قانون المحكمة الدستورية والمعايير الدولية أثر التعديلات المتعاقبة لقانون المحاكم على دور القضاء الدستوري
أولاً: أهمية وضرورة الرقابة الدستورية:
تعتبر الرقابة على دستورية القوانين ركنًا أساسيًّا في الدولة القانونية والديمقراطية الحديثة، وعدم وجودها يعني أن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية يمكنها مخالفة الدستور دون أن يكون هناك من يردهما عن ذلك، ونكون أمام نظام قانوني غير دستوري أو غير صحيح.
ولا يمكن القياس على ما هو سائد في بريطانيا؛ حيث لا تأخذ بالرقابة على دستورية القوانين، نظرًا لدستورها العرفي المرن ونظامها القضائي والدستوري الذي يتأثر بظروفها السياسية والتاريخية والاجتماعية والثقافية.
ودليل ذلك أن الرقابة أو رقابة دستورية القوانين ظهرت كضرورة في الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن الدستور الأمريكي لم ينص عليها صراحة عند صدوره في سنة 1787م، ورغم ذلك قررت المحكمة الفيدرالية العليا في حكمها الصادر في سنة 1803م (ماربيري ضد ماديسون) حقها في رقابة دستورية القوانين.
وقد أخذت معظم الدساتير التي ظهرت في القرن العشرين بالنص على الرقابة على دستورية القوانين، وأسندتها إما إلى هيئة تشكل تشكيلاً سياسيًّا أو قضائيًّا لبحث الدستورية قبل إصدار القوانين، أو بعد ذلك أو إلى هيئة قضائية تشكل خصيصًا لهذه المهمة، وتسمى بالمحكمة الدستورية العليا أو المحكمة العليا، ويكون لها وحدها هذا الحق دون غيرها مركزية الرقابة، أو إعطاء كل المحاكم على اختلاف أشكالها هذا الحق؛ بحيث يكون لكل محكمة "مدنية- جنائية- إدارية- تجارية.. إلخ" وأيًّا كانت درجتها "ابتدائية- جزئية" درجة أولى أو ثانية صغرى أو كبرى إلخ الحق في التعرض لبحث الدستورية إذا طلب منها أو هي رأت عدم الدستورية في نص قانوني.
ثانيًا: المحكمة الدستورية ونظام الرقابة على دستورية القوانين والظروف السياسية والثقافية المحيطة:
إذا كانت الرقابة على دستورية القوانين لازمة من لوازم الدولة القانونية الحديثة، إلا أن هذه المهمة وتحقيقها يتأثر بالظروف السياسية والثقافية المحيطة.
فقد تكون هناك رقابة دستورية منصوص عليها في صلب الدستور إلا أن ممارستها أو تفعيلها قد يتعرَّض لضغوط سياسية وتدخلات من قِبل السلطات التأسيسية، والتي تملك تعديل الدستور أو حتى من السلطة التشريعية، سواء من نفسها أو بإحياء من السلطة التنفيذية، بحيث تجعل هذه الرقابة مقيدة أو غير كاملة، ومن ذلك ما حدث في فرنسا عندما أعلن المجلس الدستوري في أكثر من مرة عدم دستورية قانون ينشئ حصصًا محددة للنساء في الانتخابات السياسية أو ما تسمية بنظام الكوتا "quotas as per sex" فقد رفض المجلس الدستوري هذا القانون مرتين بقرار رقم 82 /146 الصادر في 18 فبراير نوفمبر 1982م، والثاني بالقرار رقم 98 /407 الصادر في 14 يناير 1999م "quotas as per sex".
وتحايلاً على هذا الرفض؛ فإن المشرع العادي اتجه إلى المشرع الدستوري، وذلك عن طريق تعديل الدستور، والذي جرى في 8 يوليو 1999م، وسوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقًا.
