيقة المدعاة، وهو الأستاذ صلاح عيسى الذي انتهى إلى عدة نتائج بدت وكأنها من الأهداف التي يريد إثباتها حتى ولو قام بلي عنق الحقائق.
إدانة عصر بأكمله
يرى الأستاذ مختار نوح، أن عرض هذه الوثيقة المدَّعاة، وتحليلها، وإعلانها في هذا التوقيت بالذات لا يخلو من تعسف في قراءة الأحداث، وتزييف للوقائع التاريخية.. ثم هو كذلك خطأ في حق الشعب المصري قبل أن يكون في حق الدكتور "محمد بديع" ذلك أن هذه الفترة الزمنية من حكم مصر كانت من أظلم العهود على الأقل من ناحية حقوق الإنسان، إذ أن هذا العصر المظلم قد امتلأ بالجرائم التي ارتكبتها الدولة في حق المواطن.
وكان مجرد التفكير في مخالفة الأسس، والمبادئ والقواعد التي خطها الضباط المتحكمون في أمور البلاد يساوي الحكم على من خالف بالإعدام المادي، أو الأدبي، وقد وصل الانحراف السياسي في ذلك العهد إلى استخدام النساء، والتهديد بهتك الأعراض، واستخدام التصوير في أوضاع مخلة، واعتبار ذلك من وسائل التحقيق المعقدة.
أما في مجال القضايا السياسية التي تم نظرها فقد ظهرت فيها آثار الدماء على صفحاتها، وتنصل من أن يحمل وزرها حتى من حققوا فيها، واعتذر الإعلاميون الذين شاركوا في استجواب المتهمين على شاشات التلفاز عما بدر منهم من موافقتهم أن يجلسوا أمام المتهمين، وعليهم آثار التعذيب، وهم حليقو الشعر، وعليهم آثار الإنهاك، والإجهاد واضحة.
وقد أحدثت صور "المعذبين" ردود فعل عكسية تمامًا لدى الرأي العام من المشاهدين إذ كان التعاطف باديًا على الجميع، مما جعل الدولة توقف هذه البرامج، بعد ما خاب ظن المخططين لها.
ويكفي في ذلك أن نوضح أن ظهور الدكتور حلمي حتحوت "رحمه الله" على شاشة التلفاز، وكان وقتها معيدًا نابغة في كلية هندسة إسكندرية وله أبحاث في تخصصه النادر، تجعل أية دولة تعتز بانتسابه إليها لا أن تفتك به، وتلقيه في غياهب السجن الحربي، ويصبح نهبًا للسياط تنهش جسمه النحيل، نقول، إن ظهور الدكتور حلمي حتحوت، وأمثاله، كان دليلاً دامغًا على وحشية هذا النظام، واستبداده ثم هو إدانة عصر بأكمله، وفترة سوداء في حياة مصر كلها.
فكيف يأتي اليوم من يظن أنه محلل جيد للتاريخ، ودارس له، وينشر وثائق يتوهم فيها أنه يدين الضحية، ويبرئ الجلاد؟!!
شاهد عيان
لقد نالني تعذيب بشع في السجن الحربي، وذلك على مرحلتين:
المرحلة الأولى: مع أهلي أهل كرداسة، حيث تم تجميع عائلتي، وعائلة عمدة البلد من الأعيان، والوجهاء رجالاً ونساءً، ووضعونا في عربة مصفحة مكشوفة، تدور بنا في أنحاء القرية، وحولنا الجنود يلهبوننا بالسياط، فتعلو الصيحات، والتأوهات، وهم بذلك يعطون درسًا قاسيًا داميًّا لكل البلدة بل، ولكل مصر، أن لا أحد يجرؤ أن يعارض الحاكم المستبد، أو يوقف هذا الطغيان، بأي تصرف كان، ثم ينتهي موكب عرض التعذيب العملي إلى التوجه إلى السجن الحربي، وهناك جرى استقبال بشع، ودموي لهؤلاء الطيبين، وكبار السن، وأول ما تم معنا هو أن جردونا من ملابسنا إلا ما يستر العورة فقط، ثم أتوا بالحلاقين من الجنود فأزالوا لنا نصف شعر الرأس، ونصف الشارب، ونصف اللحية، وصرنا أمثولة تصيب من يرانا بنوع الفزع، والخوف، ثم جعلونا نجلس على شكل حلقة، ودائرة في هيئة الساجد في الصلاة، وفي مشهد من زوجاتنا، ونسائنا اللاتي أحضرن معنا في هذا السجن الكئيب، يقف خلف كل واحد من الرجال جندي غشوم يمسك سوطًا رهيبًا، يلهب ظهر كل واحد من الضحايا، حتى تصبح الظهور كتلة من اللحم المفري المخلوط بالدماء، وذلك كله في حضرة قادة السجن الحربي، وزبانية التعذيب، وبمباركة، وحضور رتبة عسكرية كبيرة، وقتذاك.
