قامت الحركة الإسلامية لاستعادة المرجعية الإسلامية الشاملة، وهي بهذا حركة تغيير حضاري شامل، تهدف إلى استعادة مرجعية الحضارة الإسلامية في جميع جوانب الحياة، بوصفها النظام العام للأمة الإسلامية، ومن أجل بناء المرجعية الإسلامية الشاملة، وتحقيق وحدة الأمة الإسلامية ونهضتها، تخوض الحركة الإسلامية عملية مستمرة لتشكيل رؤيتها وبناء منهجها الحركي، وسط عوامل تجذبها وتشدها، أو تدفعها وتحاصرها، فتنتج الرؤى والمناهج من حالة التفاعل بين الحركة الإسلامية ومحيطها، والتحديات التي تواجهها.

 

تلك الحالة لها ملامحها وعناصرها الأساسية، والتي تمثِّل الأبعاد الفاعلة في الواقع، والبدائل المتاحة، والعوامل الخارجية الضاغطة، ومنها تتشكل مسارات الفكرة والمنهج، وتتشكل مراحل التطور والتغير، فتصبح خريطة الأفكار جزءًا من خريطة الحالة الإسلامية، فهي التي توضح موضع الحركة الإسلامية وتياراتها الداخلية، كما توضح خريطة الأفكار موضع المجتمعات العربية والإسلامية، وموضع الحركة الإسلامية فيها، وتوضح أيضًا موضع القوى المحلية خارج التيار الإسلامي، والقوى الخارجية أيضًا.

 

والحركة الإسلامية تمر عبر تاريخها بمراحل مهمة، وأخرى فاصلة، وهي تلك المراحل التي تؤسس لما بعدها، وتحدِّد مسار المستقبل، وتلك اللحظات المهمة ليست بعيدة عن خريطة الأفكار، بل تقع بداخلها، ففي اللحظة المهمة تنتصر فكرة على أخرى، وتتبلور ملامح المنهج والتوجه، وتتحدد الثوابت وتتضح المتغيرات؛ فاللحظات الحاسمة هي لحظات الفرز والمراجعة، وهي لحظات تبلور الأفكار والرؤى والمناهج، وهي اللحظات التي تتميز فيها التيارات والحركات.

 

ولا يمكن النظر للحركة الإسلامية، إلا من داخل فكرتها، وداخل محيطها، وداخل عصرها، حتى يظهر موضعها؛ فكل فكرة تعرف بما يميزها، ولكنها تعرف أيضًا من خلال موضعها من الأفكار الأخرى؛ لذا غلب على الرؤية العلمية استخدام التصنيف كوسيلة تساعد على تفسير الظواهر، وتبين الفروق بين مكونات الظاهرة، ومن خلال تحديد الأفكار والمعايير الأساسية، يمكن النظر إلى مسار التحولات، ومعرفة مجرى التغيرات.

 

لذا يكتسب تيار الصحوة الإسلامية الكثير من دلالاته من خلال موضعه وموقعه على خريطة الحالة الحضارية والفكرية التي تمر بها الأمة، بما يميز تيارات الصحوة عن بعضها ويميزها عن غيرها؛ فيصبح تحديد معايير التصنيف وسيلة لفهم مكونات تيار الصحوة الإسلامية، ومعرفة مراحله وتحولاته وتفاعلاته الداخلية.

 

مسارات الإصلاح

تشكَّلت أفكار الحركة الإسلامية حول طرق بناء المرجعية الإسلامية، وكيفية تحقيق النهضة؛ فتجلت الفكرة الحضارية في اتجاهات متنوعة، حسب منهج التفكير والحركة.

 

فقد ظهر اتجاه يرى أهمية إعادة بناء الرؤية الإسلامية من خلال استعادة الماضي، وذلك بالبحث عن أفضل تجارب السلف، ومحاولة استعادة بنائها مرة أخرى، ويتبلور التيار التقليدي، والذي يرى أهمية التمسك بالملامح التقليدية التي تحققت في الماضي، على أساس أنها أفضل وسيلة لتحقيق النموذج الإسلامي، والتيار التقليدي يمثل تيارًا من تيارات الصحوة الإسلامية الذي يتمسك بأهمية الأخذ عن النموذج التاريخي ليس فقط ثوابته، ولكن أيضًا بعض الملامح والآليات، حتى يؤسس لبناء نموذج إسلامي صحيح. 

