كلما وجد النظام نفسه مضطرًا لمواجهة الرأي العام أو مواجهة خصومه في قضية من القضايا التي لا مفر له من مواجهتها بعد أن اتخذ قرارًا بتمريرها أو قضية كانت تمرر في سرية وكتمان فانكشفت رغمًا عنه. حينئذٍ يلجأ إلى الاحتماء بعنوان أو شماعة يعلق عليها مبرراته ثم يضفي عليها الصبغة الدينية بفتوى رسمية في الوقت الذي يقول فيه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟

 

فهذا العنوان هو كلمة حق أريد بها باطل (الحفاظ على الأمن القومي)؛ حيث يضع الآخرين في حرج إذ كيف تكون ضد الأمن القومي وتخالف الشرع؟

 

ولقد تجلى ذلك في الآونة الأخيرة في قضيتين:-

الأولى: قضية حظر النقاب مع بداية العام الدراسي الحالي في الجامعات والمدارس والأزهر والمدن الجامعية وما كان ينتظر بعد ذلك؛ حيث كانت القرارات متوازية ومتزامنة مع الحملة الإعلامية التي انطلقت على قاعدة الأمن القومي وأمن المجتمع والمصبوغة باللون الشرعي لا لتؤكد ضرورة الالتزام بتلك القرارات فحسب بل يتطوع رمز رسمي بنفسه لنزع النقاب عن وجه طفلة بشكل غير مسبوق.

 

تلاحظ أن الكتيبة الإعلامية الأمنية والموزعة على بعض الفضائيات وبعض الصحف قد رأت النقاب بعين أمنية وسمعت عنه بأذن أمنية، وتكلمت بلسان أمني لتؤكد لك أن جرائم القتل والاغتصاب والسرقة والغش في الامتحانات كان وراءها النقاب الذي يختفي فيه المجرم ليصبح المعارضون الذين يحتمون بالقانون والدستور إرهابيين يريدونها فوضى ومتطرفين يريدونها ظلامًا.

 

الثانية: قضية الجدار العازل وإن شئت فسمه القاتل تم إنشاؤه على حدود غزة في سرية وكتمان باستخدام النقاب المحظور وإسداله على كل العيون عدا العين الأمريكية والإسرائيلية، والتي لم تتورع صحافة الأخيرة في نزعه وتمزيقه وكشف العورة وإزاحة ورقة التوت الأخيرة بعدما أوردت صحيفة (هاآرتس) الإسرائيلية الخبر الخطيئة عن الجدار العار بمباركة وثناء من الكيان الصهيوني حيث أسقط في يد النظام فظهر كمن يتخبطه الشيطان من المس فسار على غير هدف يترنح بين النفي والإثبات، ولا يكاد يبين ويكاد المريب يقول خذوني ساعتئذٍ تجلت فكرة الأمن القومي والسيادة الوطنية، وجاءت الفتوى الشرعية بأن الجدار من الشريعة، وهو واجب شرعي فانطلقت الكتيبة آنفة الذكر تردد كلمة الحق التي أريد بها الباطل، وأصدرت الفتوى الشرعية المدعومة بمساندة ومباركة بعض المشايخ لتعتبر الجدار واجبًا شرعيًّا وأمنًا قوميًّا.

 

إن أمننا القومي، بل وأمن كل الشعوب والبلاد الإسلامية حق، ولكن الباطل ألا ينطق بها إلا عندما يطلب منا قتل إخواننا وتجويعهم ومساندة اليهود في الإطاحة بهم، لكن عندما يقتل اليهود ضباطنا وجنودنا وهم حتى الآن يزيدون على بضعة عشر مجندًا وضابطًا قُتلوا بنيران اليهود وعلى حدودنا المشتركة بتعمد واضح وإصرار مبيت.

 

لا يتكلم أحد ولا يعد ذلك أمنًا قوميًّا لأبنائنا وشعوبنا وأمتنا: إن القضية يا سادة قضية رتب لها عدو مشترك لنا ولإخواننا يريدون أن نقتلهم بأيدينا حتى تظل الفجوة بين الشعوب والأنظمة هائلة فيضمن لنفسه طول البقاء والسيطرة، ولنا طول الخلاف والفرقة والتشرذم؛ وذلك حسبما استهدفوا ورسموا ولكن الله غالب على أمره، وسينقلب السحر على الساحر ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)﴾ (البروج)، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47).

--------------------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري