تزايدت أهمية الدور الذي يقوم به القضاء الدستوري في الدول المختلفة، في حماية الحقوق والحريات العامة، منذ النصف الثاني من القرن العشرين وإلى الآن.

 

وساهمت المحاكم الدستورية في إرساء دعائم الدولة القانونية، بفضل المبادئ التي قررتها بمناسبة رقابتها على دستورية القوانين واللوائح، والتي أسستها على نصوص الدستور أو قامت باستنباطها من مجموع نصوصه أو من وثائق أخرى لها قيمة دستورية.

 

وقد نجحت المحكمة الدستورية العليا في مصر بدورها في ممارسة دور فعَّال ومؤثر في حماية الحقوق والحريات العامة، وأرست في هذا المجال عددًا كبيرًا من المبادئ الأساسية، ومع أنها تقوم برقابة دستورية القوانين واللوائح على ضوء نصوص الدستور وحدها، دون الاعتماد على مبادئ عامة غير مكتوبة إلا أنه تفسر هذه النصوص تفسيرًا واسعًا بما يحقق أكبر حماية ممكنة لحقوق وحريات الأفراد، مع الربط بين هذه النصوص في إطار وحدة عضوية واحدة وتفسيرها معًا في ضوء ما تكشف عنه إرادة المشرع الدستوري.

 

وقد نتج عن سياسة التفسير الواسع لنصوص الدستور، التي تتبعها المحكمة الدستورية العليا التماثيل بين الحلول التي توصلت دستورية القوانين في ضوء مبادئ عامة غير مكتوبة بالإضافة لنصوص الدستور المكتوبة كما هو الحال بالنسبة للمجلس الدستوري الفرنسي.

 

ويعتبر الحق في المشاركة في الحياة العامة من أهم الحقوق الدستورية التي أرست المحكمة الدستورية بشأنها مبادئ أساسية مستمدة من مجموع نصوص الدستور، وقد وسعت المحكمة من نطاق هذا الحق استنادًا إلى أن الدستور أسبغ عليه حماية كبيرة واعتبره واجبًا على المواطنين بقدر ما هو حق لهم، ولم تقصر نطاقه على الحقوق السياسية وحدها، مثل حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تكوين الأحزاب، وإنما ربطت بينه وبين الحقوق الفكرية المختلفة مثل الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني، وحق مخاطبة السلطات العامة وحق نقد الشخصيات العامة والقائمين بالعمل العام والحريات الجامعية مثل حرية الاجتماع والحرية النقابية.

 

وقد أقرت المحكمة الدستورية للمشرع من حيث المبدأ بسلطة تقديرية في تنظيم الحق في المشاركة في الحياة العامة وغيره من الحقوق والحريات التي نصَّ عليها الدستور، بما يمنحه صلاحية تحديد الشروط والأوضاع اللازمة لممارسة الأفراد والجماعات لهذه الحقوق والحريات، ولكنها قررت أن هذه السلطة ليست مطلقة، وأن استخدام المشرع لها ينبغي أن يُحاط بضوابط معينة تضمن عدم تجاوزه لحدود هذه السلطة بما قد يؤدي إلى حظر ممارسة أحد الحقوق أو إحدى الحريات العامة أو فرض قيود شديدة على الأفراد والجماعات في ممارستهم لها بحيث تصبح هذه الممارسة صعبة أو عسيرة.

 

وسوف نعرض أولاً بعض المبادئ الأساسية التي أرستها المحكمة الدستورية في مجال حماية الحق في المشاركة في الحياة العامة بعناصره المختلفة ومنهجها في التفسير الواسع لنصوص الدستور من أجل كفالة أقوى حماية ممكنة لهذا الحق، وبعد ذلك نقدم بعض مقترحات من أجل تدعيم دور المحكمة في ضمان الحق في المشاركة في الحياة العامة، وغيره من الحقوق والحريات التي نصَّ عليها الدستور؛  وذلك في مبحثين على الوجه الآتي:

المبحث الأول: بعض المبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية في حماية الحق في المشاركة في الحياة العامة.

المبحث الثاني: مقترحات من أجل دعم دور المحكمة الدستورية في ضمان الحق في المشاركة في الحياة العامة.

كفل الدستور الحق في المشاركة في الحياة العامة بجميع الصور التي يمكن أن يمارس المواطنون من خلالها هذا الحق وأهمها حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تكوين الأحزاب والانضمام إليها وحق مخاطبة السلطات العامة، وفي هذا الشأن تنص المادة الخامسة من الدستور على أن النظام السياسي في مصر يقوم على أساس تعدد الأحزاب وللمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، ولا تجوز مباشرةً أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس ديني، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل وعهد الدستور للمشرع العادي بسلطة تنظيم الأحزاب السياسية بواسطة قانون وتنص المادة 62 من الدستور على أن للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقًا لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني وينظم القانون حق الترشيح لمجلسي الشعب والشورى وفقًا لنظام انتخابي يحدده.

 

ويجوز أن يأخذ القانون بنظام يجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية بأية نسبة بينهما يحددها، كما يجوز أن يتضمن حدًّا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين وتنص المادة 63 من الدستور على أن لكل فرد حق مخاطبة السلطات العامة كتابة وبتوقيعه، ولا تكون مخاطبة السلطات العامة باسم الجماعات إلا للهيئات النظامية والأشخاص الاعتبارية.

 

وسوف نبين فيما يلي منهج المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور المتعلقة بالحق في المشاركة تفسيرًا واسعًا يتسم بالمرونة، وبعد ذلك نعرض بعض تطبيقات من قضاء المحكمة الدستورية في مجال حماية حق المشاركة في الحياة العامة بعناصره المختلفة.

 

أولاً: منهج المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور المتعلقة بالحق في المشاركة في الحياة العامة:

وسَّعت المحكمة الدستورية من نطاق الحق في المشاركة في الحياة العامة، واعتبرته واجبًا على المواطنين، بالإضافة إلى كونه حقًّا لهم على الوجه الذي نصَّت عليه المادة 62 من الدستور ولم تقصره المحكمة على الحقوق السياسية مثل حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تكوين الأحزاب، وإنما جمعت بين هذه الحقوق وطائفة الحقوق الفكرية بوجه عام في منظومة واحدة يجمع بينها حرية التعبير عن الرأي بجميع صور التعبير وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية البحث العلمي والإبداع وحرية نقد القائمين بالعمل العام، بالإضافة إلى حرية الاجتماع والحرية النقابية باعتبارها من الحريات الجماعية وثيقة الصلة بالحريات الفكرية والسياسية.

 

وتطبيقًا لذلك قررت المحكمة الدستورية أن قانون الأحزاب السياسية الذي صدر عام 1977م قبل تعديل الدستور في عام 1980م وإقرار حرية تكوين الأحزاب بنصٍّ صريح، هذا القانون يجد أساسه الدستوري في نصوص الدستور التي تكفل حرية الرأي والعقيدة السياسية باعتبار أن حق تكوين الأحزاب يعد حقًّا دستوريًّا متفرعًا عنها ومترتبًا عليها واستنادًا إلى أن النظم الديمقراطية تقوم على أساس التسليم بقيام الأحزاب السياسية باعتبارها ضرورة واقعية للتعبير عن اختلاف الرأي الذي تحتمه طبيعتها الديمقراطية ولم ينص الدستور صراحةً على حرية تكوين الأحزاب وتنظيمها.

 

ولم تقف المحكمة الدستورية عند التفسير الحرفي لنصوص الدستور المتعلقة بالحق في المشاركة في الحياة العامة والنصوص المرتبطة بها، وإنما توسَّعت في تفسيرها في إطار الوحدة العضوية التي تجمع بين هذه النصوص، وأرست المحكمة في هذا المجال عددًا من المبادئ الأساسية التي ينبغي على المشرع أن يراعيها ويتقيد بها في التشريعات التي يصدرها، ومن بين المبادئ:

- أن السلطة التقديرية التي يتمتع بها المشرع في تنظيم الحق في المشاركة في الحياة العامة وغيره من الحقوق والحريات العامة ليست سلطة مطلقة، وإنما هي مجرد اختصاص يجب على المشرع أن يلتزم في ممارسته له بمجموعة من الضوابط بهدف تمكين الأفراد والجماعات من الممارسة الميسرة لهذه الحقوق والحريات دون غلو من جانب المشرع في تقرير الشروط اللازمة لممارستها أو فرض القيود عليها إلى الدرجة التي تنقصها من أطرافها أو تفرغها من مضمونها.

- إن نص المادة 64 من الدستور، والتي تبنَّى فيها المشرع الدستوري مبدأ سيادة القانون ونص المادة 65 التي تبني فيها مبدأ الدولة القانونية يشكلان مصدرًا وأساسًا لإلزام كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بكفالة ممارسة الأفراد والجماعات للحق في المشاركة في الحياة العامة بعناصره المختلفة وصوره المتعددة.

- إن مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، وفي الحقوق والواجبات العامة الذي ينص عليه الدستور في المادة 4 لا يمنع المشرع من إجراء تمييز بين الفئات المختلفة يكون مبنيًا على اعتبارات موضوعية لا تتناقض مع الهدف من القانون والغاية منه.

- إن حرية التعبير عن الرأي التي كفلتها المادة 47 من الدستور تعتبر أساسًا لجميع صور الحق في المشاركة في الحياة العامة كما تعتبر أساسًا لحق وثيق الصلة به هو حق جميع أفراد الجمهور في نقد القائمين بالعمل العام باعتباره وسيلة مشروعة وفعَّالة للرقابة الشعبية على كل مَن يتولى إدارة الشئون العامة التي تهم مجموع المواطنين.

- إن مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي الذي نصت عليه المادة 187 من الدستور لا يعني فقط عدم رجعية العقوبات الجنائية وإنما يفرض على المشرع كذلك عدم تطبيق أي جزاء آخر بأثر رجعي مهما كانت طبيعة هذا الجزاء وأيًّا كان نوعه ولو كان جزءًا سياسيًّا أو إداريًّا.

- إن طرح أي قانون يتضمن قيودًا على الحق في المشاركة في الحياة العامة أو غيره من الحقوق أو الحريات العامة على الاستفتاء الشعبي وموافقة الشعب على هذا القانون لا تطهره من أية مخالفة للدستور يكون قد انطوى عليها.

- إن حق التقاضي الذي نصَّت عليه المادة 68 من الدستور يعتبر ضمانةً من أهم الضمانات التي كفلها الدستور للأفراد والجماعات لتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم في المشاركة في الحياة العامة بصورها المختلفة وغيرها من الحقوق والحريات العامة بناءً على ذلك لا يجوز للمشرع الانتقاص من هذا الحق أو إحاطته بقيود تعيق الأفراد والجماعات في ممارستهم له.