في حين استطاعت المحكمة الفيدرالية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية من توسيع اختصاصاتها وقيادة الاتحاد الفيدرالي إلى الاستقرار وتدعيم الروابط بين أعضائه، دون أن تجد موانع أو عقبات من السلطات التشريعية أو التنفيذية في الاتحاد أو في الولايات، فإلى جانب رقابة المحكمة الدستورية القوانين الاتحادية والمحلية، أعطت المحكمة لنفسها حق مراقبة الإجراءات المشكلة للتعديلات الدستورية، ومن ذلك حكمها في قضية رفعها أحد الأشخاص "hollin worth" ضد ولاية فرجينيا سنة 1798م ضد التعديل الدستوري، والذي منع على المحاكم الاتحادية قبول الطعون القضائية المرفوعة ضد أي ولاية من جانب الأفراد الذي ينتمون لولاية أو إلى دولة أجنبية أخرى، فقد ادعى الطاعن بأن هذا التعديل لم يكن مطابقًا للمادة الأولى الفقرة السابعة، والتي تنص على أن رئيس الدولة يوافق أو يعترض على مشروع القانون، فقد رفضت المحكمة هذا الادعاء؛ استنادًا إلى أن هذا الموافقة أو الاعتراض تتعلق بالقوانين العادية وليست الدستورية، وزادت في تفسيرها بأن هذا التعديل ينطبق على كل القضايا التي لم يصدر فيها حكم بات، وكذلك حكمها في القضية الخاصة بحظر إنتاج وبيع ونقل المشروبات المسكرة أو استيرادها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتصديرها منها لاستخدامها في أغراض الشرب، فقد تم الطعن في هذا التعديل استنادًا إلى أنه اعتداء على اختصاص الولايات، وأنه يتضمن عيوبًا شكلية لعدم اكتمال النصاب الواجب توافره لإقرار التعديل داخل الكونجرس، فقد رفضت المحكمة الدفع الأول، مقررة أن هذا التعديل يدخل في اختصاص سلطة تعديل الدستور طبقًا للمادة الخامسة من الدستور، وأما الدفع الثاني فقد رفض هو الآخر استنادًا إلى أن ثلثي الأصوات يقصد به أصوات الحاضرين، وليس أصوات كل الأعضاء في الكونجرس، وقد حاولت إحدى الولايات التهرب من هذا التعديل استنادًا إلى أن دستورها الخاص بها يشترط إجراء استفتاء؛ ولكن المحكمة رفضت هذا استنادًا إلى أن الدستور المركزي أو الاتحادي وهو الأعلى لم ينص على ذلك في مادته الخامسة.
وكذلك الشأن بالنسبة للقوانين الانتخابية، والمساواة بين الرجال والنساء، وعدم التفرقة بسبب العنصر أو اللون أو المستوى الاجتماعي.
وقد لعبت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية دورًا مهمًّا في تفسير الدستور الأمريكي، وتحقيق أهداف الاتحاد الفيدرالي وضمان حقوق الولايات والمواطنين فيه.
والواضح أن المحكمة الفيدرالية كانت تراقب التعديلات الدستورية من حيث إجراءاتها، واتباع الشكل الذي حدده الدستور، أما الناحية الموضوعية لهذا التعديلات؛ فإن المحكمة لم تقف عندها كثيرًا؛ لأن هذه التعديلات كانت مبررة ومدعومة من كل الهيئات والمنظمات السياسية والشعبية، باعتبارها تستهدف حماية حقوق الأفراد وتطبيق المبادئ الديمقراطية السليمة.
وفي إيطاليا، قامت المحكمة الدستورية برقابة الإجراءات الشكلية التي قرَّرها الدستور الإيطالي في مادتيه 138 /139 فقد نصَّت الأولى على أن مشروعات تعديل الدستور أو القوانين الأساسية يتم مناقشتها وإعدادها بواسطة مجلس البرلمان خلال مداولتين متتاليتين، يفصل بينهما على الأقل ثلاثة أشهر، ويكون التصديق على هذه التعديلات بموافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء كل من مجلس البرلمان في المرة الثانية من التصويت على التعديل، ولا تكون هذه التعديلات سارية إلا بعد طرحها للاستفتاء خلال الثلاثة أشهر من إعلامنا، ويجب أن يوافق على أغلبية أصوات الناخبين، أو أن يوافق عليه في الجلسة الثانية أغلبية الثلثين من أعضاء كل من مجلس البرلمان.