 

في مقابل هذا التيار، ظهر تدريجيًّا تيار يرى أهمية الأخذ عن العصر والحداثة، على أساس أن لكل عصر ملامحه؛ لذا لا يمكن التعامل مع العصر الحالي إلا بأخذ ملامحه وعناصره الأساسية، وهنا يبرز دور النموذج العصري للحياة، والمتمثل في الحداثة الغربية؛ حيث إنه النموذج المتقدم، والمشكل لملامح العصر، فيتم التوفيق بين الحداثة الغربية والمرجعية الإسلامية. ويتشكل اتجاه يأخذ عن الغرب نموذجه؛ خاصة السياسي، بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ويتم الحفاظ على الخصوصية الحضارية في المجال الاجتماعي والخاص، وبهذا يتشكل تيار التوفيقية الإسلامية، كجزء من تيار الصحوة الإسلامية.

 

وبين التقليدية والتوفيقية في تيار الصحوة الإسلامية، يتشكل تيار التجديد، والذي يقوم على أساس تجديد الحضارة الإسلامية، من خلال التمسك بثوابتها والتجديد في الفروع والمتغيرات، وهذا التوجه يستفيد من كل تجارب الحضارات الأخرى، بما فيها الحضارة الغربية، ولكنه لا يلزم نفسه بأي نموذج عملي مستمد من حضارة أخرى، بل يستفيد من الأدوات والآليات والوسائل والمعارف، ويضعها في صياغته الخاصة، حتى تصبح مناسبة لثوابت الحضارة الإسلامية، فيتم إعادة إنتاج كل ما يتم اقتباسه من الحضارات الأخرى، في صورة جديدة، حتى يتم تجديد المرجعية الحضارية الإسلامية.

 

الأمة المحافظة

المجتمعات العربية والإسلامية تقع في موضع المجتمعات التي تسمى تقليدية أو شرقية؛ وهي مجتمعات محافظة في غالبها، فالتيار الغالب على مجتمعات الأمة، هو التيار المحافظ؛ وتلك مسألة مهمة، تشرح الفروق بين المجتمعات، وتسمح لنا بتحديد موضع كل حركة على خريطة مجتمعها، وليس على خرائط مجتمعات أخرى.

 

والمجتمع المحافظ، هو المجتمع الذي يسود فيه التدين والتمسك بالدين، وهو المجتمع الذي يقوم على التمسك بقيم الأسرة، وهو المجتمع الذي يحافظ على هويته الحضارية ويتمسك بها؛ لذا فإن مجتمعاتنا في أغلبها محافظة.

 

لذا يصبح الاتجاه الغالب وتيار الأغلبية في مجتمعاتنا هو الاتجاه المحافظ، ولا يصح هنا أن نعتبر الاتجاه المحافظ ممثلاً لتيار اليمين في المجتمع كما يحدث في الغرب، فما دام غالب المجتمع محافظًا؛ لذا تصبح المحافظة هي تيار الأغلبية وهي تيار الوسط؛ حيث يغلب علميًّا تصنيف التيار السائد أو تيار الأغلبية في الموضع المتوسط لأي تصنيف، فتصبح التيارات الأخرى الممثلة للأقلية على يمين ويسار هذا الموضع. 

 

وتيار الأغلبية، والذي يمثل تيار الوسط، تتفرع منه تيارات فرعية، كما أشرنا، خاصة أن تيار الأغلبية تيار عريض، وهو أوسع من تيارات الأقلية؛ لذا يمكن تصنيف التيار المحافظ، أي تيار الوسط، إلى التيار المحافظ التقليدي (يمين الوسط)، الذي يوسع من مساحة المأخوذ من التجربة التاريخية، والتيار المحافظ التوفيقي (يسار الوسط)، والذي يزيد من مساحة المأخوذ من التجربة الغربية، ويوفق بينها وبين المرجعية الإسلامية، ثم في قلب التيار المحافظ نجد التيار المحافظ التجديدي أو المحافظ الوسطي (الوسط أو المركز)، والذي يركِّز على أهمية التجديد الحضاري والتوازن بين الثوابت الحضارية والتعلم من تجارب الآخرين.

 

وخارج التيار المحافظ أي تيار الوسط نجد على اليمين التيار المتشدد (اليمين)، وهو يميل للبحث عن حالة النقاء، وهو يمثل حالة الدفاع عن النفس، والتركيز على التميز عن العصر، كما يركز على الدفاع عن الخصوصية الحضارية وتمييزها عن كل ما يختلف عنها.