المرحلة الثانية: مع الإخوان في السجن الحربي حيث تم استدعائي للمثول أمام لجنة التحقيق فيما نسب إليّ من اتهامات، وبسرعة تنزل على الضحية السياط من كل جانب، وفي أي موضع من الجسم، ويتم تعليق "المعذب" كالذبيحة على "الفلقة" حيث تُثِّبت اليدان، والقدمان في مكان واحد في متناول السياط، وبتركيز من الجلاد على هذه المواضع، حتى تتطاير أظافر اليدين، وتتورم القدمان حتى تصيرا كالكرة، أو البطيخة، ويتشقق الجلد، وخاصة أسفل القدمين، وتسيل منهما الدماء غزيرة، ويتعذر بعدها الوقوف عليها، تخيل أيها القارئ العزيز أن تُحمل الضحية بهذا الشكل الرهيب، وتوضع في مكان بجوار سور الباستيل، وقريب من لجنة التعذيب، ويطلب إليه أن يكتب كل شيء في أي شيء، فقط أن يسرد ما يرد على خاطره فيما يسمونه "تاريخ حياته"، وصلته بالإخوان خاصة، وبالعمل الإسلامي عامة!!
كل ذلك قد حدث معي، وبهذه البشاعة، فأنا من ناحية لا أستطيع أن أمسك القلم وأكتب، ثم ماذا أكتب؟ ومن أين أبدأ؟ وإلى أين انتهي؟! وحتى الأوراق، مع افتراض القدرة على مسك القلم، كانت تلطخ بالدماء، ومع ذلك فلم يشفع هذا المنظر المأساوي لدى زبانية التعذيب، فكانوا يكررون الأمر مرة ومرات، وعلى يوم وأيام حتى يحصلوا على "الوثيقة"، أو فيما يسمى بـ"بالاعترافات" الدامية التي عرضت بعد ذلك على النيابة العامة.
ولقد حاولت أمام النيابة، وكانت في خيام ساحة السجن الحربي.. وليست في مبنى النيابة في القضاء العالي، أو مكان مدني بعيدًا عن هذا المناخ الدموي القاتل، حاولت أن أتخلص من هذه الاتهامات، وأنفيها جملةً، وتفصيلاً باعتبارها أُخذت عنوة، وتحت طائلة التعذيب..
فما كان من السيد وكيل النيابة إلا أن أرسلني إلى الجلادين، وهم على مقربة منه، فأعادوا تعذيبي مرة أخرى، وتسببت السياط في تمزيق الشاش الملفوف حول قدميَّ، وكانت الجراح لم تندمل بعد رغم مرور أكثر من شهرين عليها، وعند استفساري عن سبب هذا التعذيب الآن أشاروا على أن أذهب إلى النيابة وأتكلم "كويس!" مما يوحي أن هناك تنسيقًا بين الجلادين، وحماة القانون في ذلك الوقت.
فهل يجوز أن يأتي بعد ذلك، وفي أي زمن من الأزمان، من ينشر هذه الأكاذيب، والتلفيقات والتزوير، يقوم بتحليلها مدعيًا الصدق، والموضوعية، والنزاهة؟!!
هل يجوز أن يظل الاتهام على أي شخص سواء كان الأستاذ المرشد د. محمد بديع، أو غيره من الإخوان، رغم استثنائية الظرف، وفساد المناخ وقسوة التحقيقات، وبطلان الأوضاع كلها؟!
إن أغلب الذين طالهم هذا التعذيب وهذا الظلم، قد مكثوا في السجون سنين طويلة وعانوا القهر، والعسف، والحرمان من أبسط الحقوق التي يتمتع بها السجين العادي المتهم في قضايا القتل، والفساد، والرشوة، والمخدرات، وغيرها من الجرائم، ومع ذلك فقد صبروا، واحتسبوا ذلك كله عند الله، وعند خروجهم من السجون، عوضهم الله خيرًا عميمًا في الصحة، والمال، والولد والوظيفة، وأخلف عليهم بالخير العميم والفضل الوفير.
وظل الواحد منهم في سجنه، وبعد خروجه، وحتى الآن مستمسكًا بدعوته، حافظًا لمبادئها، ومنطلقاتها لم تستهوه قضية التكفير رغم ما عاناه من ظلم، وتعذيب، وسجن، ولم يفارق وسطية الإسلام، وما عليه الجماعة من مبادئ راسخة وضعها الإمام البنا لإصلاح شأن الأمة بمبادئ الإسلام السمحة، وإعلاء أمر الشريعة، والعودة لمعين الإسلام الصافي النقي.
وأخيرًا، فنحن دعاة لا قضاة، نحمل هذه الدعوة دون إفراط، أو تفريط، ودون غلوٍ أو تهوين، ونسأل الله الثبات على ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).