نشرت (المصري اليوم) الشهر الماضي يناير 2010م، ما ذكره مصطفى الفقي عن ضرورة الحصول على الموافقة الأمريكية والقبول الصهيوني لأي رئيس مصري قادم، وقام هيكل بوضع ظل أحمر على تصريح الفقي، ودارت عدة مناقشات على صفحات الجرائد حول هذا الموضوع.
ورغم أن الهيمنة الأمريكية على مصر، أصبحت من الحقائق المتفق عليها بين معظم المحللين السياسيين الوطنيين، بحكم مئات الشواهد والدلائل، وعلى رأسها وجود قوات أجنبية متعددة الجنسية تحت قيادة أمريكية في سيناء، بعد نزع سلاحها بموجب اتفاقيات كامب ديفيد، واعتماد مصر في تسليحها على المعونة الأمريكية والسلاح الأمريكي بما يحافظ لـ"إسرائيل" دومًا على تفوقها العسكري، وارتباط اقتصادها وعملتها بالاقتصاد الأمريكي، وتنفيذها الحرفي لأجندات صندوق النقد والبنك الدوليين، وسيطرة طبقة رجال الأعمال المرتبطة بالغرب، على مقدرات المجتمع المصري.
بالإضافة إلى الأدوار التي قامت وتقوم بها مصر الرسمية لصالح الإستراتيجيات الأمريكية في المنطقة، بدءًا بتعريب عملية التسوية والاعتراف بـ"إسرائيل"، ومرورًا بإضفاء الشرعية على العدوان الأمريكي الأول على الخليج عام 1991م فيما عُرِفَ باسم حرب تحرير الكويت، ومرورًا بالدعم اللوجيستي الذي قدّمته مصر للقوات الأمريكية في حربها على العراق 2003/ 2010م، والذي ورد تفصيلاً في تقارير الكونجرس، وأخيرًا وليس آخرًا مشاركة الإدارة المصرية في حصار غزة بإغلاقها لمعبر رفح وإقامة الجدار الفولاذي.. إلخ.
أقول رغم كل ذلك، إلا أنني أرغب في هذا السياق في إعادة نشر نص مهم لشخصية صهيونية رسمية هو آفي ديختر وزير الأمن الداخلي الصهيوني، وهو محاضرته في معهد الأمن القومي الصهيوني في سبتمبر 2008م، والتي سبق ونشرتها تحت عنوان "خروج مصر من السلام خط أحمر":
*****
نص المحاضرة
إن أبرز محددات السياسة الصهيونية تجاه مصر في ظل السلام الشامل والعلاقات الأكثر من طبيعية هي:
- تعميق وتوطيد العلاقة مع مصر؛ الرئيس المصري والنخبة الحاكمة للحزب الوطني والوزراء والنخب الحاكمة والناظمة لحركة مصر، والنخب الاقتصادية (رجال الأعمال), والنخب الإعلامية والثقافية.
- توسيع قاعدة العلاقة مع المنظومة السياسية والاقتصادية والإعلامية من خلال الارتباط بمصالح مشتركة تنعكس بالإيجاب على الجانبين.
- السعي لصوغ علاقة أقوى مع النخب الإعلامية في مصر بالنظر لأهمية دور وسائل الإعلام في مصر في تشكيل الرأي العام وبلورة اتجاهاته.
- من الطبيعي أن تكون هذه العلاقة تستند على مرتكزات قوية تسعى "إسرائيل" لنسج علاقة مع أقوى شخصيتين في مصر؛ هما اللتان ستتوليان مقاليد السلطة في مصر بعد رحيل الرئيس الحالي حسني مبارك، وهما جمال مبارك نجل الرئيس المصري وعمر سليمان مدير المخابرات المصرية الذي أصبح له حضور واسع داخل مصر وخارجها.
بالتأكيد فإن من مصلحة "إسرائيل" الحفاظ على الوضع الراهن, ومواجهة أية تطورات لا يُحمد عقباها, أي حدوث تحولات مناقضة لتقديراتنا باستمرار الوضع في مصر على حاله بعد رحيل مبارك أي التعايش مع انتقال السلطة من الأب إلى الابن.
مع انتهاء الحرب مع مصر رسميًّا بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979م؛ فإن أحد الأسئلة المطروحة على القيادات الصهيونية السياسية والأمنية وبقوة: "هو كيف نحول دون حدوث تغير دراماتيكي في مصر؟ تغير وفق ثلاث سيناريوهات:
1- سيطرة الإخوان المسلمين على السلطة بوسائل غير شرعية أي خارج صناديق الاقتراع.. هذا السيناريو المفترض يستند إلى تقييم بأن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر قد ينعكس سلبيًّا على قدرة النظام التحكم بالوضع، وفقدانه السيطرة الأمنية التي ما تزال هي الأداة الأكثر فاعليةً في ضبط الوضع الأمني الداخلي مثل هذا التدهور قد يفضي إلى فوضى واضطرابات سيجد الإخوان فيها فرصتهم لتحقيق هدفهم في الوصول إلى السلطة.