 

ثانيًا: تطبيقات من قضاء المحكمة الدستورية في مجال حماية حق المشاركة في الحياة العامة:

أصدرت المحكمة الدستورية عددًا من الأحكام قضت فيها بعدم دستورية بعض التشريعات التي حظر بمقتضاها المشرع على بعض الفئات ممارسة الحقوق المتعلقة بالمشاركة في الحياة العامة أو قيد هذه الممارسة بقيود شديدة، ومن أمثلة ذلك الأحكام التي قضت بعدم دستورية حرمان بعض الفئات من حق الانتماء للأحزاب أو مباشرة الحقوق أو الأنشطة السياسية وعدم دستورية التمييز بين المنتمين للأحزاب والمستقلين عنها في حقِّ الترشيح للانتخابات وعدم دستورية تقييد الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، كما أكدت المحكمة الدستورية من ناحيةٍ أخرى على ضرورة التزام المشرع بمراعاة العدالة والمساواة في تقسيم الدوائر الانتخابية وحق الجمهور في انتقاد القائمين بالعمل العام، وحق المشاركة في الحياة العامة في إطار جماعي عن طريق تكوين نقابات تتمتع بالاستقلال في مواجهة السلطة التنفيذية، وسوف نلقي الضوء على هذه الأحكام، ونبين منهج المحكمة في تفسير نصوص الدستور من أجل ضمان الحماية الكاملة لحق المواطنين في المشاركة في الحياة العامة بجميع الصور.

1- عدم دستورية حرمان بعض الفئات من حق الانتماء للأحزاب أو مباشرة الحقوق السياسية:

أصدرت المحكمة الدستورية حكمًا بتاريخ 21/6/1986م قضت فيه بعدم دستورية المادة الرابعة من القانون رقم 33 لسنة 1978م بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي التي كانت تنص على حظر الانتماء إلى الأحزاب السياسية أو مباشرة الحقوق أو الأنشطة السياسية على كل مَن اشترك في قيادة الأحزاب قبل ثورة 1952م أو تقلد المناصب الوزارية منتميًا إلى هذه الأحزاب؛ وذلك فيما عدا الحزب الوطني وحزب مصر الفتاة، وقررت المحكمة أن موافقة الشعب على هذا القانون في الاستفتاء الذي تم إجراؤه بشأنه لا تسبغ عليه قيمة دستورية، وأن هذا الاستفتاء لا يطهر القانون من عيب مخالفة الدستور.

 

وأصدرت المحكمة الدستورية حكمًا آخر بتاريخ 4/4/1987م قضت فيه بعدم دستورية البند الأول من المادة الخامسة من القانون المشار إليه ذاته، والذي كان يحظر الانتماء إلى الأحزاب السياسية أو مباشرة الحقوق أو الأنشطة السياسية على مَن حكم بإدانتهم من محكمة الثورة عام 1971م بتهمة تشكيل مركز قوى.

 

وأصدرت المحكمة الدستورية حكمًا ثالثًا بتاريخ 7/5/1988م قضت فيه بعدم دستورية البند السابع من المادة الرابعة من القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن الأحزاب السياسية فيما تضمنه من اشتراط ألا يكون بين مؤسسي الحزب أو قيادته من تقوم أدلة جدية على قيامه بالدعوة أو المشاركة في الدعوة أو التحبيذ أو الترويح بأية طريقة من طرق العلانية لمبادئ أو اتجاهات أو أعمال تتعارض مع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة عام 1979م.

 

وأسست المحكمة الدستورية هذه الأحكام على مخالفة النصوص المقضي بعدم دستوريتها لمواد الدستور المتعلقة بحرية الأحزاب والحقوق الأخرى المتصلة بالمشاركة في الحياة العامة، ومن أهم ما جاء في حيثيات هذه الأحكام:

إن المادة 5 من الدستور المعدلة بتاريخ 22 مايو سنة 1980م تنص على أن يقوم النظام السياسي في جمهورية مصر العربية على أساس تعدد الأحزاب؛ وذلك الدستور وينظم القانون الأحزاب السياسية، وقد تحقق بهذا التعديل تغيير جذري في إحدى ركائز النظام السياسي في الدولة ذلك أن هذه المادة كانت تنص قبل تعديلها على أن الاتحاد الاشتراكي العربي هو التنظيم السياسي الذي يمثل بتنظيماته القائمة على أساس مبدأ الديمقراطية تحالف قوي الشعب العاملة من الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية، وهو أداة هذا التحالف في تعميق قيم الديمقراطية والاشتراكية، وفي متابعة العمل الوطني في مختلف مجالاته ودفع هذا العمل إلى أهدافه المرسومة، وبموجب هذا التعديل يكون الدستور قد استعاض عن التنظيم الشعبي الوحيد ممثلاً في الاتحاد الاشتراكي العربي بنظام الأحزاب؛ وذلك تعميقًا للنظام الديمقراطي الذي أقام عليه الدستور البنيان السياسي للدولة بما نصَّ عليه في مادته الأولى من أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوي الشعب العاملة، وبما ردده في كثيرٍ من مواده من أحكام ومبادئ تحدد مفهوم الديمقراطية التي أرساها وتشكل معالم المجتمع الذي ينشده سواء ما اتصل منها بتوكيد السيادة الشعبية، وهي جوهر الديمقراطية أو بكفالة الحقوق والحريات العامة وهي هدفها أو بالاشتراك في ممارسة السلطة، وهي وسيلتها كما جاء ذلك التعديل انطلاقًا من حقيقة أن الديمقراطية تقوم أصلاً على الحرية، وأنها تتطلب لضمان إنفاذ محتواها تعددًا حزبيًّا، بل هي تحتم هذا التعدد كضرورة لازمة لتكوين الإرادة الشعبية وتحديد السياسة القومية تحديدًا حرًّا واعيًّا.