ولكن المحكمة الدستورية في إيطاليا زادت على هذه الرقابة الشكلية الرقابة الموضوعية، ومن ذلك قرارها رقم 38 الصادر في 27 فبراير 1957م، وقرارها رقم 6 الصادر في 22 يناير 1970م، وقد قررت المحكمة حقها في الرقابة على القوانين الدستورية، وكانت هذه المناسبة عندما حصل إقليم سيسيل "SICILE" أو صقلية على اختصاصات إقليمية بمقتضى المرسوم بقانون رقم 455 الصادر في مايو 1946م، ثم وافقت الجمعية التأسيسية فبراير 1948م على إعطاء القيم الدستورية لهذا القانون، بحيث أصبح له الصفة الدستورية، ورغم هذا فإن المحكمة قضت بعدم دستوريته في حكمها رقم 38 الصادر في 1957م، ثم أقرت بعدم دستورية كل ما يتعلق بالمحكمة العليا لإقليم سيسيل "SICILE" إلى أن النظام القانوني في الدولة الموحدة لا يمكن أن تصل من اللامركزية إلى المساس بوحدة القضاء الدستوري فيها، واستندت في ذلك إلى فكرة المبادئ الدستورية العليا التي تعلو على الدستور، وإن كانت هذه الفكرة منتقدة.
وفي ألمانيا؛ فإن المادة 20 من القانون الأساسي تجعل الشكل الاتحادي للدولة والديمقراطي والاجتماعي ومقاومة الطغيان من الأمور الأساسية التي يجب عدم المساس بها، ورغم أن المادة 93 من القانون المحدد لاختصاصات المحكمة الدستورية لم ينص على حقها في رقابة التعديلات أو القوانين الدستورية، إلا أنها رأت في حالات معينة أن لها الحق في ذلك، ففي 1968م عندما أراد البعض الأخذ بما هو مقرر في الدستور الفرنسي والمتعلق بنص المادة 16 منه، والتي تعطي رئيس الدولة الحق في إعلان حالة الضرورة لمواجهة الأزمات، وقد انتهى الرأي إلى تعديل المادة العاشرة من الدستور الألماني في الفقرة الثانية؛ وذلك بإضافة فقرة تجيز تقييد مبدأ سرية المراسلات والاتصالات، وتجيز التنصت على المكالمات التليفونية بالنسبة للمشتبه فيهم أو حتى غير المشتبه فيهم من الأفراد، وبدون تسبيب وعدم خضوعها إلا لرقابة البرلمان، وقد طعن البعض في هذا التعديل استنادًا إلى تعارض هذا التعديل مع نص المادة 79 الفقرة الثالثة من الدستور، والتي تتضمن المبادئ التي لا يجوز المساس بها؛ حماية لحقوق الأفراد وخصوصياتهم، إلا أن المحكمة قررت أن هذا التعديل لا يتعارض مع الدستور الذي لم ينص على حرية الاتصال، وكذلك حكمها في شأن التعديل الدستوري بعد الوحدة 1990م، والاتفاق بين الألمانيتين (الجمهورية الألمانية الديمقراطية والجمهورية الألمانية الاتحادية) على تعويض من كان جائزًا أو كان لديه سند قانوني للملكية في الفترة من 1945: 1949م فقط، وقيام الملاك القدامى في الطعن في هذا القانون الذي أصبح جزءًا من الدستور في 1992م، وقد قررت المحكمة أن هذا التعديل صحيح، وأنه تمَّ طبقًا لنص المادة 79 من الدستور.
وهناك دساتير تنص صراحة على حق المحكمة الدستورية العليا في رقابة التعديلات الدستورية، ومن ذلك الدستور التركي م148 ودستور جنوب إفريقيا في المادة 167.
أما في فرنسا؛ فإن المجلس الدستوري استقر في قراراته على رفض الأخذ بالرقابة على التعديلات الدستورية، سواء اتخذت عن طريق البرلمان، أو تقررت بعد استفتاء، ففي 1962م أراد الجنرال ديجول تغيير طريق تعيين رئيس الدولة بأن يكون الشعب مباشرة هو صاحب القرار وليس البرلمان، وكان يجب أن يتبع في ذلك نص المادة 89 من الدستور، والتي تحدد خطوات تعديله، إلا أنه لجأ إلى المادة 11، والتي تعطي لرئيس الدولة- طبقًا لشروط معينة- الحق في اللجوء إلى الشعب لاستفتائه في مشروع قانون يتعلق بتنظيم السلطات العامة، وقد اعترض على ذلك رئيس مجلس الشيوخ، وطلب من المجلس الدستوري فحص مدى دستورية هذا القانون، إلا أن المجلس الدستوري رفض هذا الطلب، وقرر أنه غير مختص بالقوانين التي تأتي نتيجة لاستفتاءات؛ لأنها تصدر عن الشعب وهو صاحب السعادة العليا، والذي لا يمكن تعويل إرادته، وقد انتقد رئيس مجلس الشيوخ هذا القرار، قائلاً إن المجلس بهذا القرار قضى على نفسه، ومنذ هذا الوقت يفرِّق الفقه بين القوانين البرلمانية التي تصدرها السلطة التشريعية، والتي يمكن للمجلس مراقبتها والقوانين الاستفتائية وهي تخرج عن نطاق اختصاصه، وهو ما قرره المجلس الدستوري في 23 سبتمبر 1992م عندما قرر أن الدستور والقانون الأساسي لا يعطيانه الحق في رقابة القوانين التي تصدر عن الشعب بواسطة الاستفتاء؛ لأنه يكون تعبيرًا عن السادة الشعبية أو الوطنية.
وفي قراره الصادر 2003م، رفض المجلس مد رقابته على التعديلات الدستورية التي وافق عليها البرلمان، وكان الأمر يتعلق بمشروع قانون دستوري تبناه البرلمان، من شأنه توسيع اللامركزية في الدولة، وجعل الأقاليم "le regions" تمتلك اختصاصات منصوص عليها في الدستور، وهو ما جعل البعض يعتقد أن من شأن ذلك المساس بالمادة 59 /5 من الدستور، ويتضمن تهديدًا للنظام الجمهوري للحكومة، ويخالف موضوعيًَّا الدستور إلا أن المجلس الدستوري قرر رفضه لرقابة هذه التعديلات الصادرة من البرلمان؛ لأن ذلك لا يدخل في اختصاصه المحدد بالمادة 61 والمادة 89 من الدستور، وقد انتقد البعض هذا التميز بين القوانين العادية (أغلبية عادية) ومن التعديلات الدستورية التي تتم بأغلبية خاصة أو موصوفة.
ثالثًا: المحكمة الدستورية والتعديلات الأخيرة للدستور:
1- تعديل المادة 76 من الدستور 25/5/2005م:
لا شك أن تعديل المادة 76 من الدستور يعتبر أمرًا مهمًّا في توجه النظام السياسي الدستوري في مصر، ويهدف إلى تدعيم النظام الديمقراطي، وإن كانت القيود التي وردت في هذه المادة أثارت كثيرًا من الانتقادات، كما أن هذا التعديل جاء بمادة تعتبر من الناحية الشكلية خاصة ما يتعلق بعدد فقراتها، وما تناولته من موضوعات عديدة تعتبر متناقضة مع ما يجب أن يكون عليه الدستور من إيجاز وعموم، على أن يتولى التشريع التحديد والتفصيل، خاصة أن الدستور المصري احتوى على 211 مادة (الدستور الأمريكي سبع مواد والفرنسي 92 مادة)، وبمقارنة هذه المادة بما هو سائد في الدساتير الأخرى نجد أن أمرها غريب، وكان المقصود من ذلك تحصين هذه الأمور ضد الطعن فيها بعدم الدستورية، وأن تنأي هذه الموضوعات عن الرقابة.
فهذا التعديل تضمن اعتداءً من المشرع الدستوري على القانون الأساسي والقانون العادي، والذي لم يحدد الدستور مجالهما، وكان من الأجدر أن يأخذ المشرع الدستوري بعمومية النص، كأن ينص على أن يكون انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر، ويترك ماعدا ذلك للقوانين.
فالمادة المعدلة كانت أبسط وأكثر إيجازًا قبل هذا التعديل، والحقيقة أن الدستور عندما يتضمن مثل هذه المادة، فإن من شأنها أن تحدث تشويشًا في الإحساس أو العصب القانوني لأية جهة قضائية تنظر المنازعات المتعلقة بتطبيقها، خاصة أن يطبق ما منها من شروط للترشيح يعتبر أمرًا مستحيلاً في ظل الظروف الحالية شرط الخمسة أعوام المتصلة- نسبة الـ5% من مقاعد مجلس الشعب والشورى أو 65 من أعضاء مجلس الشعب و25 من أعضاء مجلس الشورى و10 أعضاء من كل مجلس شعبي محلي للمحافظة من 14 محافظة على الأقل، ويزداد عدد المجالس الشعبية المحلية للمحافظات بما يعادل نسبة ما يطرأ من زيادة على عدد أعضاء أي من هذه المجالس- كذلك قضاء المرشح سنة متصلة على الأقل في عضوية الهيئة العليا للحزب.