2- حدوث انقلاب عسكري.. هذا السيناريو رغم استبعاده في المدى المنظور إذا ما ساءت الأوضاع في مصر إلى حد خطير، وهذا قد يدفع قيادات شابة طموحة بركوب الموجة والاستيلاء على السلطة، أعود إلى تأكيد أن مثل هذا السيناريو يدخل ضمن السيناريوهات الافتراضية، فهناك أسباب وجيهة تجعلنا نستبعد مثل هذا الاحتمال.
3- أن يعجز خليفة مبارك، سواء كان نجله جمال أو رئيس المخابرات العامة؛ عن إدارة أمور مصر وحل أزماتها الداخلية البنيوية، فتجري موجات من الفوضى والاضطرابات، ومثل هذا الوضع قد يدفع بالبلاد للبحث عن خيار أفضل هو إجراء انتخابات حرة وبإشراف دولي تشارك فيه حركات أكثر محورية وجذرية من حركة كفاية؛ لتظهر على سطح خارطة التفاعلات الداخلية.. في كل الأحوال عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات؛ لأنها ستكون كارثةً بالنسبة لـ"إسرائيل" والولايات المتحدة والغرب.
وبالنسبة لـ"إسرائيل": انسحاب مصر من اتفاقية السلام، وعودتها إلى خط المواجهة مع "إسرائيل" هو خط أحمر، لا يمكن لأية حكومة صهيونية أن تسمح بتجاوزه، وهي ستجد نفسها مرغمة على مواجهة الموقف وبكل الوسائل.
من واقع توافر المؤشرات التي تبين أن النظام في مصر يعاني الآن من عجز جزئي في إحكام سيطرته على الوضع بقبضة من حديد، تقوم الولايات المتحدة و"إسرائيل" بتدعيم الركائز الأساسية التي يستند إليها النظام، ومن بين هذه الركائز نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار قادر على تحليل الحيثيات التي يجري جمعها، وتقييمها، ووضعها تحت تصرف القيادات في واشنطن والقدس وحتى في القاهرة.
كما تحرص الولايات المتحدة و"إسرائيل" عبر ممثلياتها المختلفة في مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى) على إسناد حملة جمال مبارك للفوز بتأييد الشارع والرأي العام المصري، ودعم أنشطته المختلفة الاجتماعية والثقافية؛ ليكون أكثر قبولاً من والده في نظر المصريين.
إن أي حديث عن أهمية تبني إستراتيجية استباقية حيال مصر من "إسرائيل" والولايات المتحدة هو تحصيل حاصل.. نحن نطبق مثل هذه الإستراتيجية بالتعاون مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة أدركت منذ وطأت أقدامها مصر بعد وفاة عبد الناصر، وتولي السادات زمام الأمور أنه لا بد من إقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية على غرار ما فعلته في تركيا منذ الحرب العالمية الثانية؛ انطلاقًا من ثقتها بهذه الركائز وقدرتها على لجم أية مفاجآت غير سارة تبدو أنها أقل قلقًا وانزعاجًا منا، تعتمد هذه الثقة الأمريكية على ما يلي:
- إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لكل عناصر القوة والنفوذ في مصر: الطبقة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية.
- شراكة أمنية مع أقوى جهازين لحماية الأمن الداخلي؛ مباحث أمن الدولة والداخلية والقوات الخاضعة لها، وجهاز المخابرات العامة.
- تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية مراكز صنع القرار القاهرة، الإسكندرية، الإسماعيلية، السويس، بور سعيد.
- الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة في القاهرة وجاردن سيتي, الجيزة, القاهرة (مصر الجديدة) بإمكانها الانتشار خلال بضع ساعات والسيطرة على مراكز عصب الحياة في القاهرة.
- مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها، في الغردقة والسويس.
نحن لا نزعم أننا حقَّقنا مثل هذا المستوى في توفير الضمانات التي بمقدورها أن تصد أية احتمالات غير مرغوبة بالنسبة لـ"إسرائيل" في الولايات المتحدة, نحن حققنا بعض الخطوات على الأرض؛ لكنها ليست خطوات كبيرة وواسعة بوسعها أن تكبح أية تطورات مباغتة أو عاصفة وقوية.
على هذا الأساس، قررنا أن نعظِّم ونصعِّد من وتيرة تواجد ونشاط أجهزتنا التي تسهر على أمن الدولة، وترصد التطورات داخل مصر الظاهرة منها والباطنة.
