![]() |
|
حسين القباني |
في دولةٍ كمصر ينتشر فيها الفساد، وتدعم الحكومة فيها رجال الأعمال على حساب الفقراء وتتزاوج فيها السلطة بالثروة، وليس فيها تداول للسلطات، وتزوَّر فيها الانتخابات، وتُنهب فيها أراضي الدولة فلن يستطيع أحد كائنًا مَن كان أن يصدق أن قانونًا سمته حكومة هذه الدولة "نقل الأعضاء وزراعتها" سيحمي جسد الفقراء من جشع أصحاب المال، أو أن الوساطة، والمحسوبية لن تقدم صاحب جاهٍ مريض على صاحب مرض فقير.
ولا شك أن مصر السلطة- وليس الشعب- كانت واقعةً قبل إقرار القانون الذي تم إعداده عام 1996م بين أمرين إما بتجريم زراعة، ونقل الأعضاء من الأساس مع التضحية بحياة المرضى، وآلامهم، أو السماح بها وتحمل العواقب التي قد تنجم عن ذلك من انفلاتٍ طبي، وأخلاقي، وفساد، ومحسوبية قد يحوّلون فقراء المصريين إلى قطع غيار بشرية.
أما والبرلمان المصري قد مرر القانون بأغلبية الحزب الوطني، ورفض أكثر من 80 نائبًا ينتمون للإخوان، والمعارضة، والمستقلين، وامتناع واحد، قد أرجعني ذلك التمرير إلى كل القوانين التي تمس حياة الشعب المصري، ومستقبله سواء بتمرير التعديلات الدستورية المستبدة، وقانون الطفل المشبوه، وقانون الاحتكار، وغيرها من القوانين التي تماشت بقصد برلماني، أو لا مع رغبات النظام الحاكم، والرغبات المتوحشة لبعض رجال الأعمال، والرغبات الخارجية في تفتيت في المجتمع المصري في ظل تزايد المخاوف من تقنين القانون الحكومي الجديد تجارة الأعضاء البشرية في مصر بدلاً من مواجهته.
وبهذا التصور نحن لا نُخرِّب قوانين تخدم صحة الشعب المصري الذي هو في الأساس لا يهم الحكومة المصرية بدلائل عديدة ليس مجالها الآن، ويمكن أن تتضح في تعامل الحكومة مع الكوارث والأزمات خاصة، وعند الرجوع إلى أسباب رفض أطياف المعارضة بمجلس الشعب من خلال بيانهم نجد إدراكهم أهمية وجود قانون ينظم نقل، وزراعة الأعضاء البشرية؛ وذلك لحاجة المجتمع الشديدة إليه للقضاء على تجارة الأعضاء. وأنهم وافقوا على القانون من حيث المبدأ بشرط إجراء تعديلات جوهرية في بعض المواد التي تُعطي مزيدًا من الضمانات عند تطبيقه، ولكن للأسف عند مناقشة مواد القانون، وتعديلاته لم تتم الاستجابة لأي تعديل من هذه التعديلات.
وكانت أسباب رفض هذا القانون الذي يجب أن يسمي قانون "استباحة الأعضاء" كالتالي: افتقاد المشروع للضمانات الكافية التي تحفظ المحارم، وتعلي الضوابط الشرعية التي تحفظ الأرواح، والأنساب، وعدم إضافة مادة للتعريفات (الموت- اللجنة الثلاثية- اللجنة العليا- المنشأة- من تكفلهم الدولة).
وعدم تضمين تعريف الموت النقاط الخمس المذكورة في صفحة 10 من التقرير بتحديد العلامات الإكلينيكية للوفاة وهي (غيبوبة تامة- انعدام النبض- توقف التنفس التلقائي- انعدام الأفعال المنعكسة- اتساع حدقة العين، وعدم استجابتها للمؤثرات الضوئية)، وعدم إلغاء جواز التبرع لغير الأقارب في المادة 3 حيث إن في ذلك تقنينًا لتجارة الأعضاء، واستغلال حالة الفقر في المجتمع المصري، وعدم الحد من الإحالة إلى اللائحة التنفيذية، والسلطة المختصة، وعدم قصر عمليات الزرع، والنقل على المنشأة الحكومية التي تنطبق عليها شروط عملية النقل.