كذلك نص المادة 76 تضمن إنشاء لجنة الانتخابات الرئاسية، وكان أمام المشرع إسناد هذه المهمة إلى المحكمة الدستورية، خاصة أن اختصاصاتها تعتبر من طبيعة قانونية بحتة، والغريب أن قرارات هذه اللجنة تصدر بموافقة سبعة فقط من بين أعضائها "رئيس المحكمة الدستوري العليا+ رئيس محكمة استئناف القاهرة+ أقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية+ أقدم نواب رئيس محكمة النقض+ أقدم نواب رئيس مجلس الدولة+ 5 من الشخصيات العامة المشهود لهم بالحياد، يختار 3 منهم مجلس الشعب، ويختار الاثنين الآخرين مجلس الشورى" وليس بالإجماع.
كما أن النص على أن قرارات اللجنة المشار إليها تعتبر نهائية، ولا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن أمام أية جهة، ولا يجوز التعرض لقراراتها أو وقف تنفيذها، ورغم أنها ليست جهة قضائية وما موقف هذا الوضع من نص المادة 67 التي تمنع تحصين أي عمل أو قرار من رقابة القضاء.
المادة 76 والرقابة السابقة على قانون الانتخابات الرئاسية:
رغم أن الدستور نصَّ على مبدأ الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين إلا أن تعديل المادة 76 وما ارتبط بها من ضرورة صدور قانون الانتخابات الرئاسية نصَّ على أن يعرض رئيس الجمهورية مشروع القانون المنظم للانتخابات الرئاسية على المحكمة الدستورية العليا بعد إقراره من مجلس الشعب وقبل إصداره لتقرير مطابقته للدستور.
وفيما يتعلق بالرقابة السابقة على هذا القانون؛ فإن البعض رأى أن هذا ليس بالأمر الغريب، فهناك دساتير مثل دستور النمسا والمجر ورومانيا تأخذ بهذا الازدواج، وكذلك الوضع في فرنسا؛ حيث إن القوانين الأساسية يجب عرضها على المجلس الدستوري قبل إصدارها، وكذلك الدستور البحريني، كما أن هذا من شأنه تحقيق الاستقرار، ومنه تهديد المنصب الرئاسي بعد إجراء الانتخابات فيما لو طعن فيها، وتقرر عدم دستوريتها والحقيقة أن هذا قياسي مع الفارق.
2- تعديلات 2007م (24 مادة):
بتاريخ 19 مارس 2007م تمت الموافقة على تعديلات دستورية عديدة، شملت عدة موضوعات من شأنها التضييق من مجال الدستورية، ووضع حدود وضوابط تحد منها ومن ذلك:
أ- تعديل المادة 62، والذي أجاز بأن يتضمن القانون حدًّا أدنى لمشاركة المرأة في مجالس البرلمان، ومن شأن هذا أن يجعل النص في القانون على نسبة معينة للمرأة في عضوية مجلس الشعب ومجلس الشورى في وضع لا يثار معه عدم الدستورية، وأن يكون للمرأة مزايا بسبب جنسها في مواجهة الرجل، رغم أن المساواة بينهما تقتضي المساواة في الأعباء والامتيازات.
ب- المادة 179 بعد تعديلها تنص على أن تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب، وينظم القانون أحكامًا خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة هذه الأخطار، بحيث لا يحول الإجراء المنصوص عليه في كل من الفقرة الأولى من المادة 41 والمادة 44 والفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور دون تلك المواجهة، وذلك كله تحت رقابة القضاء، ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون، والمعروف أن هذه المواد التي يتضمنها الدستور، والتي يجب إلا تحول دون اتخاذ هذه الإجراءات لمواجهة خطر الإرهاب هي:
- الفقرة الأولى من المادة41، والتي تنص على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قدر أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة، وذلك وفقًا لأحكام القانون".
- المادة 44، والتي تنص على أن "للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب، وفقًا لأحكام القانون".
الفقرة الثانية من المادة 45 تنص على أن "للمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا يجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، وفقًا لأحكام القانون".
