يخشى الصهاينة الجدِّيَّة في سلام له استحقاقاتٌ، تنفيذُها نهايةٌ حتميةٌ للكيان الصهيوني، فعودة ملايين الفلسطينيين من الشتات إلى أرضهم تغيير ديموجرافي جزري لا تبقى معه هويَّة الكيان النازى العنصري، وكما يزعمون: "لا معنى لإسرائيل بدون القدس"، ووجود دولة فلسطينية ذات سيادة على أرضها وسمائها وجيشها متصلة الحدود بجيرانها يمثِّل تهديدًا لوجود الكيان الصهيوني.

 

من كلِّ ذلك كان خيار الناخب الصهيوني لليمين، وكان انزواء اليسار وحكومة الصقور التي أُنيطت بمثل ليبرمان حقيبة الخارجية.

 

وفي تقرير عن مستقبل الكيان عام 2000م وُضع سنة 1980م، فشل واضعو التقرير من خبراء الإستراتيجية الصهاينة في التنبُّؤ بالانتفاضة الأولى 1987م، والتي كانت السبب المباشر في دفع الكيان إلى البحث عن مفاوض فلسطيني تنتهي جولات مفاوضاته باستقدامه إلى الكيان وتسليحه ببنادق "عوزي"؛ ليتكفَّل بتأمين الكيان، وحمل أجندته الأمنية في مقابل إدارة الشأن اليومي للفلسطينين تحت السيادة الصهاينة، وبدأت من مدريد، فأسلو، فواي ريفر، وانتهت بخارطة الطريق في 30/4/2003م، التي طالبت الفلسطينين باختيار قيادة جديدة تلتزم بحصار واعتقال المقاومة، والتنسيق الأمني مع الجيش الصهيوني.

 

وفي تقرير عن مستقبل الكيان الصهيوني عام 2020م وُضع عام 2000م، فشل أيضًا واضعو التقرير في التنبؤ بالانتفاضة الثانية، والتي كانت أقوى وأشرس، كما فشلوا في التنبؤ بصعود "حماس" واستعصائها على الاستيعاب والترويض، وفي عجز رجال السلطة الذين ينفِّذون خطة الجنرال دايتون على مواجهة "حماس"، وفي التنبؤ بالتلاحم الشعبي بين المقاومة والشعب الفلسطيني.

 

فهناك عمى إدراك وغياب الموضوعية في الرؤية الإستراتيجية الصهيونية؛ نتيجة بروز الإسلام كمكون أساسي من مكونات الشخصية الفلسطينية، فلم تعُد المقاومة ردَّ فعل يومي لسلوك الاحتلال، وإنما هي حركة تحرر وطني تحمل برنامجًا ومشروعًا لدولة.

 

وبقراءة لهذه المستجِدَّات على الساحة الفلسطينية، وكذلك المستجِدَّات الإقليمية والدولية، ومنها:

 

* الفشل الأمريكي في مخطاطه للهيمنة على المنطقة.

* الفشل الصهيوني في لبنان وغزة؛ حيث عجزت عن تحقيق أي إنجاز، سواء وقف الصواريخ أو استعادة شاليط أو اعتقال قيادات المقاومة وتصفيتها أو الضغط على شعب غزة للانقلاب على حماس.

 

* توجه الرأي العام الصهيوني إلى اليمين، وشبه الإجماع على رفض العودة لحدود 67 أو التفريط في القدس.

 

* تنامي المدِّ الإسلاميِّ، وكذلك التقارب بينه وبين التيار العروبي، وسقوط الأقنعة عن نظُم ما تسمَّى بالاعتدال.

 

* ظهور قوى فاعلة على المسرح السياسي الإقليمي، كتركيا وإيران، بتوجهاتهما الداعمة للحقوق الفلسطينية.

 

من قراءة هذه المستجدات تتجه سينايوهات المستقبل إلى التالي:

- استمرار المراوحة في المكان بين هيمنة رجال دايتون بزعامة أبو مازن في الضفة وبقاء حماس ممسكةً بزمام الأمور في غزة، وتبقى المفاوضات هي ملهاة الكيان الصهيوني للسلطة والعالم؛ شغلاً لهم عن قضم المغتصبات للضفة قطعةً قطعةً، وتهويد القدس، وتوظيف عامل الزمن لخلق واقع جديد عند المرحلة النهائية، لا يجد المفاوض ما يفاوض عليه، وتستمر معاناة فلسطينيِّي غزة بعد أن تتحوَّل قضية التحرر الوطني إلى قضية سولار وطحين وأنفاق وجدار وقوافل إغاثة تمنع مرةً، وتصل مرةً، وتُدخل مصريًّا منحازًا يستهدف ترويض المقاومة، متوهمًا تخليها عن ثوابتها كما تخلى عرفات عن الميثاق الوطني.

 

- اجتياح صهيوني محدود بغير تورُّط في جرائم حرب- كما يزعم- على غزة؛ يستهدف استعادة هيبة الآلة العسكرية الصهيونية، وكذلك الضغط على شعب غزَّة للتمرُّد على حماس أو في حدِّه الأدنى تلين لمواقف حماس من الاعتراف بالكيان الصهيوني، وهدنة طويلة تتكفَّل فيها حماس بضبط بقية فصائل المقاومة كالجهاد والشعبية، وهو ما يهيِّئ تمرُّد هذه الفصائل على حماس طمعًا من الكيان في تكرار التجربة.

 

- تقدم في عمليات التسوية دون إنجاز حقيقي، بمعنى استمرار المفاوضات، وتغيب الملفات الثلاث المهمة (القدس- العودة- الدولة) إلى أجل غير مسمى، وإبقاء التفاوض حول ملف الأسرى- المياه- الاستيطان- وباقي الشأن الحياتي للسكان.

 

- نجاح مصر في الضغط على حماس للتوقيع على الورقة المصرية لإنهاء الانقسام بين رام الله وغزة؛ بما تحويه هذه الورقة من استحقاق انتخابي برلماني ورئاسي؛ لجني ثمار الحصار في صندوق انتخابات قد يُبعد حماس عن قيادة الشعب، ويأتي بعباس بدولاراته الأمريكية الأوروبية العربية ومعه رجال الجنرال دايتون المتدرِّبون في معسكرات بالأردن ومصر؛ لمطاردة آخر بندقية مقاومة، وبهذا تكون مصر نجحت فيما فشلت فيه حملة الرصاص المصبوب علي غزة.

 

- رسم الكيان الصهيوني للخريطة الجغرافية والسياسية من طرف واحد وتجاهل أبو مازن والمراوغة لاكتساب وقت لاستكمال الاستيطان وتهويد القدس، ثم التضحية به وتركه ليواجه مصيره بعد فشل كل رهاناته.

 

- تضعضع في صفوف منظمة التحرير وخروج أصوات من فتح والشعبية والديمقراطية على منظِّري التسويات بعد انكشاف الوهم يعقبه انفلات أمني في الضفة يلجئ الكيان الصهيوني إلى التدخل بآلتها العسكرية لحسم الصراع لصالح فريق عباس- دحلان- رجوب، وهنا تهيَّأ الأجواء لحدث درامتيكي وهو السيناريو الأخير.

 

- كل هذه السيناريوهات يدعمها فساد في رموز السلطة، وتدهور الوضع الداخلي الفلسطيني، واكتفاء الكيان بالمعالجة الأمنية للقضية وحالة العجز في النظام الرسمي العربي، وزيادة الاستقطاب بين غزة والضفة وبين الشعوب والنظم الحاكمة وبين دول ما يسمَّى بالاعتدال ودول ما يسمَّى بالممانعة مع تنامي المدِّ الإسلامي والشعور القومي.. كل هذا يهيئ لسيناريو محتمل- وبشدَّة- في خلال 3 سنوات، وهو انفجار الانتفاضة الثالثة  مع حالة احتقان في الشارع العربي والاسلامي قد تنبئ عن تغيُّرات جوهرية في مسيرة القضية، بل والمنطقة ككل.