 

وفي اليسار، نجد التيار المتحرر (اليسار)، وهو التيار العلماني الذي يؤمن بالتوجهات الغربية الليبرالية أو الغربية اليسارية، والتي تخرج بالكامل عن المرجعية الحضارية الإسلامية، ويمثل حالة تكيف مع النموذج الغربي، وتكريس لتراجع المرجعية الحضارية، واستبدال الذات الحضارية بالذات الحضارية للغرب المتقدم.

 

واستخدام تعبيرات اليمين واليسار هنا تساعد على التصنيف والمقارنة بين الاتجاهات وتحديد مكانها بالنسبة لبعضها البعض، مع ملاحظة أن تلك التعبيرات تتوقف على تحديد نقطة الوسط، أي الاتجاه الغالب، والتي تختلف من حضارة إلى أخرى، وهي في الحضارة الإسلامية تتمثل في التيار المحافظ.

والفروق بين المواضع المختلفة ليست مسألة كمية صرفة، بل هي تعبر عن اختلاف مكونات الاتجاه الفكري، من حيث شدتها ومركزيتها؛ ما ينتج عنه اختلاف كيفي في النهاية، فكلما زاد الاختلاف الكمي، تحول إلى اختلاف كيفي.

 

الإفراط والتفريط

وبهذا يمكن مطابقة التصنيف السابق على المعيار الحضاري الإسلامي الأساسي، وهو معيار الإفراط والوسط والتفريط، فالوسط يمثِّل التيار المحافظ، وبه تنوع داخلي، كما أشرنا، والإفراط يمثِّل النقطة الأخيرة في أقصى الاتجاه اليميني، والتفريط يمثِّل النقطة الأخيرة في أقصى الاتجاه اليساري.

 

والنظر للوسط (التيار المحافظ) بوصفه تيارًا عريضًا، وتصنيفه إلى تيار محافظ تقليدي، وتيار محافظ وسطي، وتيار محافظ توفيقي، يسمح بفهم فكرة الوسط، فهي في الواقع متعددة التوجهات؛ لأنها جوهر الفكرة الإسلامية، لذا نجد في داخلها عدة اتجاهات؛ ما يفسر لنا التعدد داخل الوسط، فاتجاه الوسط (التيار المحافظ) يتداخل أحيانًا مع التشدد؛ لأن في يمينه تيارًا تقليديًّا، إذا تشدَّد تداخل مع التيار المتشدد، والوسط يتداخل أحيانًا مع التحرر؛ لأن في يساره تيارًا توفيقيًّا، إذا تزايدت مرونته تداخل مع التيار المتحرر.

 

والوسط (التيار المحافظ الوسطي) حالة نموذجية، وهي الأصعب في تحقيقها، فهي العدل والاعتدال والميزان، وهي بهذا نقطة الكمال والتكامل في المشروع الحضاري الإسلامي، وكلما اتجه لها تيار أو حركة بعد عنها، وكلما بعد عنها حاول الاقتراب منها مرة أخرى.

 

المواضع المتحركة

يظل التصنيف عملية نسبية، تهدف إلى الاختصار، بهدف الدراسة العلمية والفكرية، فالاختصار يفيد في الفهم وتلخيص النتائج؛ ولكن من المهم أن يكون التصنيف تفاعليًّا، بقدر ما الظواهر تفاعلية أيضًا، فعندما يتعرَّض مجتمع محافظ لموجة من التغريب الوافدة من الخارج، سنجد أن التيار المحافظ أصبح يميل للتشدد، ولكنه تشدد في موضعه، أي أنه تشدد تجاه موجة من التغريب، وليس موقفًا مبدئيًّا مستمرًا، وكذلك سنجد مواقف تدعو للمرونة؛ لتحقيق مصالح تيار الصحوة الإسلامية، فنجد التيار المحافظ يميل للأخذ بآليات العصر لتحقيق مصلحة لمسار الحركة الإسلامية، وهكذا تتحرك كل الاتجاهات حسب الظرف؛ لذا لا يمكن الحكم على المواضع والمواقف بعيدًا عن اللحظة التي ظهرت فيها.