وقد قررت المحكمة الدستورية العليا أنها لا تملك حق رقابة التعديل الدستوري؛ وحيث إنه عن طلب الحكم بعدم دستورية نص المادة 76 من الدستور، فإن طلب الحكم بعدم دستورية نص المادة 76 من الدستور يكون مجاوزًا حدود ولاية المحكمة الدستورية العليا؛ ما يتعين القضاء بعدم اختصاصها بنظر هذا الطلب، وهو ذات ما يقال ردًّا على طلب تعديل نص المادة 76 من الدستور تتفق مع باقي مواده، إنما يخضع لإجراءات خاصة منفردة بذاتها لا صلة لهذه المحكمة بها (المحكمة الدستورية العليا القضية رقم 88 لسنة 27 جلسة 15 يناير 2005م).
وقد حدث تعديل من قبل للقانون رقم 48 لسنة 1979م في المادة 49 قانون المحكمة الدستورية العليا في 10 يونية 1998م بإصدار قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 168 لسنة 1998م؛ وذلك بالنص على أن يكون حكم المحكمة الدستورية له اثر مباشر، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي من الحكم الصادر بعدم دستورية هذا النص.
3- التعديلات على قانون المحكمة الدستورية العليا:
أولاً: محاولات تقليص دور المحكمة الدستورية العليا في التصدي للتشريعات المجافية لروح ونصوص الدستور:
من المعروف أن نهاية ديسمبر 1997م شهدت نجاح الرأي العام في التصدي لمحاولات تقويض دور المحكمة عبر مشروع قانون لتعديل المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية، وهي التي تقضي بأن أحكامها وقراراتها ملزمة لجميع سلطات الدولة، ويترتب على الحكم بعدم دستورية أي نص قانوني عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم؛ فإن التعديل الذي لم يكتب له أن يرى النور استهدف الطبيعة الملزمة لقرارات المحكمة، وجعل الأمر في نهاية المطاف بيد السلطة التشريعية التي يجوز لها وفق التعديل المقترح أن تأخذ بما قررته المحكمة، أو تضرب به عرض الحائط.
وبعد نحو سبعة أشهر فقط من هذه المحاولة؛
أصدر السيد رئيس الجمهورية القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998م، متضمنًا إدخال تعديلات على الفقرة الثالثة من المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية بصورة تضمن ألا يترتب على الحكم بعدم الدستورية أي نص ضريبي أن يكون له اثر رجعي، تتحمل بموجبه الدولة عبء سداد الضرائب التي اقتطعتها من المواطنين دون وجه حق ودون سند دستوري.
فقد نصَّت المادة الأولى من القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998م، على أن يستبدل بنص الفقرة من المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا النص التالي، "ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة، عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخًا آخر أسبق على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون له في جميع الأحوال إلا أثر مباشر، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي من الحكم الصادر بعدم دستورية هذا النص".
وقد ساقت المحكمة في تبريرها لإدخال هذا التعديل وبصورة استثنائية من خلال قرار بقانون، أن هناك عددًا من الدعاوى المنظورة أمام المحكمة بشأن دستورية بعض التشريعات الضريبية؛ وعلى الأخص ضريبة المبيعات، وأن الدولة سوف تتحمل إذا ما لم تقدم على هذا التعديل سداد مبالغ طائلة قُدرت بأكثر من سبعة مليارات جنيه نظير الضرائب التي تمَّ تحصيلها دون وجه حق منذ اعتماد القانون الخاص بفرض ضريبة المبيعات.
ومن ثم يمكن القول في ضوء آراء عديدة من فقهاء القانون أن مؤدى هذا التعديل يقوم على:
أ- الإبقاء على قوة نفاذ القانون الضريبي غير الدستوري وترتيب آثاره عليه، رغم صدور الحكم بعدم دستورية ذلك خلال الفترة السابقة على نشر الحكم في الجريدة الرسمية، ولا تملك المحكمة الدستورية في مثل هذه الأحكام أن تقرر تاريخًا أسبق من تاريخ نشر الحكم بعدم نفاذ النص التشريعي الضريبي المقضي بعدم دستوريته.
ب- أصبح تقرير الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم دستورية النص التشريعي الضريبي مقصورًا فقط بالنسبة لرافع الدعوى الدستورية وحده، دون سائر المخاطبين بأحكام هذا النص غير الدستوري الذين يستمر تطبيق النص عليهم، وتحصيل الضريبة عن الفترة السابقة على نشر الحكم.
