تتوالى، وتتعاقب الأحداث، والشدائد على مصرنا العزيزة الغالية، بل وتكثر وتزداد المصائب والكوارث يومًا بعد يوم، وتتعلق قلوب الناس، وتزيغ أبصارهم نحو مَن يُنقذ البلاد والعباد؛ مما يحل بهم، وينزل عليهم، ولكن دون جدوى؛ مما يزيد من الحيرة، والاستغراب، والاستنكار لدى الكافة والعامة، وخاصةً أن الناس تؤمن بأن مصر مليئة بالرجال المخلصين الأكفاء الذين لا يرضون بحالٍ من الأحوال عن تردي الأوضاع، فضلاً أن لديهم رغبةً، وأملاً في الإصلاح، والتغيير مع توفر حبهم الشديد لوطنهم، وبلدهم.
إن مصر مليئة بالخيرات والثروات، وكذلك بالخبرات وأصحاب العقول النيرة- بل إن علماء مصر، وباحثيها يملئون جامعات، وساحات العالم المتحضر، وتملأ بحوثهم معامل، ومكتبات الغرب المتقدم؛ وذلك في شتى الفروع، والمجالات، ومن نزل منهم إلى مصر، واستقرَّ به المقام فيها ندم على قرار نزوله، وأكل طول الفراغ، والصدأ من أفكاره، وعزيمته، وأصابه الكسل والفتور، ونسي ما كان يدعو إليه من قبل.
وكذلك الحال بالنسبة للمفكرين، والمثقفين، والمهتمين بالشأن العام، فقد أصابهم ما أصابهم، وأصبح الجميع يتوارون خجلاً، ويتراجعون، وينتظرون من غيرهم التقدم، والإقبال، وكأن الأمر لا يعنيهم.
ونحن بدورنا نتساءل في استغراب شديد: ما الذي جعل المخلصين والغيورين يتراجعون، ويرفعون الراية ويستسلمون للأوضاع؟؟!! ما الذي أصاب المثقفين ومحبي الأوطان من تراجعٍ وانكسار؟! ما الذي جعل أولي العقول والألباب يضربون عن المشاركة في مسيرة التغيير، والإصلاح؟! ما الذي جعل الجميع يستعذب السكون، والدعة، ويترك البذل، والعطاء؟! ما الذي جعل هؤلاء، وأولئك يرضون بالاستسلام والهوان؟!.
في الحقيقة لقد نجح النظام الحاكم، وأدواته المختلفة في كل ذلك، بل وحقق أمنيته المنشودة في إسكات صوت المعارضين المخلصين، وكبت جماح الجميع، بل جعل الأقوياء منهم، وأصحاب الأجسام، والعقول يتركون حلبة السباق للضعفاء، والمنهكين؛ مما جعلهم ينتشون، ويعتقدون أنهم أولى بالتواجد، والبقاء على حلبة الصراع، بل أحق باستعراض عضلاتهم الهشة، فيخدعون الناس كما فعل سحرة فرعون، فانخدع الجميع بهم، واستسلموا لهم، بل رضوا بهم كبديلٍ موجود، وأصبحوا يدافعون عنهم.
لقد ترك معظم المفكرين، والمصلحين، والعلماء حلبة الصراع لأولئك الأفاقين المخادعين المأجورين ضد المخلصين الأوفياء من أبناء دعوة الإخوان المسلمين، مع علم وإدراك الجميع بعدم أحقية هؤلاء المخادعين في التواجد أو الظهور، وبرغم فشلهم وإفلاسهم في شتى المجالات، فقد أَلِفَ المعظم السكوت (إلا القليل) بل ويطلبون من الإخوان أن يتواجدوا وحدهم على الحلبة؛ لمصارعة ذلك الثور الهائج المدجج بجميع أنواع الفتك والتدمير!! بل ويدفعون الإخوان إلى ذلك دفعًا قويًّا.
أيها المصلحون والمثقفون والمفكرون.. اتحدوا جميعًا ضد هذا النظام، ووحدوا صفوفكم، وقووا أيديكم وسواعدكم... أيقظوا شباب الأمة التائه الحالم، وأنيروا له الطريق بالعلم والمعرفة ووضوح الرؤية.. التحموا مع شعوبكم، وازرعوا فيهم الأمل، والثقة.. ارجعوا إلى ربكم ودينكم، واجعلوا القرآن قائدًا لكم، ومنيرًا لطريقكم.. كونوا كالبنيان المرصوص القوي المنظم في حركتم ونهضتكم، وخذوا بيد الضعيف بينكم ووسطكم.
ونقول لمَن يقف مع النظام ويدعمه ويؤيده إما لمصلحة له عنده، أو لضعف منه، أو خوف: اجعلوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وغلبوا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.. لا تنخدعوا ببريق الإعلام الزائف، فالبقاء للأصلح، والأقوم... شاركوا في صنع مستقبل مشرق لأولادنا وأجيالنا؛ حتى يذكروكم بكل خير.. احذروا لعنات الأجيال، وسوء الخاتمة، فإن التاريخ لا يرحم ولا يكذب.. اعلموا أن سنن الله غلاَّبة، وأن الأرض لله يورثها مَن يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.. أليس منكم ذلك الرجل الرشيد؟! الذي يسعده أن يكون لبنة ناصعة في صرح العزة والكرامة والإصلاح والتغيير.. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).