وتساهل تقرير اللجنة في العقوبات (المواد 15, 16, 17, 18, 19, 20) وعدم إضافة الطب الشرعي للجنة الثلاثية لتصبح لجنة رباعية تكون مسئولةً عن إثبات الموت اليقيني، والسماح بتخطي الترتيب في كشوف الانتظار بما يفتح بابًا للفساد، والوساطة، وإتاحة مشروع القانون للأجانب من غير المقيمين إقامة دائمة بمصر تبادل، وزراعة الأعضاء، وأخيرًا إتاحة مشروع القانون النقل من الأطفال ومنعدمي الأهلية بموافقة الولي، والنائب، والمسئول القانوني عنهم.
ولكن ما أدهشني فعلاً عندما قرأتُ تقريرًا عن تنامي المخاوف العالمية يومًا بعد آخر مما أصبح يسمى "سياحة زراعة الأعضاء"، وهي فرع مستجد للسياحة العلاجية، وتنتشر في عددٍ من البلاد منها الصين، وهي مثيرة للجدل حول مدى مشروعيتها، وخضوعها لمواثيق الشرف، والأعراف الطبية.
ولقد زادت دهشتي عندما قرأت أحد أسباب رفض المعارضة للقانون المنحصر في إتاحة مشروع القانون للأجانب من غير المقيمين إقامة دائمة بمصر تبادل، وزراعة الأعضاء، وكأنَّ الحكومة تسابق الزمان، وتدعم "سياحة زراعة الأعضاء" باعتبار السياحة جزءًا مهمًّا من موارد البلاد، وليضرب الشعب دماغه في الحيط!!
وللأمانة إن اعترافات المدافعين عن القانون تكشف حقيقةً مؤلمةً في مصر التي يغيب فيها القانون، والشرفاء، فقد قال د. حاتم الجبلي وزير الصحة: إن قانون زراعة الأعضاء البشرية يهدف إلى تحقيق ثلاثة أشياء إيجابية، وهي إنقاذ حياة آلاف المرضى الذين يحتاجون للزراعة، ومنع الاتجار في البشر، وتنظيم عملية زراعة الأعضاء، واعترف بحسب تصوره أن القانون استغرق وقتًا طويلاً لدراسته، ويتضمن ٥٢ مادة، وسوف ينهي عملية التجارة في الأعضاء البشرية.
واستمرت الاعترافات الحكومية بتأكيد د. حمدي السيد رئيس لجنة الصحة أن مصر أصبحت سوقًا رائجةً لتجارة الأعضاء البشرية، وأنه أمر لا نرضاه، ولا بد من وجود تشريع ينظم عملية النقل بشكلٍ علمي، وأخلاقي، ويحافظ على كرامة المواطن، لافتًا إلى أنه تمت مراجعة ٢١ قانونًا في الدول المختلفة للاستفادة منها، وذلك في الوقت الذي رفض د. زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية تعطيل إصدار القانون مجددًا بعد الوقت الطويل الذي استغرقته عملية الدراسة، مستطردًا: وضعنا رأسنا في الرمال لفترات طويلة بالجدل حول إصدار القانون، والقانون يضع حدودًا، وضوابط لعملية الانتقال، ويضع حدًّا للاتجار في البشر الذي يتم عيني عينك.
وما سبق يعني أن "الاتجار في البشر يتم عيني عينك"، وهذا الاعتراف المعلوم منذ سنوات طويلة يطرح تساؤلات عديدة مهمة:
هل الصمت، وعدم خروج القانون للنور كان لصالح جهة معينة أو كان مقصودًا منه إرسال رسائل تدعيم، أو إرهاب إلى مافيا موجودة بمصر لا يهمها عدم إخراج القانون خاصة أن ادعاء أن نواب الإخوان والمعارضة عطلت القانون أمر لا يصدق لأن أغلبية الحكومة تمرر ما تشاء وقتما تشاء بدليل أن الحكومة مررته منذ أيام في ظل وجود نواب الإخوان والمعارضة؟
وأين الأجهزة الأمنية، وشجاعتها، وبطولتها التي تتفنن في القبض على جماعة الإخوان بسيارات الإسعاف، وجحافل من الأمن المركزي؟ وأين تحرياتها الملفقة التي تطول الجماعة من وقتٍ لآخر؟ أم أن الأجهزة الأمنية لا تصنف "الاتجار بالبشر" بأنه محظور، ويستهدف زعزعة جسد المواطن وتهديد حياته وقلب نظام معيشته؟.
أيًّا كانت الإجابات فالمطلوب الآن.. هو التعامل مع أرض الواقع وإصرار المجموعة التي أصدرت هذا القانون على كتابة ميثاق شرف واضح لكل مَن يتعامل في هذه الدائرة المقلقة، خاصةً أن مصر تعيش بالفعل أزمةَ ضمير لا تحتاج إلى دليل.
