ولما كان التاسع من فبراير 2010 ميلاديًّا، الموافق 25 صفر الخير 1431 هجرية، الثاني من أمشير وهو يوم ميلاد زوجتي الحبيبة، احتفلنا بيوم ميلادها "لا داعي لذكر العدد" في مبنى نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس بالقاهرة المحروسة أو القاهرة الجديدة، بعد أن أنهيت امتناعي عن الإدلاء بأقوالي رسميًّا أمام المحامي العام لنيابات أمن الدولة المستشار "طاهر الخولي"، وبعد لقاء آخر من المحامي العام الأول "هشام بدوي"، استرجعنا فيه ذكريات مضت لأيام خلت في عروض سابقة منذ عام 1995م وحتى عام 2007م؛ حيث أدليت بأقوالي خلال 3 تحقيقات على مدار أكثر من 200 ساعة، ولم يعد لديَّ جديد أقوله، حيث لم تأت مباحث أمن الدولة بأي جديد أجيب عنه، فالاتهامات هي الاتهامات والمادة 86 مكرر عقوبات هي التي يواجهني بها السادة رؤساء النيابة منذ كان المستشار "هشام بدوي" رئيسًا في 1995م، ومرورًا بالمستشار "محمد الفيصل" وانتهاءً بالمستشار "هاني حمودة".
وقد تقلبت بهم الدنيا بين مرءوس أصبح رئيسًا وآخر انتقل إلى القضاء الجالس عضوًا في دائرة، والفيصل الذي ذهب معارًا إلى دولة الكويت الشقيقة، أما أنا فما زلت كما كنتُ ماثلاً بتهمة الانضمام إلى جماعة محظورة، تهدف إلى قلب نظام الحكم وتستعمل الإرهاب، وتهدف إلى تغيير الدستور.. اتهامات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس هناك دليل عليها بل هي العبث بعينه لمن يريد صيانة الدستور وتطبيقه، ويدعو مع نخب محترمة من أهل هذا البلد بينهم فقهاء دستوريون لإصلاح شامل يبدأ بالدستور والمناخ السياسي.
وكان آخر ما قلته في لقاء عام أذاعته قناة (الجزيرة) مباشر يوم الأربعاء 3/2 عدة مرات مسجلاً ومصورًا ندعو فيه إلى الإصلاح السلمي بأصوات الشعب، عبر تحالف عريض يضم من يقبل مبادئ الإصلاح حتى ولو كان منتميًا للحزب الوطني الذي يحكمنا بأغلبية مزورة.
كانت هديتي لزوجتي في عيد ميلادها مزيدًا من التعب والعناء، وعندما واجهتها بذلك ضحكت في خَفَر وحياء يلازمها، تقول إنها لم تتعب ولم ترهق بعد ولا عليك، وعندما قال الأولاد سنعود إلى بيت أسماء (صغرى بناتي) بجوار النيابة لنطفئ الشموع ونأكل التورتة، قالت: لا أريد تورتة.. أريد شيئًا نافعًا، فقلنا جميعًا: لا مانع من الهدايا النافعة بجوار التورتة اللذيذة، وحولنا حفيدي الخامس "يحيى إبراهيم" يصول ويجول ويتمشى باتجاه مكتب رئيس النيابة، فنضحك ونقول: الولد يريد أن يبدأ المشوار مبكرًا ويمثل أمام النيابة وهو لم يكمل الثانية من عمره بعد، أم أنه يرغب في الإدلاء بأقواله بدلاً من "جدو"، الذي امتنع عن الإجابة؟!، أم لعله يريد أن يقول للمحامي العام: أطلق سراح جدي الذي يلاعبني وأشكو إليه أبي وأمي وأهرب إلى جعبته من ملاحقتهما لي.
والعجيب أنني لم ألاحظ نمو أولادي في صغرهم وشغلتني عنهم السجون التي دخلتها مع بلوغ ابنتي الكبرى "سارة" الثانية من عمرها، وكانت تأتيني مع أمها في ليمان أبي زعبل أحيانًا، أو عضوية مجلس الشعب التي أرهقتني بالدراسة والقراءة والإعداد للمناقشات، أو المرور على المكاتب وحضور الندوات، ثم سرعان ما جاء السجن الطويل لخمس سنوات شبَّ فيها أولادي، وحصلت سارة على الثانوية وأنا بالسجن ودخلت كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية، وقارب إبراهيم الحصول على الثانوية أيضًا؛ فالتحق عقب خروجي مباشرة بطب القاهرة وكذلك سمية وأسماء، وسرعان ما لاحقتني الاعتقالات في 2005م و2006م و2007م؛ لتقطع مسيرة حياتي من جديد، وها هي أسماء تنهي دراستها الجامعية هذا العام- إن شاء الله- في كلية آداب قسم علم النفس مثل أختها سمية أيضًا.
كبر الأولاد ولم أتمتع بصحبتهم وملاعبتهم، وإذا بالأحفاد يتوالى وصولهم، وعشت معهم سنتين دون كدر السجون، وها هو المقدور يقع ونبدأ رحلة جديدة وقد أصبحت كبرى أحفادي في السنة الأولى الابتدائية، وسوف تدرك معنى السجن والمعاناة عندما تزورني في سجني المزدحم جدًا بأكثر من 2500 نزيل كلهم محبوسون احتياطيًّا، وترهق إدارة السجن بترحيلات يومية إلى النيابات والمحاكم وبقية السجون، وإيراد جديد لا ينقطع من المسجلين خطر، أو العائدين للجريمة أو الجدد الذين سرعان ما تحولهم حياة السجون إلي معتادي إجرام في ظل سياسة عقابية فاشلة، أو عدم الاهتمام بأحوالهم داخل السجون حتى لا يعودوا إلى الجريمة من جديد.
هي خلوة مع الله، واستراحة محارب، وشحن لبطارية الإيمان، ومراجعة للنفس، وفترة للتأمل والتفكير والنظر، ومدارسات نافعة، واستعادة لشرح حكم ابن عطاء الله السكندري من جديد؛ لعل الله يقذف في القلب نورًا جديدًا ومناجاة وابتهالاً إلى الله أن ينقذ مصر من المصير المحتوم الذي تسير إليه حثيثًا إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه دون إصلاح أو تغيير، وتجدد للحب الكبير الذي يجمع قلوب الإخوان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الذين يصلنا سلامهم ونشعر بدعائهم من حولنا، وتقوية للصلة مع أصدقاء وأحباب يجمعنا بهم حب الوطن والرغبة في رفعته ونهضته، مهما اختلفت الطرق التي نسلكها في هذا الصدد والسبيل.
ومعذرةً إلى الذين كنت على موعد معهم مثل وحيد حامد لحضور تصوير مسلسل "الجماعة"، أو الباحثين أو غيرهم ممن واعدتهم فلم أقدر على الوفاء بوعودي لهم، وأسألهم الدعاء الخالص لعلي أقدر على الوفاء.
هذا ما أمليته على زوجتي وأولادي والمحامي، ولعل المساحة تتسع بعد ذلك لبحوث سبق إعدادها كما حدث من قبل.
-----------
* عضو مكتب الإرشاد المعتقل حاليًّا