المقاومة تعني الرفض النفسي والعقلي والوجداني لأمر معين، ثم مواجهته لقهره أو تغييره، والمقاومة العربية في هذه المرحلة تتخذ صورًا متعددة منها: الفكرية والسياسية والشعبية والعسكرية، في مواجهة الاحتلال والعدوان، احتلال العراق، والمشروع الصهيوني الإحلالي في فلسطين، فضلاً عن العدوان الصهيوني المتكرر على لبنان.
ولا أظن أن المقام يتسع لاستذكار الظروف التي نشأت فيها هذه المقاومة العربية، ولكنها متعاصرة وليست متعاقبة، وتقاوم عدوًا واحدًا هو العدو الصهيوني الأمريكي الذي تنادت له القوى الكبرى لمساندته وبطريقة عمياء؛ خشيةً من شره أو اقتناعًا بأهمية دوره، وحقدًا على المنطقة التي يتسلل إليها، وطمعًا في السيطرة عليها ونهب ثرواتها واقتلاع ثوابتها.
فالتحدي الأول للمقاومة العربية الراهنة أنها تواجه عدوًا واحدًا تعددت ساحات المواجهة معه، وصار الصراع على البقاء أكثر من كونه صراعًا على مغانم، صحيح أن المنطقة العربية قاومت الغزاة والمستعمرين من قبل، ولكن الجديد أنها تقاوم مشروعًا استعماريًّا استيطانيًّا صهيونيًّا يريد الاستيلاء على جسد الأمة وروحها وعقلها، وتفريغ سكانها من كل هوية أو انتماء.
أما التحدى الثاني للمقاومة، والأشد مرارة هو أنها تعمل في فراغ بعد أن سقط المشروع القومي الذي عملت في إطاره؛ فقد نشأت المقاومة الفلسطينية في أحضان المشروع القومي العربي، وقد أجمعت فصائل المقاومة على أن تحرير فلسطين هو مطلب المقاومة، وأن نجاح المشروع القومي في تحقيق حلم الوحدة سوف يسهل على المقاومة مهمتها ضد المشروع الصهيوني.
ولهذا السبب، فقد عمد المشروع الصهيوني إلى كسر عصب المشروع العربي عام 1967م، وهو هزيمة مصر التي تتجاوز بمراحل مسألة احتلال سيناء، ولم تدرك مصر الرسمية عمق الهزيمة؛ ولذلك اعتقدت أن تحرير سيناء هو إزالة لكل آثار العدوان عام 1967م، ولكن العدوان ترك ندوبًا أخطر؛ لأن مصر حررت سيناء تحريرًا جسديًّا، ولكنها فقدت السيادة عليها عمليًّا، فضلاً عن أن مصر نفسها قد دفعت ثمن هذا التحرر الجسدي وهو التخلي عن المشروع القومي، والترخص مع المقدسات العربية؛ فاستباح العدو بقية الجسد العربي، وعبث بالطبع بالجسد المصري، وصل إلى حد تفتيت وحدة المجتمع المصري، وهي الغاية النهائية لهذا المشروع اتجاه مصر.
وقد عمد المشروع الصهيوني إلى اتخاذ عدد من الخطوات والإجراءات بعد حصوله على الجائزة الكبرى وهو جسد مصر وعقلها الرسمي، من هذه الخطوات العمل على إزالة الحاجز النفسي بين العرب والكيان الصهيوني، وتكريس الاعتقاد بأن القضية لا تستحق كل هذا الاحتشاد الكامل ضد الكيان الصهيوني، ما دام الكيان دولة تريد البقاء في كنف المنطقة كسائر شعوبها.
وهذه النظرة تنتمي إلى أحد محورين في النظر إلى الصراع العربي الصهيوني؛ ذلك المحور الذي يرى أن الصراع يقوم على افتراض قبول الكيان الصهيوني بحكم الأمر الواقع، ثم يكون الصراع بعد ذلك على تحديد الحدود الفاصلة بين هذا الكيان وبين ما جاوره في المنطقة العربية.
هذه الوجهة بدأت في البداية استجابةً لتعثر نظرية الصراع الشامل، ثم تحصنت هذه النظرية بعدد من التبريرات يطلق عليها في المحصلة النهائية "الواقعية السياسية"، ولا شك أن هذه النظرية تنظر إلى المقاومة على أنها مقاومة للتوسع الصهيوني خارج حدود معينة للكيان.
وهذه النظرية تغفل أمرين خطيرين: الأمر الأول، هو أن هذا "إسرائيل" هي رأس المشروع الصهيوني؛ ولذلك فإن الصراع يقوم بين العرب والصهاينة، وهو مفهوم أوسع كثيرًا من "إسرائيل"؛ ولذلك يصح أن يكون الصراع عربيًّا "إسرائيليًّا"، كما يصح في نفس الوقت أن يكون عربيًّا صهيونيًّا.
ولكن المأساة تتمثل الآن في تواضع الصراع بعد أن اختفى العالم العربي من ميدانه لكي يصبح صراعًا صهيونيًّا فلسطينيًّا؛ بل إن الكيان الصهيوني أشاع في الإعلام الدولي أن الصراع قد تحول إلى مجرد نزاع، ولا يتطلب هذه الضجة، وذلك حتى يتمكن الكيان من أن يتمدد مشروعه في هدوء، وتشمل الجبهة الصهيونية كل المساندين للمشروع الصهيوني من كل الجنسيات والأديان، وبشكل أخص العناصر العربية الفاعلة التي استجابت بوعي أو بغير وعي لإملاءات ومتطلبات المشروع الصهيوني، وهو ما نسميه الفيلق العربي الصهيوني.
أما الأمر الثاني الخطير الذي تتجاهله هذه النظرية فهو الإشارات والتلميحات التي تحولت إلى سياسات وممارسات، والتي تؤكد أن المشروع الصهيوني يريد كل فلسطين، بل إن هذا المشروع يريد المنطقة بأسرها، ولهذا الافتراض عدد من المرجعيات أولها أن إعلان قيام الدولة العبرية، والحديث عن أن قرار التقسيم لا يعدو أن يكون اعترافًا متأخرًا بالحقيقة التاريخية، وهو أن الأمة اليهودية هي التي قادت حضارة الإنسان من هذه المنطقة، أما المرجعية الثانية فهي تأكيدات الزعماء الصهاينة وخطابهم السياسي الرسمي من بن جوريون إلى نتانياهو بأنهم يريدون استرداد المجد اليهودي، وكذلك تأكيد الخطاب السياسي الصهيوني على أن "إسرائيل" ليست دولة عادية، ولكنها الكومنولث اليهودي.
وفي ضوء هذه الإيضاحات، فقد رفض الكيان الصهيوني تحديد حدوده، وهذا يُقنع أصحاب النظرية الأولى بأن الصراع ليس صراع حدود، وإنما هو صراع على الهوية وعلى من يتسيد هذه المنطقة، وقد تمكن المشروع الصهيوني من استلاب الإرادة العربية الرسمية عبر واشنطن التي نذرت نفسها لاستكمال المشروع الصهيوني بعد اختراع قضية الإرهاب.
وكان أخطر التحولات بعد 11 سبتمبر هو ما أراده المشروع الصهيوني بالفعل وهو استهداف العروبة ورموزها من خلال العراق ومغامراته، فانتهى الأمر باحتلاله وسقوط العراق الذي كان، ولو شكليًّا، يرى أنه قلعة للعروبة، للجناح الشرقي للأمة العربية؛ فدفعت بعض دول الخليج بمساندة أمريكية إلى الكُفر بالعروبة وما يرتبط بها، مثلما تمكنت واشنطن من وصم الإسلام وأتباعه وما يتصل به بالإرهاب؛ فصار العربي والمسلم لا يجد الشجاعة للإعلان عن نفسه، وصار الإعلان عن هذه الهوية مدعاة للسخرية والزراية، رافق ذلك سقوط العقل العربي في أزمة قاتلة فعجز عن أن يميز بين الأشباه والنظائر، والتبس عليه الفرق بين الصحيح والخاطئ، فكانت النتائج تثير الألم والحسرة، وكان ذلك مدخلاً إلى نجاحات المشروع الصهيوني.
في هذا المناخ، ظهر التحدي الثالث الأخطر وهو الانقسام الحاد بين الحكم العربي الذي استكان للمشروع الصهيوني، فألغى من خطابه الرسمي مفردات المقاومة، وتحاشى الحديث عن الإرهاب عمومًا؛ بعد أن عانى من إرهاب الدولة الصهيونية، وبين الشارع العربي الذي دافع عن المفردات العربية والإسلامية، وثبت في مواجهة العاصفة؛ فاتسع الرتق على الراتق بعد أن أبحرت النظم العربية بعيدًا مع المشروع الصهيوني تحت عنوان التحالف مع واشنطن ومعسكر الاعتدال.
هذه البيئة الشعبية أنتجت المقاومة العربية، بينما البيئة الرسمية اتخذت موقف العداء من هذه المقاومة؛ خوفًا على مقاعد السلطة التي أوهمت واشنطن حلفاءها بأن الخطر على هذه المقاعد هو المقاومة التي أصبحت جزءًا من المعارضة، وأن تسليح المقاومة يؤدي إلى زيادة قدرتها على مواجهة هذه النظم العابثة.
فلم يعد الكيان الصهيوني عدوًا للنظم؛ بل هو حليف لها، بينما صارت الشعوب ومقاوماتها هي العدو، ولذلك تراجعت القدرات العسكرية للجيوش العربية؛ بالرغم من استمرار الدعاية الصهيونية بأن "إسرائيل" تعيش في بيئة معادية، وأنها تعمل على حرمان هذه الجيوش من التسليح الذى بلغت فيه شأوًا هائلاً، مقابل تضخم قدرات القمع والبطش لدى أجهزة الأمن، فأصبحت النظم العربية نظمًا أمنية مهمتها حماية النظام من الشعب.
بل عمد بعض الزعماء العرب إلى إلحاق الإهانة بشعوبهم في الداخل، وقهرهم اقتصاديًّا، وخنقهم بالفساد الذي وصل إلى حد مشروعات الإبادة المنظمة ضد البيئة والغذاء وسرطنة التربة، وشيوع الغش والخداع، وتزوير الإرادات، وصناعة مؤسسات ظاهرها صحيح وباطنها التآمر على الشعوب، والتضييق على حياته وحرياته، حتى صار الكيان الصهيوني بكل ما يمثله ملاذًا أفضل عند بعض الشباب؛ هربًا من جحيم البطالة وتبديد الموارد، فظهرت البيئة الأوروبية بديلاً قاتلاً لوطنه الذي يلفظه بعد أن قتل فيه رابطة الوطنية والانتماء، فلم يعد يشفع التغني بالوطن حتى يستنهض نخوة هؤلاء الشباب.
المعنى الخطير لذلك هو أن المشروع الصهيوني نجح تمامًا في توظيف النظم العربية للقضاء على المجتمعات العربية، وتوجيهها صوب قضايا أخرى، وقد رأينا مثالاً محزنًا لذلك في بعض الأقلام العربية التي رأت إيران هي الخطر وليس الكيان الصهيوني، كما رأت أن الفلسطينيين في غزة هم الخطر على مصر وليس الكيان الصهيوني، وهي نتيجة تُسعد الكيان بلا ريب.
التحدي الرابع المترتب على هذه الحالة السرطانية هو أن الحكومات العربية أصبحت تعادي المقاومة العربية، بل إن البيئة العراقية والفسطينية واللبنانية تميل إلى اعتبار أن المقاومة سبب في دمار الأوطان وشقائها؛ ولذلك شجعت واشنطن في العراق قبيل انتخابات مارس 2010م اتجاهًا يستبعد من الترشيح أصلاً للمجلس الوطني عناصر البعث والمقاومة ضد القوات الأمريكية، فأصبحت النظم السياسية العربية في العراق وفلسطين تحت الاحتلال تضم العناصر التي كان لها "شرف" ضرب المقاومة؛ لأنها تضر بواشنطن التي ترتب أوضاع العراق، كما تضر بالكيان الصهيوني الذي يرعى السلطة الفلسطينية وكوادرها الأمنية التي نذرت نفسها تحت قيادة الجنرال دايتون بالتصدي للمقاومة كلما همت بالنيل من الكيان الصهيوني.
هكذا رأينا في الخطاب السياسي العربي، كما رأيناه بوضوح في العراق ولبنان وفلسطين، وصارت النظم تستقوي بالمشروع الصهيوني لنصرتها، وهي تفخر بأنها حققت "بطولات" هائلة ضد المقاومة ولصالح الاحتلال؛ مما دفع المشروع الصهيوني إلى التركيز في انتشاره على هذه النظم.
وقد رأينا نموذجًا لذلك في المشروع الذي نشرته الصحف الصهيونية يوم 20/8/2008م للتسوية في فلسطين، والذي يعول على دفع أبو مازن وتزويده بكل شيء، وطلب قوة دولية للقضاء على حماس حتى يستقيم له الأمر في كل فلسطين، بينما يدرك الجميع أن الهدف هو أن يستقيم الأمر للكيان الصهيوني، ويمكنه من الخلاص من كل من يطالب بحقوق للفلسطينيين ولو من الناحية النظرية.
وخطورة هذا التحدي، هو أن المقاومة تجد في بيئتها الوطنية خطرًا أكبر من مخاطر المشروع الصهيوني، وقد رأينا محاولات خلط الأوراق الخطيرة في العراق ولبنان وفي فلسطين، ثم ساهم المشروع الصهيوني في تطوير هذا التحدي الرابع ونقله إلى تحدٍ خامس، وهو شن الحرب على المقاومة، وإثارة الفتن الطائفية والعرقية.
ولا يتسع المقام لتفصيل هذا المخطط، خاصةً عندما يركز العدو على أن المقاومة العربية مقاومة إسلامية، فيؤدي ذلك إلى عشرات التداعيات أقلها إجراء عملية تمزيق بين أبناء المجتمع واستعداء غير المسلمين، والعلمانيين، وإطلاق عبارات ذات دلالات خطيرة مثل الجماعة المحظورة في مصر ويقصد بها الإخوان المسلمين، الذين يُستهدفون ليس لأنهم جماعة دينية، ولكن لأنها تجتاح خيارات الشارع المصري، وتهدد الحكم الفردي وتعادي الكيان الصهيوني، ولو قُدر لها أن تهادن "إسرائيل" لفرضت على "إسرائيل" العمل معها والتوافق مع برامجها، ومثال ذلك أيضًا الإبادة الإسلامية في غزة أو حماسستان مقابل فتحستان، ومثاله أن حزب الله الشيعي هو رأس الحربة للمشروع الإيراني.
وأخيرًا الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي وشبه الرسمي الذي يتخذ موقف العداء من سوريا بذريعة أنها تؤوي الإرهاب أي المقاومة، وأنها تحالف إيران بعد أن هجرت المعسكر العربي، ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى مزيد من التفصيل؛ لكي يدرك أن واشنطن والكيان الصهيوني يحاولان إشعال حرب باردة عربية تشغل العرب عن المشروع الصهيوني الأمريكي.
أما التحدي السادس، فهو أن المقاومة العربية تعمل في بيئة دولية تهيمن عليها قيم النفاق واقتسام المصالح ومناطق النفوذ، وانعدمت فيها قيم الحق والعدل والإنصاف، وقد رأينا أكبر الأمثلة على ذلك في لبنان عندما احتشد العالم كله ينتظر "النصر الصهيوني" في لبنان، فلم يُصدر مجلس الأمن قراره الجائر 1701 إلا بعد أن أقر الكيان الصهيوني بالعجز أمام انتصار المقاومة، ليدخل لبنان في فصل جديد من تحدي الكيان الصهيوني للمقاومة.
كذلك تمنى الغرب أن تؤدي محرقة غزة في يناير 2009م إلى فرار سكان غزة إلى سيناء، أو أن تسقط حماس في غزة، فلما استيئس الغرب وبعض الدول العربية المجاورة لغزة صدر قرار مجلس الأمن رقم 1866، رغم حالة الإرباك التي سببتها مصر بإعلان مبادرة وقف إطلاق النار المناقضة لقرار مجلس الأمن؛ وذلك قبيل التصويت على القرار بدقائق، رغم أن مصر كانت طرفًا في مشروع القرار.
وكذلك تصدى مجلس الأمن بالطريق القانوني لتسويغ الاحتلال في قراريه 1483 (2003م) و1546 (2005م) للعراق، مثلما قاد مجلس الأمن معركة المشروع الصهيوني في فلسطين وفي قضية الحريري ودارفور، وهو لا يقل فداحة عن المخطط العالمي والعربي ضد حماس التي كان ذنبها أنها صدقت أن إرادة الشعب الفلسطيني هي التي تحدد مستقبل فلسطين، وليست إرادة المشروع الصهيوني، فوقعت في براثن الفتنة الداخلية، وهي الأخطر على القضية من المشروع الصهيوني.
