تعيش مصر وشعبها تحت الأحكام العرفية منذ أكثر من 30 سنة، ويبرِّر القائمون على الأمر ذلك بأن حالة الطوارئ مهمة؛ لمحاربة الإرهاب، ومنع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها؛ حيث إن التقيُّد بالقانون الطبيعي يُعيق سلطات الأمن والتحقيق عن تحقيق الأمن الناجز والسريع (بزعمهم).

 

وحين نراجع هذا الادعاء نجد أنه باطل أريد به باطل، فمع استقرار الأحوال الأمنية بشكلٍ عام، وتوقف ما يُسمَّى بالجرائم الإرهابية بعد إعلان مرتكبيها عن توبتهم والإقلاع عنها، فإن ما حدث من جرائم عادية بعد ذلك كشف فداحة التدني المهني للشرطة المصرية, وهذا متوقعٌ ونتيجةٌ طبيعيةٌ؛ لتطبيق قانون الطوارئ، وإعلان الأحكام العرفية طوال هذه السنين الطوال.

 

ولكي نبرهن على هذا التدني المهني نُلقي الضوء على شرطة دبي، وقائدها الفريق ضاحي خلفان في جريمتين نالتا شهرة واسعة:

 

فشرطة دبي هي من جاءت بأدلة الإدانة الكاملة التي أدانت الضابط "محسن السكري"، وهو ضابط شرطة مصري تمَّ تدريبه على أعلى مستوى، وجاءت أدلة إدانته دامغة بتحركاته كاملة ومشترياته وأصنافها، بل وماركاتها، وكذا اتصالاته، بينما لم يشعر هو أو شركاؤه بأيٍّ من هذه المتابعة الدقيقة، وهذا نجاحٌ أكيدٌ وباهرٌ لشرطة دبي.

 

وشرطة دبي جاءت بأدلة دامغة ضد الموساد وضباطه وشبكة العملاء والمشتبه بهم، وبكل تحركاتهم كاملةً منذ دخولهم المطار، وحتى المغادرة وباتصالاتهم، رغم عدم استخدامهم الشبكة المحلية، ولكروت الائتمان التي استخدموها جميعًا وبصورهم، بل وسيناريو وطريقة اغتيال الشهيد المبحوح أحد قيادات حماس؛ وذلك رغم أن ملايين يتم دخولهم وخروجهم من المطار يوميًّا، وملايين غيرهم يستخدمون المطار كـ"ترانزيت"، ورغم ذلك لم يشعر أيٌّ من هؤلاء- رغم مستواهم التدريبي المخابراتي- بأيٍّ من تلكم المتابعات الدقيقة بل والباهرة.

 

لذا شعرت بالحرج الشديد كمصري حين تمَّ الإعلان عن إلقاء قنبلة على المعبد اليهودي بالقاهرة، وأن الفاعل  مجهول، وتبيَّن أن ما يسمَّى بالقنبلة التي أُعلن عنها هي زجاجات في حقيبة ألقيت على الرصيف المقابل للمعبد لم تُحدث حتى تغيرًا في طلائه أو خدشًا لسطحه، ورغم ذلك سمحت الشرطة المصرية لنفسها أن تُعلن رسميًّا عن هذا الفاعل المجهول!.

 

وفي حادث ميدان الحسين كان واضحًا عجز الشرطة عن تقديم أدلة اتهام محترمة للمتهمين الذين ما زالوا معتقلين على ذمة قانون الطوارئ منذ أكثر من عشرة شهور، وما زال الفاعل مجهولاً.

 

ولا يغيب عنا مذبحة بني مزار، والتي ما زالت عالقةً في أذهاننا وتمَّ تقديم المتهم بتأكيدات أمنية عليا على أنه الفاعل، ولم تستطع النيابة التي قبلت أدلة الاتهام أن يقوم خبيرها بتلبيس المتهم المزعوم الحذاء المنسوب إليه، وهذا ما دفع إلى أن تحكم المحكمة ببراءة المتهم بعد جلسات قصيرة؛ ما يدلُّ على أن المطلوب هو غلق ملف القضية بأي وسيلة وعلى أي وجه، بصرف النظر عن تحقيق العدالة من عدمها، وما زال الفاعل مجهولاً، واختفى صحفي كبير بجريدة كبيرة منذ سنوات (رضا هلال) وما زال الفاعل مجهولاً.

