يهدف مشروع الإصلاح الحضاري الشامل إلى إصلاح المجتمع، ومن ثمَّ إصلاح الأمة؛ لذا يصبح المجتمع هو المستهدف الرئيس لحركة الإصلاح، وكل تيارات الصحوة الإسلامية، تستهدف المجتمع برسالتها، وتحاول نشر رؤيتها في المجتمع، وتجميع المؤيدين لها، وقيادة مسار الأفكار والممارسات في المجتمع.

 

ولكن تيارات الصحوة الإسلامية اختلفت فيما بينها في الرؤى والمناهج؛ لذا تعددت مساراتها وآثارها على المجتمع، كما أن حالة المجتمع نفسها تتغير بين فترة وأخرى؛ لذا تتعدد رسالة الحركات الإسلامية للمجتمع، حسب الظرف الموضوعي الذي تواجه.

 

وبين تعدد تيارات الصحوة الإسلامية، وتغير حالة المجتمع، تنتج حالة التفاعل بين الحركة والمجتمع، والتي تحدد كيفية تأثير الحركة على مجتمعها، وبالتالي ما تحققه الحركة نحو غاياتها الإصلاحية، ومساحة الاختلاف بين السائد في المجتمع، والسائد لدى الحركة، تحدد نوعية تلك العلاقة، بل وتحدد موقف الحركة من المجتمع.

 

داخل هذا التفاعل بين الحركة الإصلاحية والمجتمع، ينتج عدد من الحالات المميزة، والتي تمثل مراحل مهمة في علاقة الحركة بالمجتمع، وترسم مسار التغيير الحاصل في المجتمع.

 

لحظة البداية

إذا نظرنا إلى سبعينيات القرن العشرين في مصر، سنجد أن تيار الصحوة الإسلامية نشأ بوصفه دعوة جديدة على المجتمع، تريد تغيير حال المجتمع، وكانت الحالة الغالبة على المجتمع، هي حالة تكيف مع الواقع الراهن، وأيضًا تكيف مع العوامل الخارجية المؤثرة؛ فقد كان المجتمع يتكيف مع الوافد الغربي، بما فيه من أنماط سلوكية، لذا فقد غلب على المجتمع الاتجاه التوفيقي، وغلب عليه التكيف مع متغيرات العصر.

 

وجاءت الصحوة الإسلامية لتغير واقع المجتمع، وتعيده إلى التزامه الديني والحضاري، فبدأت الحركات الإسلامية تقليدية إلى حد كبير، تركز على الثوابت أكثر من المتغيرات، وتحاول تأسيس الوعي الديني والحضاري لدى العامة، وتهتم بالقواعد الحاكمة للالتزام الديني.

 

وهنا كان تيار الصحوة الإسلامية أكثر تقليدية من المجتمع، كما كانت بعض روافده تميل للتشدد، فأصبح تيار الصحوة الإسلامية في مجمله أكثر محافظة من المجتمع، وتلك الصورة تفهم من خلال العلاقة التفاعلية بين المجتمع والحركة، فعندما يكون المجتمع متجهًا نحو المرونة والخروج النسبي من الهوية الدينية والحضارية، نجد الحركة تبدو أكثر تشددًا؛ لأنها تريد مقاومة حالة الانفلات الديني والحضاري.

 

وإذا عدنا إلى ستينيات القرن العشرين، سنجد أن الحركة الإسلامية كانت تبني نفسها داخل إطار خاص بها، ولم تكن تندمج مع المجتمع أو تنشر رؤيتها داخله، ففي فترة الستينيات كان المجتمع متعلقًا برؤى بعيدة عن هويته الدينية والحضارية، ولم يكن لديه الاستعداد أو الرغبة في التفاعل مع الفكرة الإسلامية؛ لذا كان تيار الصحوة الإسلامية يولد بوصفه بؤرًا وجماعات صغيرة تبني نفسها، أكثر من كونها تحاول تغيير المجتمع.