على صعيدٍ آخر، نصحنا حلفاءنا في الولايات المتحدة أن لا يقلصوا من حجم دعمهم الاقتصادي لمصر لمساعدة نظام الرئيس مبارك على مواجهة الضغوظ الاجتماعية والاقتصادية المستفحلة، والتي تولد أزمات داخلية وانفجارات.
الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في مصر تصنف على أنها من نوع الأزمات غير القابلة للحل، كل الإصلاحات الاقتصادية التي طبقت في مصر في عهد مبارك لم تسهم على الإطلاق في حل هذه الأزمات؛ حتى المساعدات الأمريكية السنوية (2.5) مليار دولار لم تعالج الخلل في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي المصري، هناك خلل بنيوي في الاقتصاد المصري يصعب معالجته بمساعدات هي مجرد مسكنات تخفف من الآلام بشكل مؤقت، ثم تعود الأزمة لتستفحل وتتفاقم.
على هذا الأساس عادت الأوضاع في مصر إلى ما كانت عليه قبل انقلاب 1952م الذي قام به الضباط: سيطرة رأس المال ورجال الأعمال على الحياة السياسية والاقتصادية، مثل هذا التحول يكون مصحوبًا باستقطاب حاد بين الشرائح الاجتماعية، بين أقلية لا تتجاوز نسبتها 10%، وبين أغلبية من الطبقة الدنيا والسواد الأعظم من المصريين يعيشون تحت خط الفقر.
هذا الوضع يثير مخاوف حتى لدى النظام القائم ولدى حلفائه، على رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.. هذه المخاوف مبررة؛ أي تغير غير مرغوب فيه في مصر ستكون له تداعيات لن تكون حبيسة داخل مصر، بل ستنعكس على عموم المنطقة، منطق الأشياء يقول هذا ويؤكد أن هذه التطورات إن حصلت ستؤثر في البيئة الإقليمية، وهذه البيئة ستتأثر بالمتغيرات داخل مصر.
النظام في مصر أثبت حتى الآن كفاءة وقدرة على احتواء الأزمات، وكذلك القدرة على التكيف مع الأوضاع المأزومة.. هناك مَن يسأل داخل مراكز صهيونية مهمة: "هل هناك تهديد حقيقي بتغيير النظام في مصر؟ وماذا أعددنا لمواجهة هذا التغيير؟".. لا يمكنني بصفتي الشخصية أو العامة أن أتحدث عن ذلك بتوسيع وإفاضة واستطراد؛ لكني أستطيع أن أقول: إن هناك تهديدًا ناجمًا عن تشابك وتعقيد المشاكل والأزمات الداخلية الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية؛ لأن الحزب الديمقراطي الذي يرأسه مبارك يهيمن على الحياة السياسية، ولا يسمح بمشاركة أوسع للقوى الأخرى، التي يُجرى إبعادها وتهميشها من خلال سلسلة من الوسائل؛ لإحداث الانقسامات في صفوفها، كما حدث لحزب الوفد وأحزاب أخرى.
فيما يتعلق بأسلوب المواجهة ضد أي تغيرات أو تحولات حادة، نحن ننسق مع الولايات المتحدة، ولكن من جانبٍ آخر نحن نستعد لمواجهة أي طارئ بما فيها العودة إلى شبه جزيرة سيناء إذا استشعرنا أن هذه التحولات خطيرة، وأنها ستُحدث انقلابًا في السياسة المصرية تجاه "إسرائيل"، فسيناء عندما انسحبنا منها ضمنا أن تبقى رهينةً، هذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لـ"إسرائيل" بالعودة إلى سيناء، وكذلك وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء تملك حرية الحركة والقدرة على المراقبة، بل ومواجهة أسوأ المواقف، وعدم الانسحاب تحت أي ظرف من الظروف.
وقد تعلمنا من سابقة 1967م دروسًا لا تُنسى: سيناء مجردة من السلاح ومحظورة على الجيش المصري الانتشار فيها هي الضمانة الوحيدة، وهي الضمانة الأقوى لاحتواء أي تهديد افتراضي من جانب مصر، لن أكشف سرًّا إن أفصحتُ عن أن الموافقة على إدخال (600) من أفراد الشرطة وحرس الحدود والأمن المركزي المصري إلى سيناء للتمركز على حدود قطاع غزة من قِبل الطاقم الأمني جاءت بعد دراسة مستفيضة وبعد مخاضٍ عسير داخل الحكومة.. سيناء بعمق (150) كيلومترًا مجردة من السلاح هي الضمان الذي لن نتخلى عنه في كل الظروف.
يبقى أن قاعدة (مصر خرجت ولن تعود إلى المواجهة مع "إسرائيل") هي الحاكمة لمواقفنا تجاه مصر, وهو موقف يحظى بالدعم القوي والعملي من جانب الولايات المتحدة.
----------