 

لما كان ذلك وكان الدستور إذ نص في مادته الخامسة على تعدد الأحزاب كأساسٍ للنظام السياسي في جمهورية مصر العربية، وجعل هذا التعدد غير مقيد إلا بالتزام الأحزاب جميعها سواء عند تكوينها أو في مجال ممارستها لعملها بالمقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص عليها في الدستور، وهو ما لا يعني أكثر من تقيد الأحزاب كتنظيمات سياسية بالعمل في ظل الدستور بمراعاة الأحكام المنصوص عليها فيه فإن الدستور إذ تطلب تعدد الأحزاب ليقوم على أساسه النظام السياسي في الدولة، يكون قد كفل بالضرورة حرية تكوينها في الإطار الذي رسمه لها بل يستتبع حتمًا ضمان حق الانضمام إليها ذلك أنه من خلال ممارسة هذا الحق وبه أساسًا يتشكل البنيان الطبيعي للحزب، وتتأكد شرعية وجوده في واقع الحياة السياسية، وبالتالي فإن الحرمان منه يُشكِّل اعتداءً على حق كفله الدستور.

 

وحيث إن المادة 62 من الدستور التي وردت في الباب الثالث منه الخاص بالحريات والحقوق والواجبات العامة التي تنص على أن للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقًا لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني، ومؤدى ذلك أن الحقوق السياسية المنصوص عليها في هذه المادة اعتبرها الدستور من الحقوق العامة التي حرص على كفالتها وتمكين المواطنين من ممارستها لضمان إسهامهم في اختيار قياداتهم وممثليهم في إدارة دفة الحكم ورعاية مصالح الجماعة، ولم يقف الدستور عند مجرد ضمان حق كل مواطن في ممارسة تلك الحقوق، وإنما جاوز ذلك إلى اعتبار مساهمته في الحياة العامة عن طريق ممارسته لها واجًبا وطنيًّا يتعين عليه القيام به في أكثر مجالات الحياة أهمية لاتصالها بالسيادة الشعبية، ومن ثَمَّ فإن إهدار تلك الحقوق يعد بدوره مخالفةً لأحكام الدستور ممثلة في المادة 62 منه.

 

كما أكدت المحكمة الدستورية على العلاقة الوثيقة بين حرية تكوين الأحزاب والانضمام إليها والحريات الفكرية التي نصَّ عليها الدستور، وخاصةً حرية التعبير عن الرأي بقولها:

إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها منذ دستور سنة 1932م على تقرير الحريات والحقوق العامة في صلبها قصدًا من الشارع الدستوري أن يكون لهذه الحريات والحقوق قوة الدستور وسموه على القوانين العادية، وحتى يكون النص عليها في الدستور قيدًا على المشرع العادي فيما يسنه من قواعد وأحكام فتارةً يقرر الدستور الحرية العامة، ويبيح للمشرع العادي تنظيمها لبيان حدود الحرية وكيفية ممارستها من غير التقييد والتنظيم فإذا خرج فيما يضعه من تشريعات على هذا الضمان الدستوري بأن قيد حرية وردت في الدستور مطلقة أو إهدار أو انتقص من حرية تحت ستار التنظيم الجائز دستوريًّا وقع عمله التشريعي مشوبًا بعيب مخالفة الدستور.

 

وحيث إن حرية الرأي هي من الحريات الأساسية التي تحتمها طبيعة النظام الديمقراطي، وتعد ركيزةً لكل حكم ديمقراطي سليم إذ يقوم هذا النظام في جوهره على مبدأ أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، وهو ما أكده الدستور القائم بالنص عليه في المادة الثالثة منه، وقررت مضمونه الدساتير المصرية السابقة عليه بدءًا بدستور سنة 1923م، ولا شك أن مبدأ السيادة الشعبية يقتضي أن يكون للشعب ممثلاً في نوابه أعضاء السلطة التشريعية الكلمة الحرة فيما يُعرض عليه من شئون عامة، وأن يكون للشعب أيضًا بأحزابه ونقاباته وأفراده رقابة شعبية فعالة يمارسها الرأي الحر والنقد البناء لما تجريه السلطة الحاكمة من أعمال وتصرفات، وفضلاً عن ذلك فإن حرية الرأي تعتبر بمثابة الأصل الذي يتفرع عنه الكثير من الحريات والحقوق العامة الفكرية والثقافية وغيرها وتعد المدخل الحقيقي لممارستها ممارسة جدية كحقِّ النقد وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي وحق الاجتماع للتشاور وتبادل الآراء، وحق مخاطبة السلطات العامة، كما تعد حرية الرأي ضرورةً لازمةً لمباشرة وإمكان المساهمة بهذه الحقوق العامة في الحياة السياسية مساهمة فعَّالة كحق تكوين الأحزاب السياسية وحق الانضمام إليها وحق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء، بل إن قانون الأحزاب السياسية وقد صدر في سنة 1977م قبل تعديل المادة الخامسة من الدستور سنة 1980م بالنص فيها على نظام تعدد الأحزاب حين أراد واضعو القانون المشار إليه أن يقيموا هذا القانون على أساسٍ من الدستور قد ارتكنوا على ما يبين من مذكرته الإيضاحية وتقرير اللجنة التشريعية عنه إلى بعض الحريات والحقوق العامة المقررة في الدستور ومنها حرية الرأي والعقيدة السياسية باعتبار أن حق تكوين الأحزاب يعدُّ حقًّا دستوريًّا متفرعًا عنها ومترتبًا عليها واستنادًا إلى أن النظم الديمقراطية تقوم على أساس التسليم بقيام الأحزاب السياسية باعتبارها ضرورة واقعية للتعبير عن اختلاف الرأي الذي تحتمه طبيعتها الديمقراطية، ولو لم ينص الدستور صراحةً على حرية تكوين الأحزاب السياسية وتنظيمها، وإذ كانت حرية الرأي تعدُّ من الدعامات الأساسية التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الحرة على ما سلف بيانه فقد عُدَّت من الأصول الدستورية الثابتة في كل بلدٍ ديمقراطي متحضر، وحرصت على توكيدها الدساتير المصرية المتعاقبة، وقررها الدستور القائم بالنص في المادة 47 منه على أن "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو بالكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون والنقد الذاتي والنقد البنَّاء ضمانًا لسلامة البناء الوطني"، ولئن كان الدستور قد كفل بهذا النص حرية التعبير عن الرأي بمدلوله الذي جاء عامًّا مطلقًا ليشمل الرأي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإنه مع ذلك خص حرية الآراء السياسية برعاية أوفى لما لها من ارتباطٍ وثيقٍ بالحياة السياسية، وبسير النظام الديمقراطي في طريقه الصحيح ذلك أن الضمانات التي قررها الدستور بشأن حرية الصحافة واستقلالها في أداء رسالتها وحظر الرقابة عليها أو إنذارها أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري، حسبما نصَّت على ذلك المواد 48، 206، 207، 208 من الدستور، إنما تستهدف أساسًا كفالة حرية الآراء السياسية باعتبار أن حرية الصحافة هي السياج لحرية الرأي والفكر، وحيث إن الرأي لا ينحصر أثره في صاحبه وحده بل يتعداه إلى غيره وإلى المجتمع، ومن ثَمَّ لم يطلق الدستور هذه الحرية، وإنما أباح للمشرع تنظيمها بوضع القواعد والضوابط التي تُبين كيفية ممارسة الحرية بما يكفل صونها في إطارها المشروع دون أن تجاوزه إلى الإضرار بالغير أو بالمجتمع.

 

2- عدم دستورية التمييز بين المنتمية للأحزاب والمستقلين في حق الترشيح للانتخابات:

أصدرت المحكمة الدستورية عدة أحكام بعدم دستورية النصوص التشريعية التي كانت تقيد حق المستقلين عن الأحزاب في الترشيح للانتخابات البرلمانية أو المحلية، ومن أهم هذه الأحكام الحكم الصادر بتاريخ 16/5/1987م الذي قضت فيه بعدم دستورية عدد من نصوص القانون رقم 38 لسنة 1972م في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 114 لسنة 1983م، والتي كانت تقصر الحق في الترشيح في انتخابات مجلس الشعب على المنتمين للأحزاب.

 

وأسست المحكمة قضاءها على أن: المشرع حين نص على أن يكون انتخاب أعضاء مجلس الشعب عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية، وما استتبع ذلك من النص على اعتبار صورة قائمة الحزب الذي ينتمي إليه المرشح المثبت بها إدراجه فيها شرطًا حتميًّا لقبول طلب ترشيحه، يكون قد قصر حق الترشيح لعضوية مجلس الشعب على المنتمين إلى الأحزاب السياسية المدرجة أسماؤهم بقوائم هذه الأحزاب، وحرم بالتالي غير هؤلاء من ذلك الحق دون مقتض من طبيعته ومتطلباته مباشرته.

 

لما كان ذلك، وكان حق الترشيح من الحقوق العامة التي كفلها الدستور للمواطنين في المادة 62 منه، ومن ثَمَّ فإن حرمان طائفة معينة من هذا الحق على ما سلف ينطوي على إهدار أصله وإخلال بمبدأي تكافؤ الفرص والمساواة لدى القانون، ويشكل بالتالي مخالفة للمواد 8، 40، 62 من الدستور.

 

وحيث إنه لا يقدم في هذا النظر ما ذهبت إليه الحكومة من أن المشرع يملك بسلطته التقديرية وضع شروط يحدد بها المراكز القانونية التي يتساوى فيها الأفراد أمام القانون، وأنه قد جعل الانتماء إلى الأحزاب السياسية شرطًا لممارسة حق الترشيح فإنه يكون قد استعمل سلطته التقديرية المخولة له إعمالاً للتفويض الدستوري الذي تضمنته المادة 62 من الدستور حين أحالت في تنظيم مباشرة المواطن للحقوق الدستورية الواردة فيها إلى القانون دون وضع قيود محددة لهذا التنظيم؛ ذلك أنه وإن كان الأصل في سلطة التشريع عند تنظيم الحقوق أنه سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بقيود معينة، وأن رقابة الدستورية لا تمتد إلى ملاءمة إصدارها إلا أن هذا لا يعني إطلاق هذه السلطة في سن القوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التي نص عليها الدستور، ومن ثَمَّ فإن تنظيم المشرع لحق أو ينال منه على نحو ما سلكته النصوص المطعون فيها إذْ حرمت غير المنتمين إلى الأحزاب من حق الترشيح، ومَن ثَمَّ تكون هذه النصوص قد تعرضت لحقوق عامة كفلها الدستور، وحرمت منها طائفة من المواطنين، فجاوز المشرع بذلك دائرة تنظيم الحقوق؛ الأمر الذي يحتم إخضاعها لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية.