 

ونعلم جميعًا كم هي عدد الجرائم المجهول مرتكبيها، وكم هي عدد القضايا التي تبين أن المتهم الذي تمت محاكمته وأدين بالفعل ووفق أدلة دامغة ومؤكدة (قدمتها الشرطة نتيجة التعذيب) لم يكن هو الفاعل الحقيقي، وأن الفاعل الحقيقي تم تقديمه بعد ذلك بسنوات حين تم ضبطه مصادفة!.

 

إن إعلان الأحكام العرفية وتطبيق قانون الطوارئ جعل سلطات الأمن تستسهل الإجراءات دون خوف من أية محاسبة, فالمتهم يتم تعليقه كالذبيحة، وتمارس عليه كل فنون وصنوف التعذيب؛ مما يضطره إلى الاعتراف بما يمليه عليه ضابط الشرطة- حتى لو أدَّى الأمر إلى الإعدام-  فقط؛ ليهرب من سلخانة التعذيب المنصوبة له, وما حدث للمثلة حبيبة التي اعترفت بأنها قتلت زوجها خير دليل والأمثلة غيرها كثيرة.

 

وقد تلجأ الشرطة إلى إرهاب المتهم بإلقاء القبض على أقربائه، خاصةً أمه أو إخوته البنات إما لتهديد بهتك أعراضهم إذا لم يعترف بما هو مطلوب منه (تمامًا كما حدث في حالة المتهم بمذبحة بني مزار)، وهناك العديد من الوسائل التي تستخدمها الشرطة ليس منها أي من الإجراءات والوسائل التي تدل على ذكاء ما ولو قليل أو مهارة مهنية ولو نذيرة؛ نتيجة استخدامهم لقانون الطوارئ.

 

الأخطر هو أن النيابة العامة في معظم الأحوال تستجيب لهذه الأدلة الفاسدة، والتي تخرج عن نطاق العقل والمنطق مجاملة أو انكسارًا أمام حالة من التغول الأمني غير المسبوق على جميع سلطات الدولة.

 

الأمر الذي يجب أن نُلقي عليه الضوء وهو الأخطر أنه حتى في حالة استخدام بعض الوسائل الحديثة في المتابعة والمراقبة، فإنها لا تُستخدم الاستخدام العادل والصحيح، ليس فقط في المجال الأمني، ولكن في مختلف المجالات؛ مما يدل على أن حالة الطوارئ خلقت فيروسًا معديًا خطيرًا نشر ثقافة تدميرية غزت المجتمع وأفسدته وجعلته بعيدًا عن نطاق العدل والعدالة.

 

ففي مجلس الشعب مثلاً وداخل القاعة الرئيسية كاميرات لتسجيل كل سكنة وحركة وكل كلمة غير أنها لا تستخدم إلا ضد نواب المعارضة فقط المطلوب عقابهم وتأديبهم، في حين أننا نستطيع استخدامها لرفع كفاءة الأداء البرلماني، وإصدار مضابط مرئية حديثة؛ لتعريف الشعب بأداء نوابه بمختلف اتجاهاتهم.

 

وبالمثل في بعض الجامعات تم تركيب كاميرات تسجل تحركات الطلاب المختلفة، ولكنها أيضًا لا تُستخدم إلا كدليل على سوء تصرف المطلوبين للعقاب من الطلاب المناوئين، بينما لا تُستخدم كدليل على اعتداء البلطجية على الطلاب مثلاً!

 

وهذا كله يدل ليس على عجز النظام و مسئوليه عن استخدام الأدوات والآليات الحديثة للدفاع عن أمن مصر وشعبها؛ بل لأنه يصر على استخدام أدوات القهر والاستعباد ليُبقى على حالة الرعب والفزع في قلوب مواطنيه، ليستمر هو في فساده وإفساده واستيلائه على السلطة والثروة.

 

إن المتابع لتجديدات قانون الطوارئ خلال السنوات السابقة سيجد أنه حين يأتي موعد تجديده أو تمريره من مجلس الشعب أنه يتم الإعلان عن قضية (إرهابية) جديدة يتكئ عليها النظام في زعمه بضرورة تجديد إعلان الأحكام العرفية بدعوى الحفاظ على أمن وأمان المصريين دون أن يدري أنه بذلك أدَّى إلى تهاوي كفاءة مصر والمصريين، وضياع سمعتهم بين الأمم, وها نحن, ونحن على أبواب تجديد إعلان الأحكام العرفية ننتظر القضية الجديدة التي سيتم تلفيقها والإعلان عنها لتبرير تمديد العمل بالقانون!

 

لقد ارتقت دبي بأدائها الاقتصادي، وارتفعت بأدائها الأمني إلى أعلى عليين (بالنسبة لنا).

---------------------------------

* الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين