ينعقد في الدوحة كل عام منتدى أمريكا والعالم الإسلامي، ويضم عددًا كبيرًا من الجانبين الإسلامي والأمريكي الرسمي والفكري، وتعتقد واشنطن أن هذا المنتدى من علامات الاهتمام بالعالم الإسلامي وقضاياه، وفي عام 2010م، كان اجتماع هذا المنتدى محل اهتمام خاص؛ لأنه الأول الذي يعقد بمناسبة مضي عام تقريبًا على مبادرة أوباما نحو العالم الإسلامي، وقد تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية بالفعل عن تأكيد الالتزام الأمريكي بقضايا العالم الإسلامي، كما تضمن خطابها عددًا من المشروعات التنموية مع بعض الدول في المنطقة.
ولا أظن أنه يمكن أن نضيف إلى ما كُتب حول إعلان واشنطن عجزها عن تحقيق السلام في فلسطين دون أن تبدي الأسباب، ومع ذلك أعلنت واشنطن أنها لن تتخلى عن التزامها بالسعي نحو هذا السلام. فما هي المشكلة بالنسبة إلى واشنطن والعالم الإسلامي؟، ولماذا أحبطت واشنطن العالم الإسلامي مرة أخرى بعد أن رأى هذا العالم بنفسه كيف ارتد أوباما إلى نفس موقع بوش مع اختلاف الأسماء والألوان؟، وهل حقًّا أن واشنطن لا ترى طريقًا منطقيًّا ومنهجًا علميًّا يقبله العالم الإسلامي في تعاملها معه؟، أم أن واشنطن تستخدم مثل هذه المنابر للدعايا لنفسها كالمرشح الذي قدم نفسه عدة مرات بنفس البرنامج لأجيال من الناخبين معتقدًا بانقطاع الذاكرة وعجز هذه الأجيال عن إدراك الخطأ في برامجه؟.
أعتقد أن المشكلة لا تحتاج إلى اجتهاد، ذلك أن النية الأمريكية وحدها والكلمات المنمقة كافية لكي تدرك واشنطن أن العالم الإسلامي في ناحية وواشنطن في ناحية أخرى، كما أن خطاب هيلاري كلينتون في منتدى الدوحة يوم 13 فبراير 2010م، كان يوجِّه رسالة ضد إيران من خلال الحديث عن اهتمام واشنطن بالعالم الإسلامي بعد أن رسمت الوزيرة الأمريكية صورة بشعة لإيران، وكأنها تريد أن تقول: إن أنانية إيران في حيازة السلاح النووي هي المشكلة الأساسية التي تحول بين واشنطن والعالم الإسلامي، ولذلك يجب أن يتكاتف العالم الإسلامي معها لزجر إيران وعزلها عن الساحة الدولية، وربما التمهيد لضرب قوتها؛ حتى يستقيم سلوكها مع تعاليم الإسلام كما تفهمها واشنطن.
والحقيقة التي يجب أن تعرفها واشنطن والتي كرَّرها كل المتحدثين المسلمين في هذا المنتدى هي أن العالم الإسلامي يريد أن تكون واشنطن قوية في مواجهة التدليل الإسرائيلي، وأن تكف عن تواطئها مع ضياع الحقوق العربية، كما يريد من واشنطن أن تدفع بجدِّية وبالتفاهم مع حلفائها من حكام المنطقة نحو ديمقراطية حقيقية، وأن تتصدى مع الشعوب العربية لوقف الفساد الذي أدى إلى تآكل الكيانات العربية والإسلامية.
يريد العالم الإسلامي أن تنقذ واشنطن القدس والمسجد الأقصى قبل هدمه بتشجيع أمريكي مكشوف، وأن تتخلى واشنطن عن هذا النفاق السافر الذي إن قبلته الحكومات الإسلامية تأدبًا وتلطفًا فإن الحقائق على الأرض والشعوب الإسلامية تأباه في الواقع. وما دامت واشنطن تدعم قهر الشعوب الإسلامية تحت مسمى الإرهاب، وتسلط "إسرائيل" لكي تعربد في هذه المنطقة بالقوة والدعم من واشنطن، وتسعى إلى تبديد كافة الحقوق الفلسطينية وإبادة العرق الفلسطيني، وتعويق أي مصالحة بين الفلسطينيين بل وتشجيع الشقاق بينهم، فإن واشنطن ستظل مهما رقت كلماتها هي السبب الأساسي في تدهور هذه المنطقة.
ولكن الغريب أن واشنطن ضربت مثلاً مؤلمًا في الفارق بين الشعب والسلطة في نظام ديمقراطي، فكيف تتصرف السلطة التي انتخبها الشعب على غير القيم التي يعتنقها المجتمع الأمريكي؟. فهل يؤيد المجتمع الأمريكي إبادة سكان غزة عن طريق الحصار؛ لأنهم يقيمون في منطقة تحكمها حماس؟، وهل يعتبر الشعب الأمريكي أن حماس التي فازت في انتخابات 2006م هي المنظمة الإرهابية؛ لأنها تدافع عن الشعب ضد المحتل وتطالب بحقوقه، بينما إسرائيل الأقوى في المنطقة تستخدم كل الأسلحة بدعم أمريكي للقضاء على سكان غزة؟.
هل يقبل المجتمع الأمريكي أن تتستر حكومته على جرائم إسرائيل التي كشفها تقرير جولدستون في غزة؛ حتى يفلت المجرم الصهيوني من العقاب؟ وهل يقبل المجتمع الأمريكي أن تتلاعب إسرائيل بدعم من حكومته بأشواق السلام في المنطقة عند شعوبها، فضلاً عن الجرائم التي ارتكبتها بلاده تحت ذرائع متعددة وعناوين متباينة؟.
سوف تضيع واشنطن وقتها وتفوت على المنطقة فرص العيش الكريم ما دامت واشنطن لا تزال تدور في فلكها دون أن تتأمل الرؤى الإسلامية التي يتم التعبير عنها كل يوم وفي كلمات المشاركين في هذا المنتدى.
وأخيرًا، فإن المنتدى بذاته هو مجرد منصة تعلن فيها المواقف ولكنه ليس دليلاً على اهتمام واشنطن بالعالم الإسلامي بالشكل الذي يريده العالم الإسلامي.