لا أدري لماذا يدفن العرب والعالم رؤوسهم في الرمال، ويتجاهلون الحقيقة التي تفرضها عليهم "إسرائيل" كل يوم؛ ذلك أن حكومة نتنياهو كانت الأوضح في بيان حقيقة "إسرائيل"، ولذلك فإن "إسرائيل" عندما تعلن ضمَّ قبر راحيل زوجة سيدنا يعقوب والحرم الإبراهيمي إلى قائمة الآثار اليهودية فإن ذلك ليس مجرد تسجيل وتصنيف لآثار دينية وتاريخية، ولكنه جزءٌ من عملية شاملة تطرق بها "إسرائيل" مسامع العالم على أن يتعامل مع "إسرائيل" بنظرة مختلفة تمامًا.
وقد سبق أن نبَّهنا إلى هذه الحقيقة، وهي أن "إسرائيل" تعتبر نفسها وريثًا للدولة اليهودية التي ترى أن ملوك بني "إسرائيل" أقاموها في فلسطين، وأنَّ الله قد وفَّقهم فأنهى شتاتهم وأعادهم إلى أرض الأجداد كما قال نتنياهو صراحةً في سبتمبر 2009م أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولذلك فإن "إسرائيل" تعتبر المطالبين باستعادة فلسطين هم اليهود الأوفياء، بينما يعتبرهم العرب متطرِّفين كما يعتبر العالم "إسرائيل" أنها دولةٌ عاديةٌ يجب أن يكون لها حدودٌ، وأن ما تسيطر عليه من الأراضي خارج قرار التقسيم أو قرار مجلس الأمن 242 هي أراضٍ محتلةٌ، وهي ملتزمة بأحكام القانون الدولي في علاقتها بالأراضي المحتلة والشعب الخاضع للاحتلال.
ومعنى ذلك أن "إسرائيل" وفق القانون الدولي لا يجوز أن تقوم أصلاً؛ لأن دعاوى قيامها لا يعترف بها إلا قانون الغاب القائم على القوة وحدها في العصور القديمة يوم أن كانت القوة امتيازًا يعطي صاحبها الحق في أن يفعل ما يشاء، ولذلك ميَّز فقهاء القانون الدولي عبر العصور بين القانون الطبيعي، وهو قانون العدالة المطلقة المستمدّ من الأديان السماوية وبين القانون الوضعي الذي نشأ نتيجة التفاعل بين أوضاع القوة عبر العصور، ولهذا السبب كان القانون الدولي الإنساني الذي ظهر في أوقات الصراع المسلَّح هو أحدث فروع القانون، رغم أنه أول فروع القانون ظهورًا في القانون الطبيعي.
وما دامت "إسرائيل" تتعامل مع العالم بوجهين؛ الوجه الحقيقي هو أن لديها مشروعًا يتقدم وفق رؤية وبرنامج يهدف في النهاية إلى استلاب كل فلسطين، أما الوجه الآخر فهو مجاراة المجتمع الدولي في نظرته إلى "إسرائيل"، وهي أنها سلطة محتلة، وأن جميع تصرفاتها في الأراضي المحتلة تعتبر انتهاكًا للقانون الدولي، ولذلك فإن العالم العربي لا بد أن يفيق من غيبوبته ويتخلَّى عن انسحابه الطوعي بأن يطلب بعقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة وضع "إسرائيل" في المنطقة، وأن يكفَّ تمامًا عن الحديث عن مخالفات "إسرائيل" للقانون الدولي وعن مشروعات السلام الوهمي التي تروِّج لها لكي تستمر في الخديعة، وأن يركِّز العالم العربي على هذا الوجه المخادع لـ"إسرائيل" وعلى جرائمها وطابعها الإجرامي الذي سبَّب لهذه المنطقة كل ما تعانيه الآن، بما في ذلك معاناة شعوبها وتخلفها، كما يجب كشف الزيف الذي تتستَّر وراءه سياسات الدول الكبرى وتوظيفها للمنظمات الدولية للاستمرار في الاستخفاف بعقول العالم العربي، والتركيز بدلاً من ذلك على أوراق القوة العربية، وأهمها دعم المقاومة التي ثبت أن مناهضتها كان أكبر الخطايا السياسية لبعض الدول العربية.
وأخيرًا أرجو أن يتَّعظ العالم العربي بما يقوله الصهيوني مايكل بن أري: "لن نسمح بتأسيس دولة للعدو داخل "إسرائيل" (يقصد فلسطين) وتحت عيوننا".
وغنيٌّ عن البيان أن ما تقوم به "إسرائيل" في الحرم الإبراهيمي وضمِّ هذه الآثار اليهودية والإسلامية والمسيحية إلى التراث اليهودي؛ قد يُنظر إليه على أنه مجرد خلط بين الممتلكات الثقافية، ولكنَّ الوجه الآخر هو الأكثر خطورةً، وهو أن هذه الآثار جزءٌ من الأراضي الفلسطينية، وأن الدولة المحتلة لا يجوز لها المساس بما في هذه الأراضي من ثروات بما فيها الآثار، ويجب على كافة المنظمات الدولية أن ترد "إسرائيل" إلى حقيقة أنها سلطة احتلال، وهذا لا يتناقض مع المراجعة الشاملة لوضع "إسرائيل" في المنطقة، خاصةً أن العالم لا يزال ينظر إلى وجودها على أنه احتلال ويحاسبها على ذلك بينما تنظر هي إلى وجودها على أنه عود حميد إلى تراث الأجداد.
هذه النظرة الثنائية لا بد أن تنتهي بالأسلوبين معًا؛ الأول: هو تطبيق أحكام القانون الدولي الراهن على "إسرائيل"، والثاني: مراجعة موقفها كما ذكرنا.
ومن نافلة القول أنَّ تصرف "إسرائيل" في الحرب يناقض أحكام المعاهدات التي تحمي الممتلكات والأعيان الثقافية، خاصةً في الأراضي المحتلة ضد الاستيلاء والغصب والسرقة والادعاء ونقل الآثار، وكلها أعمال تحظرها اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية لاهاي عام 1954م وبرتوكولاتها واتفاقية استوكهولم 1972م وعلى الأمين العام للأمم المتحدة واليونيسكو أن يراجعا "إسرائيل" في هذه التصرفات غير المشروعة.