 

وحيث إنه لا ينال كذلك مما تقدم ما أثارته الحكومة من أن مباشرة الحقوق السياسية، ومن بينها حق الترشيح أصبح غير جائز إلا من خلال الانتماء إلى الأحزاب السياسية بعد تعديل المادة الخامسة من الدستور، ونصها على أن النظام السياسي يقوم على أساس تعدد الأحزاب؛ ذلك أن الدستور إنما يستهدف من النص على تعدد الأحزاب العدول عن صيغة التنظيم السياسي الوحيد المتمثلة في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي يضطلع بمسئوليات العمل الوطني في المجالات المختلفة دون أن يجاوز ذلك إلى المساس بالحقوق والحريات العامة التي كفلها الدستور، ومن بينها حق المواطن في الترشيح المنصوص عليها في المادة 62 منه باعتبار أن نصوص الدستور لا تنفصل عن أهدافها ويتعين تطبيقها مترابطة متكاملة.

 

وبتاريخ 19/5/1990م أصدرت المحكمة الدستورية حكمًا آخر قضت فيه بعدم دستورية المادة الخامسة مكرر من القانون رقم 38 لسنة 1972م في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986م فيما قررته من أن يكون لكل دائرة عضو واحد يتم انتخابه عن طريق الانتخاب الفردي، ويكون انتخاب باقي الأعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية.

 

وأسست المحكمة قضاءها على أن هذه المادة تعتبر قاطعةً في الدلالة على ما قصد إليه المشرع من تحديده مقعدًا واحدًا لنظام الانتخاب الفردي في كل دائرة انتخابية يجري التنافس عليه بين المرشحين من أعضاء الأحزاب السياسية والمرشحين غير المنتمين لهذه الأحزاب وتخصيصه عدة مقاعد في الدائرة خالصة لمرشحي القوائم الحزبية، ومن ثم فإن هذه المادة تكون بذاتها قد تضمنت في صريح نصها إخلال بحق المواطنين غير المنتمين لأحزاب سياسية في الترشيح على قدم المساواة، وعلى أساس من تكافؤ الفرص مع باقي المرشحين من أعضاء الأحزاب السياسية إخلال أدَّى إلى التمييز بين الفئتين من المرشحين في المعاملة القانونية، وفي مما يُشكِّل مخالفة للمواد 8، 40، 62 من الدستور، ويستوجب القضاء بعدم دستوريتها فيما تضمنته من النص على أن يكون لكل دائرة عضو واحد يتم انتخابه عن طريق الانتخاب الفردي، ويكون انتخاب باقي الأعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية.

 

3- عدم دستورية تقييد الإشراف القضائي على الانتخابات:

قضت المحكمة الدستورية في حكمها الصادر بتاريخ 8/7/2000م بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 24 من القانون رقم 73 لسنة 1956م بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية تضمنه من جواز تعيين رؤساء اللجان الفرعية للانتخابات من غير أعضاء الهيئات القضائية.

 

وأسست المحكمة قضاءها على الحيثيات الآتية:

"إن الدستور القائم أورد في مادته الثامنة والثمانين نصًا غير مسبوق لم تعرفه الدساتير المصرية من قبل، إذ نص على أن: يحدد القانون الشروط الواجب توافرها في أعضاء مجلس الشعب، ويبين أحكام الانتخابات والاستفتاء على أن يتم الاقتراع تحت إشراف أعضاء من هيئة قضائية مما يقطع أن المشرع الدستوري".

 

- احتفاء منه بعملية الاقتراع- بحسبانها جوهر حق الانتخاب- أراد أن يخضعها لإشراف أعضاء من هيئة قضائية ضمانًا لمصداقيتها وبلوغًا لغاية الأمر منها، باعتبار أن هؤلاء هم الأقدر على ممارسة هذا الإشراف بما جبلوا عليه من الحيدة وعدم الخضوع لغير ضمائرهم- وهو ما تمرسوا عليه خلال قيامهم بأعباء أمانتهم الرفيعة- حتى يتمكن الناخبون من اختيار ممثليهم في مناخ تسوده الطمأنينة، على أنه لكي يؤتي هذا الإشراف أثره فإنه يتعين أن يكون أن يكون إشرافًا فعليًّا لا صوريًّا أو منتحلاً، وإذ كانت عملية اقتراع تجري- وفقًا لأحكام القانون- في اللجان الفرعية، فقد غدا لزامًا تحاط هذه العملية بكل الضمانات التي تكفل سلامتها وتجنبها احتمالات التلاعب بنتائجها، تدعيمًا للديمقراطية التي يحتل منها حق الاقتراع مكانًا عليًّا بحسبانه كافلاً لحرية الناخبين في اختبار ممثليهم في المجالس النيابية لتكون السيادة للشعب باعتباره وحده مصدر السلطات وفقًا للمادة الثالثة من الدستور.

 

- وحيث إنه وإن استوجب النص الطعين عقد رئاسة اللجان العامة في جميع الأحوال لأعضاء من هيئة قضائية، إلا أنه يسمح برئاسة اللجان الفرعية التي يجري الاقتراع أمامها لغيرهم، فأصبح الاقتراع يتم بمنأى عن اللجنة العامة، دون أن يكفل المشرع لهذه اللجنة- التي يرأسها عضو الهيئة القضائية- الوسيلة اللازمة والكافية لتحقيق الإشراف الحقيقي على الاقتراع، ومن ثَمَّ يضحي النص المطعون عليه قاصرًا عن الوفاء بما تطلبه الدستور من إشراف أعضاء من هيئات قضائية على الاقتراع، مهدرًا بذلك ضمانية رئيسية تتعلق بحقي الترشيح والانتخاب، وبالتالي يكون مخالفًا لأحكام المواد (3، 62، 64، 88) من الدستور.