ولا مفر من إحياء المشروع القومي العربي من خلال الشارع العربي؛ بعد أن تخلت عنه النظم الرسمية، حتى يظل حاضنًا للمقاومة مع عدوها المزدوج.
هكذا تعمل المقاومة العربية في بيئة رسمية عربية بالغة التعقيد ضد عدو صار حليفًا لهذه البيئة، بينما ارتفعت جبال الحقد والعزم على تصفيته، ورفض التعايش معه في البيئة الشعبية العربية؛ بما يعني أن الخلاص من هذا العدو قد لا يتأتي إلا بالخلاص من هذه النظم؛ ولذلك فإن الثورة العربية الكبرى عبر الوطن العربي هي الكفيلة بإسقاط المشروع، ودعم المقاومة، ورحيل المشروع مع أذنابه وخدمه، الذين توهموا أن الزبد باق، ولكن الزبد يذهب جفاءً، ولا يبقى إلا ما ينفع الناس، فتلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
أبعاد أزمة المقاومة الحالية وطرق التغلب عليها
ركزنا في التحليل السابق على أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المقاومة العربية هو تغير موقع النظم العربية من التصدي للمشروع الصهيوني، مرورًا بالحياد معه ووصولاً إلى مساندة مع مخططاته، فقد رأينا أن المقاومة الفلسطينية قد نشأت كأداة لتجسيد إرادة الفلسطينيين في استرداد حقوقهم، بمساندة قلعة النضال العربي مصر الناصرية في الستينات، قبل أن يسقط الغرب راية المشروع القومي العربي عام 1967م، ثم استمرت المقاومة العربية للكيان الصهيوني حتى تولى الرئيس السادات الحكم في مصر، فاتخذ الرئيس السادات موقف الاقتراب من الكيان والولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي والمقاومة.
والغريب أن عجز النظم العربية عن مواجهة الكيان الصهيوني كان يمكن أن يدفع هذه النظم إلى مساندة البديل وهو المقاومة، ولكن الحقيقة أن مصر تصدت لكل هذه المحاولات وقهرت العالم العربي على قبول المشروع الصهيوني المستند إلى الدعم الأمريكي.
ولكن الغريب أيضًا هو أن الدول العربية جميعًا ساندت انتفاضة الأقصى، وتسابقت على دعمها حتى تولى شارون حكم الكيان الصهيوني، وقرر إجراء جراحة أساسية في اللعبة السياسية في المنطقة بدأت تجلياتها الكبرى في أحداث 11 سبتمبر، حتى إذا ما انعقدت قمة شرم الشيخ العربية الأمريكية عام 2002م؛ تحول الخطاب العربي الذي عبر عنه الرئيس مبارك نيابة عن العالم العربي إلى اعتبار أن المقاومةَ إرهابٌ، وأن هذا الإرهاب هو العقبة الكئود أمام جهود السلام في المنطقة.
وقد حاول الكيان الصهيوني أن يقضي على المقاومة في لبنان عام 2006م وفي غزة عام 2009م، ولكن فشله في تحقيق ذلك على الأرض دفعه إلى استئناف الحرب ضد المقاومة عن طريق تجريم المقاومة، وحظر إمدادها بالسلاح والمال، وتجريم الإعلام عنها، وإطلاق حملة من تزييف الوعي بحيث دفعت المجتمعات العربية إلى محاولة التبرؤ من المقاومة.
لكن الكيان الصهيوني الذي حقق نجاحًا باهرًا في فلسطين قد حقق نجاحًا محدودًا في لبنان؛ حيث لا يزال سلاح حزب الله محل جدل، وإن كانت العلاقة بين الحزب وبين إيران لم تعد مسألة جدلية.