 

فالمجتمع كان يبدو بعيدًا عن هويته الحضارية، متكيفًا مع رؤى غربية، فكان الإيمان الديني ينحصر في حدود فردية، ففي الستينيات لم يكن المجتمع مستعدًا لسماع رسالة تيار الصحوة الإسلامية، ولكن في السبعينيات كان المجتمع يريد العودة لهويته وثقته في ذاته، بعد هزيمة يونيو 1967م، وهنا تغير موقف تيار الصحوة الإسلامية، فأصبح يدعو المجتمع لرؤيته.

 

فلحظة البداية تمثلت في بناء نواة لتيار الصحوة الإسلامية، ثم تتحول هذه النواة إلى الدعوة لرؤيتها بين المجتمع، وفي كل تلك المراحل، كانت الحركة الإسلامية بمختلف روافدها، أكثر محافظة من المجتمع نفسه، وتلك اللحظة حدثت من قبل، في عشرينيات القرن العشرين، عندما ظهرت جماعة الإخوان المسلمين، ولكن في البداية الأولى ظهرت الحركة الإصلاحية وتفاعلت مع المجتمع ونشرت دعوتها، ولم يكن المجتمع يميل للتحرر والتوفيقية كما حدث في السبعينيات، ولم تكن الحركة تحتاج إلى بناء نواتها الرئيسة قبل الانخراط في دعوة المجتمع.

 

فكلما كان المجتمع بعيدًا عن هويته التي تدعوه لها تيارات الإصلاح والتغيير، ظهرت الفجوة بين المجتمع وبين الحركة، وكلما كانت الحركة أميل للتشدد، لترد على ميل المجتمع للتحرر.

 

لحظة الانتشار

في ثمانينيات القرن العشرين شهدت مصر نموًّا واضحًا لتيار الصحوة الإسلامية، وتزايدًا ملحوظًا في حجم التأييد له، وهنا اكتسبت حركات الصحوة الإسلامية ثقةً كبيرةً في حضورها وتأثيرها، ومع تزايد حجم المؤيدين لها، مال تيار الصحوة الإسلامية إلى لحظة الحماس، والتي توحي له بأن أهدافه بدأت في التحقق أو أنها قريبة من التحقق.

 

ومع لحظة الحماس، ولحظة التأييد الشعبي الواسع، ينتشر تيار الصحوة الإسلامية في مختلف أرجاء المجتمع، ولكنه لا يبني رؤيته بصورة عميقة، فيغلب الانتشار على التأسيس والعمق، وتظهر العديد من التيارات المتشددة، ويفتح الباب أمام رؤى غريبة أو غير تقليدية، وتتحقق بذلك لحظة الفوز بالتأييد الشعبي، ولكن تلك اللحظة الحماسية المهمة، تكشف الكثير من سلبيات تيار الصحوة، وتنبه إلى أهمية بناء الرؤية الدينية والحضارية الرشيدة لتيار الصحوة الإسلامية.

 

وفي لحظة الانتشار يميل المجتمع مع تيار الصحوة الإسلامية إلى المحافظة، وربما يميل معه نحو التشدد، وينتقل المجتمع سريعًا من حالة التكيف والتوفيق مع الواقع الراهن، إلى حالة تمييز الذات الحضارية بصورة ربما تكون متشددة، أو ظاهرية؛ مما يغلب حالة التمييز عن الواقع، عن محاولة إصلاح هذا الواقع.

 

لحظة الترشيد

من ثمار حالة الانتشار الكبير لتيار الصحوة الإسلامية، تبدأ مرحلة ترشيد الصحوة الإسلامية، حتى تعبر عن رؤية عميقة لهويتها الدينية والحضارية، وحتى تصبح مؤهلة لتغيير الواقع وتحقيق التجديد الحضاري، وهنا يصبح التجديد الحضاري هو الميزان الذي ترشد عليه الصحوة الإسلامية، لتصبح ممثلة للتيار المحافظ الوسطي، وتبتعد عن التشدد الذي ميزها، كما ترشد اتجاهها التقليدي المتعاظم.