 

لهذا نعتبر تلك التصنيفات متفاعلة مع الموقف الراهن، وتفهمًا من داخله؛ خاصة أن تلك التصنيفات تتعلق بالمواقف العملية والاجتماعية والسياسية، وليس بالعقيدة الدينية والعبادات، فالموقف الاجتماعي الذي يعتبر اليوم نوعًا من الإفراط، قد يعد موقفًا وسطًا في الماضي، وهكذا تتغير التصنيفات حسب اللحظة والموقف، كما يلاحظ أن المقصود بتصنيف تيار ما؛ هو وضع عنوان يميز أغلب مواقفه، وليس كل موقف على حدة، فلا يوجد تيار تقليدي على طول الخط، أو توفيقي على طول الخط، بل إن التيار المحافظ الوسطي سنجده تقليديًّا في مواقف وتوفيقيًّا في مواقف، ولكن غالب مواقفه سنجدها وسطية، ومن ما هو غالب عليه، يتحدد تصنيفه.

 

داخل الحركة الإسلامية

بالنظر في التوجهات داخل الحركة الإسلامية، سنجد أنها تشمل معظم الاتجاهات الرئيسية التي توجد في المجتمع؛ فهي تبدأ مع التيار المتشدد (اليمين)، ثم التيار المحافظ (الوسط) بتياراته المختلفة وهي التقليدية والوسطية والتوفيقية، وكلها تمثل إطار التيار الإسلامي الواسع؛ ولكن على اليسار في المجتمع نجد التيار الليبرالي واليساري العلماني، وهو خارج إطار التيار الإسلامي الواسع، كما أن بعض توجهات التيار التوفيقي الإسلامي، نجدها تقترب من التيار الليبرالي، فتبتعد عن نطاق الفكرة الإسلامية.

 

وتلك قضية مهمة، فالتوجه نحو الإفراط يبقى داخل إطار الفكرة الإسلامية، ولكن التوجه نحو التفريط يخرج من الفكرة الإسلامية؛ ما يجعل موقف التيار المحافظ التوفيقي (يسار التيار المحافظ)، قلقًا ومتوترًا، فالموضع الذي يقوم على التوفيق بين الحداثة الغربية والفكرة الإسلامية، هو موضع قلق، كثيرًا ما يؤدي إلى الموضع التالي له، وهو موضع الفكرة الليبرالية خارج الفكرة الإسلامية.

 

وعندما ننظر إلى الحركة الإصلاحية الإسلامية نجدها تمثل التيار المحافظ (تيار الوسط)؛ فجماعة الإخوان المسلمين مثلاً، تمثِّل كلها اتجاهًا محافظًا إصلاحيًّا، ولكن بداخلها يمكن التمييز بين التيار المحافظ الوسطي، وعلى يمينه الاتجاه التقليدي، وعلى يساره الاتجاه التوفيقي.

 

والتيار الإصلاحي يمثل الوسط الإسلامي، والوسط يبدأ قبل التشدد وقبل التحرر، وهو تيار عريض؛ لهذا أشرنا له بأنه التيار المحافظ، وقسمناه إلى المحافظ التقليدي والمحافظ الوسطي والمحافظ التوفيقي.

 

والأمة كلها هي أمة الوسط، والمرجعية الحضارية الإسلامية هي مرجعية أمة الوسط، والإفراط هو إفراط من داخل الفكرة؛ ولكن التفريط هو تفريط في الفكرة، فأمة الوسط هو عنوان الأمة كلها، والوسط تيارها الغالب، وهو التيار المحافظ. 

 

الخلاصة

يشكل التصنيف السابق مدخلاً للتفسير والفهم، والتصنيفات السابقة لا تمثل فقط تيارات، بل تمثل عناوين لمراحل وكذلك لمواقف؛ وهي تمثل عوامل تفاعلية متحركة، يساعد رصدها على فهم مسار تيار الصحوة الإسلامية، ومعرفة مآله، والتصنيف ليس حكمًا دينيًّا أو أخلاقيًّا، بقدر ما هو تبويب من باب الاختصار والتفسير، فالتصنيف أداة للفهم، فإذا استخدم في معارك السياسة، يصبح أداة للتشويش، وربما التشويه؛ ونؤكد أن التصنيف مقصود به تحديد الموضع والموقع لكل اتجاه مقارنة بالاتجاهات الأخرى، بحيث تتجاور الاتجاهات القريبة من بعضها، كما يلاحظ أن المناطق البينية بين الاتجاهات تسع العديد من الحالات التي يصعب حصرها.

 

والوسط كموضع، هو نقطة الجذب المركزية، وكل التوجهات تدور حوله، فهو إذن ميزان المرجعية الحضارية، وهو أيضًا تجسيد للحظة القوة والنهوض، وهو لحظة التجديد الحضاري.