والحق أن التضييق على المقاومة في لبنان أقل بكثير من التضييق عليها في غزة، فإذا كان المجتمع الدولي لم يتحمس لرصد الأموال لإعادة إعمار لبنان؛ لأن القرار 1701 قد حمَّل حزب الله مسئولية هذا الدمار بفضل موقف بعض الأطراف العربية، فإن المجتمع الدولي عندما قرر خمسة مليارات من الدولارات لإعادة إعمار غزة رهن التنفيذ بقبول حماس لشروط الكيان الصهيوني، وهو ما ينطوي على اعتراف المجتمع الدولي بأن دمار غزة لم يكن مسئولية حماس، كما أن المجتمع الدولي من ناحية أخرى لم يعترف بأن هذا الدمار من مسئولية الكيان الصهيوني.
ولا شك أن المقاومة في غزة تتعرض لعدد كبير من الضغوط أهمها إرغامها على مصالحة تنال من حقوقها، وحصار خانق من جانب الكيان الصهيوني ومصر، ومساندة غريبة من جانب رئيس السلطة لجدار مصر الفولاذي، وكأنه يظن أنه يجامل الحكومة المصرية على حساب شعب غزة الذي اتهمه الكيان الصهيوني بالمشاركة في محرقته، ومن الواضح أن مصر تربط بين رفع الحصار من جانبها عن غزة، وبين دفع حماس إلي الامتثال لشروط الصهاينة وأبو مازن.
ولعلنا نلاحظ أن المقاومة في لبنان لها وظيفتان: الأولى هي الدفاع عن لبنان ضد العدوان الصهيوني ما دام الجيش اللبناني يحتاج إلى إمكانيات المواجهة، وتحكمه قيود الجيوش الرسمية، والوظيفة الثانية هي تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية، وفي الحالتين تشتبك المقاومة مع الكيان الصهيوني.
كذلك الأمر في فلسطن؛ حيث تواجه المقاومة حالة أخطر وهي الاحتلال الاستيطاني الذي يتقدم كل ساعة في الأراضي الفلسطينية، ووقف العدوان الصهيوني المتربص بغزة باعتبارها إقليمًا محررًا، وعقدة المقاومة في غزة ليست الكيان الصهيوني، ولكن الموقف المصري وعدم وجود مخرج آخر للمقاومة لتعويض أزمة الموقف المصري.
وللتغلب علي مشاكل المقاومة في هذه البيئة العربية المتخاذلة والمتعاونة مع الكيان الصهيوني بالتوازي أو بالاتفاق؛ فإنه يجب على الجماهير العربية أن تشتد في دعم المقاومة في كل ما يلزمها وكشف المواقف الرسمية.
من ناحية أخري، فإن هناك عاملين جديدين، أحدهما قائم والآخر مطلوب، أما العامل الذي يبشر بالخير بالنسبة للمقاومة، فهو أن تركيا بدأت تطل على المنطقة وتلح على الكيان الصهيوني بأنها أصبحت طرفًا في قضايا المنطقة، ولم يعد للكيان الصهيوني الحق في الانفراد بملفات المنطقة؛ ولذلك نعتقد أن الكيان الصهيوني لم يعد يتمتع بالحرية القديمة التي مكنته من تدمير لبنان وغزة، كما أن الضغوط التركية لإجبار الكيان الصهيوني على رفع الحصار يجب أن تتوجه أيضًا إلى مصر، ولكن تدرك تركيا جيدًا أن رفع الحصار من جانب الكيان الصهيوني سوف يؤدي تلقائيًّا إلى أن ترفع مصر الحصار عن غزة، ما دام الحصار مفروضًا بناءً على طلب الكيان الصهيوني.
أما العامل المطلوب بإلحاح لتحسين ظروف المقاومة فهو تسوية الخلافات بين العرب وإيران، وهذا سيؤدي إلى تخفيف الضغط والاحتكاك خاصة في مصر مع المقاومة في غزة ولبنان، وإن كان ذلك كله لن يؤثر على رئيس السلطة الفلسطينية الذي يتمكن الكيان الصهيوني بحكم الاحتلال من قراراته وتوجهاته.
وأخيرًا لا بد أن يكون واضحًا أن هذه المنطقة ستظل مستهدفة من جانب الغرب، ما دام فيها البترول و الكيان الصهيوني، ولذلك لا بد أن تظل المقاومة إما من النظم أو الحركات الشعبية في العالم العربي؛ لأن قدر الأمة العربية أن تظل أمة مقاومة.