د. حسن الحيوان

"وقفة مصرية" مشروع قومي يتم تمويله وتسويقه على نطاق واسع جدًّا؛ لإقناع المصريين بأن الزيادة السكانية هي سبب كل المشكلات، وأن "العزوة مش بالعدد العزوة بمستقبل البنت والولد"، والاستجابة لهذا المشروع في حدِّ ذاته ضعيفة جدًّا خصوصًا في الريف والصعيد المستهدف أصلاً بمصطلح العزوة.. فما الحكاية؟ وأين العزوة المصرية؟ وأين المشروع القومي الحقيقي؟
- وقفه بهذا الحجم أول مرة منذ حكم مبارك تعني اعترافًا رسميًّا معلنًا بأن مصر على حافة الهاوية، وإذا استمر التدهور فسيحدث الانفجار، وهذا صحيحٌ باتفاق الجميع، والمشكلة في تحديد أسباب التدهور، واتخاذ اللازم باتجاه الحلول بتخطيط مسبق بدلاً من سياسة المسكنات للأزمات.. كارثة السيول وأنابيب البوتاجاز والفتن الطائفية والعنف المجتمعي وخلافه.
- المنطق والواقع العالمي يؤكد التلازم الوثيق بين الكم والكيف، ولا توجد أي ثمرة لكثرة العدد بدون الكيف، ولا توجد أي قوة ولا عزوة ولا تأثير بالكيف بدون العدد، فإقليميًّا تركيا وإيران العدد مقارب لمصر، والسويد وفنلندا والإمارات نجد الوفرة المالية وأعلى مستوى دخل للفرد دون قوة أو تأثير عالمي، لا توجد دولة واحدة كبرى قوية عالميًّا (ولا دولة مؤهلة لذلك) ذات عدد سكاني قليل، ولذلك القوة الاقتصادية تنبع ليس فقط من الوفرة المالية، بل مع إضافة القوة الشرائية بالكثرة، وبالقوة الاقتصادية حتى بدون القوة العسكرية تتحقق التنمية والتأثير، مثل ألمانيا واليابان، ولذلك كندا تحاول جذب السكان بالهجرة من جميع أنحاء العالم لتعظيم الثروة البشرية.
فهل يا ترى إذا كانت مصر 40 أو 30 مليونًا هل كنا سنصبح بهذا الثقل الإقليمي؟ وهل سنكون داخليًّا في وضع أفضل من حيث الحريات والديمقراطية والتنمية؟.
- أما هويتنا الثقافية والحضارية النابعة من الإسلام تدعو إلى التكاثر بل التفاخر بالكثرة، لكنَّ المعضلة في السطحية الفكرية بالتركيز على مظهر الدين دون الجوهر خصوصًا الكم دون الكيف في كل المجالات ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1)﴾ (التكاثر)، الجودة والتجويد مفتقد بشكل عام، فلماذا نعرف تجويد القرآن على أنه تجويد القراءة، فقط الواجب إسلاميًّا تجويد القراءة والفهم والعمل بكل آيات القرآن، لا أعلم في الإسلام أي توجيه إلى الكم بدون الكيف ولا إلى الواجب الشرعي، الفردي الخاص دون المجتمعي العام وهكذا، والجدير بالذكر تصريحات شيخ الأزهر بأنه ليس للدولة أن تتدخل بالتوجيه في الشأن الداخلي للأسرة، فضلاً عن فتاوى الشيخ جاد الحق رحمه الله الأكثر تركيزًا في نفس الاتجاه، والذي كان يرفض كل المجهودات الرسمية في هذا الشأن مثل مؤتمر السكان 1994م بالقاهرة.
- الخلاصة: لا توجد في مصر كثافة سكنية مقارنةً بالمساحة، المشكلة في ازدحام القاهرة وجزء من الدلتا؛ نتيجةً لسوء الإدارة، ومصر معروفة بالخيرات الطبيعية والموقع الجغرافي والمناخ الممتاز ونهر النيل والإمكانات السياحية منقطعة النظير، فضلاً عن الثروة البشرية والعمق الحضاري.. مصر خُلقت لتكون دولةً مركزيةً ليس فقط عربيًّا وإقليميًّا بل إسلاميًّا، مصر مذكورة في القرآن كمًّا وكيفًا بما يؤكد ذلك، ولا أعلم عن أي دولة أخرى ذكرت في القرآن.
المشروع القومي
أولاً: إطلاق الحريات العامة وتحقيق الديمقراطية ونزاهة كل الانتخابات، وهو الأصل المستهدف ضمن أساسيات حركة 1952م ولم يتحقق شيء من ذلك حتى الآن، بل تم التراجع، ويمكن تخفيض الطموح.
ثانيًا: تنمية سيناء لا توجد أية عوائق عملية لتحقيقه كمشروع يلتف حوله الجميع لاستيعاب عدة كوارث اجتماعية واقتصادية متشابكة.. الفقر والبطالة وعدم الزواج وانفجار ازدحام القاهرة ومشكلة بدو سيناء فضلاً عن التوازن الديمجرافي في مواجهة الكيان الصهيوني، فما الذي يمنع؟
- لا يعني كل ما سبق أننا ندعو إلى زيادة التكاثر، كأولوية حاليًّا، لكن إذا وجدت الثروة البشرية، فالمنطق والواقع والهوية، كل ذلك يؤكد ضرورة إدارة- لا إبادة- الثروة البشرية، كفريضة شرعية وحتمية حياتية، بدلاً من تعليق المشكلات على شماعة الزيادة السكانية.
- لا توجد أي ثمرة من أي مشروع إلا بتفعيل العلاقة بين الدولة والمجتمع لتحقيق الاستجابة والمشاركة وصولاً لإنجاز المطلوب، ولا أمل إلا إذا انطلق الجهد والعمل من الهوية الثقافية والحضارية للشعب.
- لأولي الأمر أتوجه: إذا لم نبدأ في مشروع إستراتيجي نستثمر فيه مصادر قوتنا الكثيرة فسوف ينتهي الأمر إلى التبديد الكامل لهذه المصادر؛ بما يترتب على ذلك من عواقب شاملة وخطيرة.
-------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com