 

4- ضرورة التزام المشرع بمراعاة العدالة والمساواة في تقسيم الدوائر الانتخابية:

أكدت المحكمة الدستورية هذا المبدأ في حكمها الصادر بتاريخ 19/5/1990، وأعادت تأكيده بشكل أكثر تفصيلاً في حكمها الصادر بتاريخ 3/2/1996، الذي قررت فيه أن النظام الديمقراطي للحكم يفترض أن يكون حق الاقتراع منضبطًا وفق قواعد محددة يكون إعمالها منصفًا وفعالاً فلا يباشره المواطنون مثقلاً بقيود تؤثر في وزن أصواتهم لتضعفها أو تفرقها، كتلك التي تمايز بين المواطنين تبعًا لأصلهم أو مكان موطنهم، بل يتعين دومًا أن يكون هذا الحق متكافئًا نطاقًا، وهو ما يظهر على الأخص في الدوائر الانتخابية التي تتماثل فيما بينها في عدد سكانها، إذ ينبغي أن يكون ممثلوها متكافئين عددًا.

 

5- حق الجمهور في انتقاد القائمين بالعمل العام:

أكدت المحكمة الدستورية القيمة الدستورية لحق المواطنين في نقد القائمين بالعمل العام في حكمها الصادر بتاريخ 6/2/1993، والذي قضت فيه بعدم دستورية ما تضمنته المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المكلف بالحضور إلى المحكمة مباشرة ودون تحقيق سابق بأن يقدم خلال الخمسة أيام التالية لإعلان تكليفه بالحضور بيان الأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل على براءته من جريمة القذف، وكذلك في حكمها الصادر بتاريخ 20/5/1995 الذي قضت فيه بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له، وعلى الأكثر في الخمسة أيام التالية، بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، وإلا سقط حقه في إقامة الدليل على براءته من جريمة القذف، وقد أسست المحكمة قضاءها من ناحية على مخالفة النصين المشار إليهما لمبادئ الشريعة الإسلامية التي تكفل للمحكومين الحق في محاسبة الحاكمين، ومن ناحية أخرى، على مخالفة هذين النصين للمادة 47 من الدستور التي كفلت حرية التعبير عن الرأي.

 

6- حماية حق المشاركة في الحياة العامة في إطار جماعي عن طريق تكوين نقابات حرة:

أسبغت المحكمة الدستورية قيمةً دستوريةً على مبدأ الحرية النقابية في حكمها الصادر بتاريخ 11/6/1983، والذي قضت فيه بعدم دستورية القانون رقم 125 لسنة 1981 الذي قرر حل مجلس نقابة المحامين المنتخب ومنح لوزير العدل سلطة تعيين مجلس مؤقت لإدارة النقابة بدلاً من المجلس المنتخب، وأسست المحكمة قضاءها على أن القانون المطعون فيه خالف النظام الديمقراطي الذي نص عليه الدستور، والذي يجد سنده في مبدأ السيادة الشعبية، وحرية الرأي والاختيار، وحق الأفراد في المشاركة في ممارسة السلطة والإسهام في الحياة العامة عن طريق الانتخاب الحر لقيادات النقابة، دون تدخل من جانب السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل، وبذلك تكون المحكمة الدستورية قد رفعت مبدأ الحرية النقابية إلى مصاف المبادئ ذات القيمة الدستورية.

 

المبحث الثاني: مقترحات من أجل دعم دور المحكمة الدستورية في حماية الحق في المشاركة في الحياة العامة.

 

بعد عرض المبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية في مجال حماية الحق في المشاركة والمنهج الذي اتبعته المحكمة في تفسير نصوص الدستور المتعلقة بهذا الحق، وأهم الأحكام التي أصدرتها في هذا الشأن، فإننا نقدم بعض المقترحات من أجل دعم دور المحكمة في حماية حق المواطنين في المشاركة في الحياة العامة، وغيره من الحقوق والحريات العامة، ويتطلب تطبيق بعض هذه المقترحات تعديل بعض مواد الدستور كما سنبين، أما تنفيذ باقي المقترحات فلن يتطلب سوى تعديل بعض النصوص التشريعية العادية، وتتمثل هذه المقترحات فيما يأتي:

أولاً: إسناد الاختصاص للمحكمة الدستورية برقابة دستورية التعديلات الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات العامة:

نستند في هذا الاقتراح إلى حجة دستورية وحجة علمية، أما الحجة الدستورية فهي أن الدستور الحالي الصادر عام 1971 قد صدر في مرحلة مهمة من التاريخ الحديث في مصر، هي مرحلة الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، وقد كفل جميع الحقوق والحريات العامة التي نصَّت عليها الدساتير الحديثة في العالم المعاصر، وهو أول دستور مصري يعتبره المشرع الدستوري دستورًا دائمًا، وعلى ذلك يمكن اعتبار الحقوق والحريات التي نص عليها هذا الدستور من الحقوق المكتسبة للمواطنين، والتي أقرتها سلطة تأسيسية أصلية؛ حيث لا يجوز الرجوع عنها في المستقبل أو تقليصها بأية صورة، أما الحجة العلمية فهي أن الواقع يشهد بأن التعديلات التي تم إقرارها على هذا الدستور تضمنت تراجعًا عن بعض المبادئ الأساسية التي تضمنها الدستور في صيغته الأولى عام 1971، ومن هنا تظهر أهمية رقابة المحكمة الدستورية على أي تعديل في الدستور، ومن مظاهر ذلك:

تعديل المادة 77 من الدستور عام 1980 بإطلاق مدد الرئاسة.

 

تعديل المادة 76 مرتين: الأولى عام 2005 والثانية عام 2007، ووضع شروط لممارسة الحق في الترشيح للانتخابات الرئاسية تجعل هذه الممارسة شديدة الصعوبة على أي مرشح لا ينتمي لحزب الأغلبية، كما تم تحصين قرار لجنة الانتخابات الرئاسية، وهو قرار إداري، من رقابة القضاء، استثناء من المادة 68 من الدستور بشأن حق التقاضي.

 

تعديل المادة 179 وتخويل المشرع العادي سلطة الاستثناء من الضمانات التي نصَّت عليها المواد 41، 44، 45 من الدستور، وإجازة تقييد الحيات الفردية وتفتيش المساكن ورقابة المراسلات بقرارات إدارية.

 

تعديل المادة 88 وتقييد الإشراف القضائي على الانتخابات.

 

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاقتراح وإسناد الاختصاص برقابة التعديلات الدستورية للمحكمة الدستورية يتطلب تعديل نص المادة 175 من الدستور.

 

ثانيًا: منح المحكمة الدستورية الاختصاص بنظر الطعون في صحة عضوية نواب البرلمان كما هو الحال في كثر من الدول مثل فرنسا؛ وذلك بدلاً من النظام الحالي الذي يختص فيه البرلمان ذاته بنظر هذه الطعون ويتطلب هذا تعديل المادة 93 من الدستور التي تمنح للبرلمان هذا الاختصاص ذي الطبيعية القضائية.

 

ثالثًا: تبني أسلوب رقابة الدستورية عن طريق الدعوى الأصلية أو المباشرة التي يرفعها أصحاب المصلحة من الأفراد والجماعات ضد أي قانون يمس بالحقوق والحريات العامة؛ وذلك خلال مدة معينة بعد صدور القانون بحيث لا يجوز الطعن بعدم دستوريته بعد انقضاء هذه المدة إلا من خلال الرقابة اللاحقة بطريق الدفع الفرعي أمام إحدى المحاكم، وهذا النظام مطبق منذ وقت بعيد في دول أوروبية عديدة مثل سويسرا والنمسا وألمانيا وأسبانيا وبلجيكا والبرتغال، ويمكن في هذه الحالة استبعاد الدعاوى التي تنوي على عيب شكلي أو تكون غير جادة بشكل ظاهر؛ وذلك من خلال تطبيق الفحص الأولي أو المبدئي، والذي طبقه المشرع في مصر بالفعل بمقتضى القانون رقم 184 لسنة 2008م، ونتمنى على محكمتنا الدستورية تطبيق مبدأ المواجهة ومراعاة حق المدعي في الدفاع خلال مرحلة الفحص المبدئي لدعواه.

 

رابعًا: منح المحكمة الدستورية الاختصاص بالرقابة السابقة على دستورية لوائح مجلس البرلمان، كما هو الحال في فرنسا على أن يتم إقرار هذه اللوائح في صورة قوانين وليس قرارات، ويدعونا لتقديم هذا الاقتراح أن لائحة مجلس الشعب تجيز في المادة 371 لنواب المجلس التعامل المالي مع الدولة والتعاقد معها؛ وذلك خروجًا على المادة 95 من الدستور، وهذا ما قررته الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة في الفتوى التي أصدرتها بتاريخ 5/12/1990م.

 

خامسًا: تخفيف القيود التشريعية على ممارسة الحقوق والحريات العامة والاكتفاء بشرط الإخطار قبل ممارسة حرية إنشاء الأحزاب والصحف والجمعيات مع إخضاع هذه المؤسسات لرقابة القضاء وحده؛ وذلك بدلاً من أسلوب الترخيص المسبق من السلطة التنفيذية المطبق حاليًّا، والذي يعتبر قيدًا شديدًا على ممارسة هذه الحريات.

 

سادسًا: قصر اختصاص المحكمة الدستورية في مجال رقابة الدستورية على القوانين والقرارات الجمهورية بقوانين وإعادة الاختصاص برقابة دستورية اللوائح العادية التنفيذية والتنظيمية ولوائح الضبط للقضاء الإداري، كما كان الحال قبل عام 1979م، كما هو الحال في القانون الفرنسي؛ حيث يختص القضاء الإداري برقابة دستورية اللوائح العادية، بالإضافة إلى رقابة مشروعيتها دون حاجة لوقف الفصل في الدعوى الموضوعية وإحالة اللائحة للقضاء الدستوري.

 

سابعًا: وأخيرًا فإننا نناشد محكمتنا الدستورية العودة لسياستها القضائية الأولى بشأن تطبيق رخصة التصدي لفحص دستورية النصوص المرتبطة بالنص المعروض عليها، والتي نصت عليها المادة 27 من القانون المنظم لها، والتي قيدتها المحكمة، بعد ذلك باشتراط توافر مصلحة في إطار الدعوى الموضوعية للفصل في مدى دستورية النص الجديد، الذي يوجد ارتباط بينه وبين النص الأصلي؛ وذلك من أجل ممارستها لرخصة التصدي لفحص دستورية النص المرتبطة بالنص الأصلي.

-------------------

* أستاذ القانون العام بكلية الحقوق- جامعة القاهرة