 

وقد شهدت مصر تلك الحالة في تسعينيات القرن العشرين؛ حيث بدأ رموز الصحوة الإسلامية، في ترشيد تلك الصحوة، وبعد أن قادت تيارات الصحوة الإسلامية المجتمع إلى المحافظة التقليدية أو التشدد، بدأت تيارات الصحوة الإسلامية ورموزها عملية مراجعة من أجل تحقيق التوازن لتيار الصحوة الإسلامية، وتحقيق التوسط والاعتدال في فكرة الصحوة الإسلامية ومنهجها.

 

وبين العديد من التيارات التي عملت داخل وعاء تيار الصحوة الإسلامية، تبدأ الحركة الإصلاحية في قيادة عملية الترشيد ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين، كما تبدأ رموز في قيادة عملية الترشيد على رأسها الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، وأيضًا يظهر رواد التجديد الحضاري، وتتشكل نخبة متميزة من مفكري المشروع الحضاري الإسلامي، ولم يكن ظهور جيل من مفكري الصحوة الإسلامية، إلا دليلاً على دخول تيار الصحوة الإسلامية مرحلة الترشيد والعمق الفكري والحضاري. وهكذا نجد الحركة ترشد من مسارها، وتحاول تحقيق التوازن في رؤيتها.

 

ومع تسعينيات القرن العشرين، تظهر مبادرة وقف العنف من قيادات الجماعة الإسلامية في السجون المصرية، ولم تكن تلك المبادرة إلا دليلاً إضافيًّا على وصول تيار الصحوة الإسلامية إلى مرحلة الترشيد، التي تعيد صياغة مواقفه، بعد أن انخرط في مواجهة عنيفة مع الدولة انتهت بمواجهة عنيفة مع المجتمع أو قطاعات منه.

 

ويصبح عقد التسعينيات هو المرحلة التي تنتج فيها صورة تأسيسية للتيار المحافظ الوسطي، والذي استطاع بلورة مواقفه بصورة تعمق رؤيته، وتميزها عن الرؤى الأخرى؛ فأصبح التيار المتشدد واضحًا، والتيار المتحرر واضحًا، وتحقق للتيار المحافظ الوسطي موضعه المتميز بين التشدد والتحرر.

 

ولكن التسعينيات أيضًا تشهد ميلاد المواجهة المسلحة بين تيار الجهاد المسلح والقوى العظمى ممثلةً في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد أصبح للمواجهة المسلحة مع قوى الهيمنة الغربية تيارها وله رؤيته التي تغلب المواجهة المسلحة على غيرها من المناهج.

 

وهنا تتميز تيارات الصحوة الإسلامية عن بعضها البعض، ويظهر لكل تيار خصوصيته ومجاله الذي يعمل فيه، ويتحرك تيار الجهاد المسلح نحو ساحات المواجهة العسكرية، ويتحرك تيار الإصلاح إلى الداخل، ويبني كل تيار رؤيته، وتصبح ساحة تيار الصحوة الإسلامية واضحة المعالم.

 

ما بعد الترشيد

ولكن أي تيار لا يتحول إلى حالة جامدة، خاصة التيارات الحية والفاعلة؛ فقد أدت مرحلة الترشيد إلى حفظ التوازن النسبي للمجتمع، واستطاعت الحركة الإصلاحية تحقيق وزنها النسبي داخل المجتمع، حتى تحقق توازنه في الوسط، وتحقق التوجه التجديدي الحضاري، وبهذا تشكلت حالة أكثر اتزانًا، بين تيار يغلب عليه التوجه المحافظ التقليدي ويركز على الثوابت والأسس، والتيار المتشدد الذي يميل للدفاع عن الذات الحضارية والدينية بالتشدد، والتيار المحافظ الوسطي، الذي يريد تحقيق التوازن بين الثوابت والمتغيرات.

 

ومع عملية تحقيق الترشيد، ومحاولة البعد عن التشدد، تظهر حالة من المرونة الكافية لتحقيق الترشيد، وتحقيق التجديد والوسطية، ولكن تلك الحالة سرعان ما تتفاعل مع الظروف المحيطة بها، لتصبح حالة من المرونة بأكثر مما تحتمل الفكرة، وهنا يتمدد الاتجاه المحافظ التوفيقي، بوصفه محاولة لتوفيق أوضاع ثوابت المشروع الإسلامي مع الواقع المعاصر.

 

ومع تزايد درجة المرونة النسبية، يحدث نوع من الخلل في منطقة الوسطية التجديدية، وتبدو ملامحها غير محددة. وتتعدد الرؤى الأكثر مرونة؛ مما يدفع الشيخ العلامة يوسف القرضاوي للكتابة ليس من أجل ترشيد الصحوة، بل للكتابة من أجل تأكيد المبادئ الأساسية للرؤية الوسطية خاصة في السياسة. وتظهر الحاجة إلى نوع من الترشيد، ولكن في اتجاه مختلف.

 

فالترشيد الأول كان في مواجهة التشدد، ولكن الترشيد الثاني أصبح في مواجهة التحرر.

 

لذا يشهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عملية تصحيح مسار، لتأكيد ثوابت الرؤية المحافظة الوسطية؛ مما يقوي من الاتجاهات المحافظة التقليدية، ويقوي أيضًا من الاتجاهات المتشددة، حتى يتم تأكيد الملامح المميزة للمشروع الإسلامي، وتأكيد تميزه عن غيره من المشاريع، وتحديد الفواصل التي تفصله عن غيره من الرؤى، حتى تكون له هويته المميزة والواضحة، رغم قدرته على التكيف مع الأوضاع المتغيرة والمعاصرة.

 

وهنا نجد المجتمع نفسه يتوجه نحو المزيد من التأكيد على ثوابت الرؤية الإسلامية، وفي محاولة لتحديد الفواصل بين الرؤية الأصلية للهوية الحضارية والدينية للمجتمع، وبين الرؤى التغريبية. ويحدث هذا في لحظة تتزايد فيها شدة العولمة وهيمنة الأفكار الوافدة؛ مما يعني أن مسار حركة المجتمع ومسار تيار الصحوة الإسلامية، يتجه نحو التأكيد على الخصوصية الحضارية، والوقوف أمام احتمالات الذوبان في متغيرات العصر، وهو ما يؤدي إلى الذوبان في الرؤية الغربية الوافدة.

 

ويحاول التيار المحافظ الوسطي، تأكيد الوسطية والتوازن في نفس الوقت. وتحديد مساحة الثوابت ومساحة المتغيرات، والحدود المناسبة للمرونة وتلك التي لا تجوز فيها المرونة، وتستمر عملية الترشيد المضاد، أي الترشيد في مواجهة التيار المتحرر، بعد أن كان الترشيد في مواجهة التيار المتشدد في مرحلة سابقة.

 

مسار تيار الصحوة

في عملية التفاعل بين تيار الصحوة الإسلامية والمجتمع، تحدث عملية فرز متتالٍ للأفكار والرؤى. ففي لحظة يغلب على المجتمع العديد من التيارات والتوجهات، ولكن بعض تلك التوجهات تنتهي مع الوقت. ورغم تحرك المجتمع نحو التحرر أحيانًا ونحو التشدد أحيانًا أخرى، وأيضًا رغم تحرك تيار الصحوة الإسلامية نحو التشدد أحيانًا والمرونة أحيانًا أخرى، إلا أن تلك الحركة لا تعيد مشاهد التاريخ.

 

فمقدار ما يحدث من تشدد في مرحلة ما، لا يحدث في المراحل التالية، كما أن مقدار ما يحدث من مرونة في مرحلة ما، لا يتكرر بنفس الدرجة في مراحل تالية. فحركة المجتمع تميل نحو التوسط والاعتدال، وأيضًا تيارات الصحوة الإسلامية تميل كلها نحو الاعتدال؛ فالتيار المتشدد يصبح مع الوقت أكثر اعتدالاً مما كان عليه في الماضي، وتيار الوسط يكتسب المزيد من القدرة على التمسك باعتداله.

 

وما يحدث في تلك العملية الجدلية بين الحركة الإسلامية والمجتمع، يؤدي لتبلور التيارات المعبرة عن المجتمع، ويشكل ملامحها. فيكتسب تيار الصحوة الإسلامية ملامحه وتتحدد تياراته ومساراته، ويبني قواعد مشروعه.