موقف "إسرائيل" من فكرة التحقيق الدولي والمحاسبة الدولية معروف، وقد ألِفت أن تتصرف دون معقِّب، وأن تقرر دون أن يؤثَّر عليها أحد؛ لأنها تمكَّنت من أدوات القرار، وأهم أدوات القرار هو ضمان العجز العربي والإسلامي حتى عندما يتعلق الأمر بهدم المسجد الأقصى وضمِّ الآثار الإسلامية والمسيحية إلى قائمة التراث اليهودي.
أما إراقة دماء الفلسطينيين، سواء المقاومون أو أهالي غزة، فإن الأمر عند "إسرائيل" طبيعي للغاية؛ لأن "إسرائيل"- وهذا أمرٌ لن نملَّ من تكراره- تعتبر الفلسطينيين هم الذين اغتصبوا أرض أجدادهم، وهم الذين تسبَّبوا في حالة الشتات التي عانوها طوال القرون الماضية؛ ولذلك فإن إراقة دماء الفلسطينيين عند "إسرائيل" هو الحق والعدل، وهذا هو السبب في أن تقرير جولدستون يسبِّب استفزازًا بالغًا لـ"إسرائيل"؛ ما دفعها لحشد حلفائها إلى قتل التقرير، بعد أن عجزت عن منع التحقيق أصلاً.
ونحن نعتقد أن "إسرائيل" قد فهمت أن محرقة غزة هي أمرٌ لا يؤسَف له عربيًّا، وأنها فهمت أيضًا أن حماس "الإرهابية" وأهل غزة الذين تحكمهم؛ يستحقون كل ما يجري لهم، ولو شاءوا لنعموا كما ينعم سكان الضفة بالاستعباد "الإسرائيلي"، وتنظيفها من ذيول المقاومة تحت رئاسة سلطة تريد السلام (بالمفهوم "الإسرائيلي" طبعًا، وهو السلام الغالب طبعًا).
هكذا ذهب تقرير جولدستون إلى مجلس حقوق الإنسان فى المحطة الأولى، وقد رأينا كيف أن السلطة الفلسطينية أعاقت نظره، فلما تكاثر الضغط عليها أباحت هذا النظر، فأحال المجلس التقرير إلى الجمعية العامة التي اتخذت أضعف المواقف من التقرير، وهو أنها تجاهلت كل توصيات التقرير، وطالبت الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" بإجراء التحقيقات اللازمة تحت عنوان "المستقلة"، وهو مصطلحٌ لا معنى له في سياق محرقة قامت بها دولة وجيشها ضد القطاع وأهله بعد تعقيم المنطقة العربية من أي ردٍّ أو تأثير على سير المحرقة لمدة زادت عن ثلاثة أسابيع بالصوت والصورة.
كان ذلك أبلغ دليل تسلَّحت به "إسرائيل" لكي تواصل مخطط الإبادة عن طريق الحصار والعدوان المستمرَّيْن ثم إحكام الحصار عن طريق الجدار الفولاذي وإغلاق المعابر.
وعلى الجانب الآخر استمر المخطط الصهيوني في القدس الشرقية وفي المسجد الأقصى وفي مدينة الخليل؛ بحيث ينتهي المشروع بابتلاع هذه الأماكن المقدسة، ولا عزاء للمسلمين والمسيحيين والعرب.
كانت المحطة الأخيرة للتقرير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الثالث من فبراير 2010م طبيعية؛ فـ"إسرائيل" قدمت ما يؤكد أنها قامت بالمحرقة، ولكنها عاقبت "باللوم" بعض القيادات التي لم تحسن الإحراق، وهي عادة "إسرائيلية" في كل لجان التحقيق حول ثغرات العمليات "الإسرائيلية" التي يجب سدُّها في المستقبل.
في الصورة أيضًا الهجمة الشرسة على المقدسات والإعلان عن حربٍ لا تبقي ولا تذر، يقابل ذلك سكوت عربي يشبه سكوت الأموات، وأعمال للسلطة الفلسطينية تثير الشبهة أحيانًا والاستغراب أحياناً أخرى، مع استمرار الشقاق الفلسطيني.
والنتيجة مشروع قرار فلسطيني يحاول منح "إسرائيل" وقتًا للإفلات من زخم العقاب، وهو مطالبة "إسرائيل" والفلسطينيين (بشكل عام) بإجراء تحقيقات بأسرع ما يمكن، ومعلومٌ أن هذه التحقيقات تحصيل حاصل؛ لأن التقرير نفسه أقرَّ بأن تحقيقات "إسرائيل" صورية وشكلية، وأن هذه المحرقة هي عمل رسمي من جانب الحكومة "الإسرائيلية".
على الزاوية الأخرى، فإن السلطة الفلسطينية قررت- استنادًا إلى قرار الجمعية العامة الجديد الذي سانده الاتحاد الأوروبي هذه المرة- أن تُجري بنفسها التحقيق في غزة، رغم أن التقرير نفسه يطلب من الجانب الفلسطيني (السلطة وغزة معًا) إجراء التحقيق اللازم، ولكن كيف تُجري السلطة تحقيقًا في أعمال حماس، بينما حماس تتهم السلطة بالضلوع مع "إسرائيل" في هذه المحرقة؛ أي أن السلطة يبدو أنها تريد أن تستثمر هذا الموضوع في الصراع بين فتح وحماس، فتنزع الشرعية عن حماس باعتبارها سلطة الأمر الواقع في غزة، وتقيم السلطة قاضيًا على سلوك حماس ضد "إسرائيل" أثناء المحرقة، وقد تقدم السلطة تقريرًا إلى الأمم المتحدة يدين حماس وينتصر لـ"إسرائيل".
فماذا أفاد الشعب الفلسطيني بسبب انحراف مسار التقرير في الساحة الفلسطينية؟ وهل نجحت "إسرائيل" فعلاً في ذلك؟!