ومؤدى هذا التعديل بالتالي أو مقولة الحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية العليا قد اختلف أمرها بالنسبة للأحكام المتعلقة بالنصوص الضريبية؛ حيث يتمتع حكم المحكمة الدستورية في هذه الحالة بحجية مطلقة في المستقبل، تشمل كافة المخاطبين بأحكام القانون غير الدستوري، وبحجية نسبية تقتصر على رافع الدعوى فقط بالنسبة للفترة السابقة على نشر الحكم، والتي تبدأ من تاريخ العمل بالقانون غير الدستوري، ومن ثم يصبح مفاد هذه التعديلات من المفارقات التي يجعل من النص القانوني المقضي بعدم دستوريته دستوريًّا في الفترة السابقة على نشر الحكم بالنسبة للكافة، وغير دستوري في المستقبل أيضًا بالنسبة لرافع دعوى الطعن بعدم الدستورية.
والواقع أن تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا بموجب القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998م كان محل استهجان شديد من قبل الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان على الأوجه التالية:
- أن هذا القرار بقانون يكشف عن مخاطر إساءة استخدام الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون، دونما اعتبار للتعارضات التي قد تثار بين هذه القرارات والمبادئ والضمانات الدستورية، ودونما اعتداد بالضوابط الدستورية التي تجيز لرئيس الجمهورية استخدام صلاحياته التشريعية؛ الأمر الذي يشوب هذه القرارات بالعوار الدستوري.
- والثابت أن تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا ليس من بين الموضوعات التي يفوض فيها مجلس الشعب رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون بموجب المادة 108 من الدستور.
كما أن ما ساقته المذكرة الإيضاحية من مبررات لقرار رئيس الجمهورية لا تقدم سندًا مقبولاً لاستخدام رئيس الجمهورية للرخصة الاستثنائية بإصدار قرارات بقوانين في غيبة مجلس الشعب؛ ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، ولا يبدو ثمة سبب حقيقي لاستخدام تلك الرخصة في هذه الحالة إلا الرغبة في تحصيل الضرائب، وتكتمل مظاهر العوار الدستوري لهذا التعديل في واحد من القوانين الأساسية المكملة للدستور في إهدار ما تقضي به المادة 195 من الدستور التي توجب أخذ رأي مجلس الشورى في مشروعات القوانين المكملة للدستور.
- أن مظاهر العوار الدستوري في هذا التعديل لا تتبدى فقط في العوار الملازم لطريقة إصداره بقرار بقانون، بل تظهر أيضًا في الإخلال بمبادئ المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص فيما بينهم، وذلك من خلال ما انطوى عليه هذا التعديل من حصر نطاق المستفيدين من الحكم الصادر بعدم دستورية نص ضريبي في حدود شخص المدعي وحده دون غيره من الأشخاص المتساوين معه في ذات المركز القانوني والمتضررين مثله من النص غير الدستوري المطعون به.
- أن جواز استمرار العمل بالنصوص المقتضى بعدم دستوريتها، يهدر القيمة الحقيقية لأحكام المحكمة الدستورية، ودورها في مراقبة دستورية القوانين، ويقلل فعاليتها في التصدي لمظاهر الانحراف في البنية التشريعية ما دام جاز استمرار تطبيق النصوص غير الدستورية، بدلاً من إلغائها فور نشر الحكم ببطلانها.
- أن إلقاء العبء على المحكمة الدستورية بموجب هذا التعديل في تقدير الأثر الرجعي المترتب على بطلان النص المطعون فيه وفي تقدير استمرار العمل به لفترة محددة بزج بالمحكمة وقضائها في أمور تحكمها اعتبارات المواءمة السياسية لا النصوص القانونية والدستورية ومن ثم يقود إلى مخاطر تسييس أحكامها، وفقًا للضغوط التي قد تخضع لها.
ثانيًا: استمرار تقليص دور المحكمة الدستورية عبر التعديلات التشريعية:
القانون كفل حق التقاضي لجميع المواطنين، ولكن القضايا التي تحال إلى المحكمة الدستورية لا يمكن إحالتها إلا عن طريق 3 جهات حددها قانون المحكمة.
مجلس الوزراء ومجلس الشعب أو جهة قضائية يطعن أمامها أي متقاضٍ على نص إحدى المواد القانونية، ويطلب التصريح له بالطعن أمام المحكمة الدستورية، والمحكمة من حقها الاستجابة لطلبه بالتصريح له بالطعن أو رفض الطلب، فلا يمكنه القيام بطعنه.
وقد تخالف هذه الطرق في اللجوء للمحكمة الدستورية العليا روح الدستور؛ لأنها تهدر حق جميع المتقاضين في التقاضي أمام أي محكمة، وبينها المحكمة الدستورية؛ لأن النص لا يستثنيها كما يحول بينهم وبين حقهم في الطعن أمامها على دستورية أي مادة قانونية يرى الدفاع أن الطعن عليها يخدم القضية التي يترافع فيها، ويمكن أن يؤدي إلى نتيجة قانونية دستورية ترسي مبدأً لصالح العديد من المتقاضين؛ لأنه بهذه الطرق التي حددها قانون المحكمة للطعن أمامها ممنوع على الأفراد التعامل مباشرة مع المحكمة الدستورية.
إضافة إلى ذلك؛ فإن القانون رقم 184 لسنة 2008م الخاص بالمحكمة الدستورية، والذي نص على أنه:
تضاف إلى قانون المحكمة الدستورية العليا مادة جديدة برقم 44 مكررًا نصها الآتي "استثناء من حكم المادة 41 من هذا القانون تنعقد المحكمة في غرفة المشورة التي تحال إليها من رئيس المحكمة، والتي ترى هيئة المفوضين أنها تخرج عن اختصاص المحكمة، أو أنها غير مقبولة شكلاً، أو سبق للمحكمة أن صدرت حكمها في المسألة الدستورية المثارة فيها".
فإذا توافرت إحدى الحالات المتقدمة أصدرت المحكمة قرارًا بذلك يثبت في محضر الجلسة، مع إشارة موجزة لسببه وإلا أعادتها لهيئة المفوضين لإعداد تقرير في موضوعها.
المادة الثانية:
ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشرة، يبصم هذا القانون بخاتم الدولة، وينفذ كقانون من قوانينها، صدر برئاسة الجمهورية في 18 جمادى الآخر سنة 1429هـ الموافق 22 يونية سنة 2008م.
حدد هذا القانون غرفة مشورة لنظر جميع الطعون، وهذه الغرفة تحدد قبول الطعن أو حفظه إذا رأت أن هذه المادة مثلاً تم الطعن عليها قبل ذلك، وصدر فيها حكم، أو إذا رأت أن الطعن لا جدوى منه، وبالتالي لا تعرض على المحكمة، ويعد هذا خطأً أيضًا؛ لأنه يمكن لطاعن آخر أن يقدم أدلة وقرائن لم يقدمها أحد، خاصة أن القضايا التي تحول تُقدَّم عن طريق جهات قضائية، وليس أفرادًا عاديين، فالقاضي هو الذي يحيل على قاضٍ مثله، فكيف يتم رفضه من غرفة مشورة قبل العرض على المحكمة الدستورية.
نتائج الدراسة:
يمكن القول إن المحكمة الدستورية أو الهيئة التي يوكل إليها بحث دستورية القوانين (مجلس- محكمة- هيئة) ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام السياسي (نظام الحكم، مدى الفصل بين السلطات والتوازن بينها، طريقة صياغة الدستور، ومدى تداخله في الأمور جملةً أو تفصيلاً..) ودرجة الديمقراطية وطريقة ممارستها في المجتمع.
وتلعب السلطة التأسيسية والسلطة التي تملك تعديل الدستور دورًا مهمًّا في تجديد مجال ونطاق الرقابة على دستورية القوانين، وأن غياب المحكمة الدستورية عن هذه التعديلات وعدم رقابتها عليها يمكن أن يؤثر سلبًا على اختصاصها وعلى مكانتها التي يجب أن تكون عليها على رأس النظام القانوني والسياسي في الدولة.
التوصيات:
- ضرورة مراجعة وتعديل الدستور بما يحقق اختصارًا لمواده وعدم الدخول في نص المادة 176، والمواد الأخرى التي تم تعديلها.
- ضرورة أن يكون للمحكمة الدستورية العليا رأيها في التعديلات الدستورية، باعتبارها القائمة على تطبيق الدستور.
- دعم استقلال المحكمة الدستورية، واختيار رئيسها من بين أعضاء المحكمة، وإيلاء الاعتبار لرأي الجمعية العمومية للمحكمة بشأن اختيار رئيس المحكمة.
- زيادة أعداد قضاة المحكمة الدستورية لسرعة الفصل في القضايا والطعون الدستورية.
------------
* أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق- جامعة عين شمس.