شهدت في القاهرة يوم الثلاثاء 26/1/2010م، بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان "مائدة مستديرة" حول أحداث نجع حمادي الإجرامية وكيفية التصدي لها مع نخبة من المواطنين المهمومين بمستقبل هذا الوطن (مصر) ومستقبل العلاقة بين عنصري الأمة (المسلمين والمسيحيين).
كان أهم الحضور د. وليم ويصا مدير مكتب (أخبار اليوم) السابق بباريس وصاحب مؤلف في غاية الأهمية عن أحداث الكشح التي راح ضحيتها أكثر من 30 مسيحيًّا في صعيد مصر، وحضر د. أكرم لمعي، والقس رفعت فكري من الطائفة الإنجيلية، والناشط السياسي والصديق جورج إسحاق المنسق السابق لحركة كفاية، ود. سمير زكي من أسقفية الشباب بالكنيسة الأرثوذكسية وعدد من الشباب الناشطين الذين ذهبوا بمبادرة جريئة لتقديم واجب المواساة ولتفقد الأحوال بعد الأحداث فإذا بهم يقضون يومين بين أقسام الشرطة ومبنى النيابة العامة بعد القبض عليهم متهمين بتشكيل جماعة محظورة تهدف إلى تعطيل السلطات العامة عن عملها، ولولا الضغط الإعلامي الخارجي وضغط ساسة مثل د. أسامة الغزالي حرب ورفاقه الذين كانوا في قنا لكانوا حتى الآن رهن المعتقلات لا يعرف أحد مصيرهم، كان منهم إسراء عبد الفتاح وباسم سمير، وكانوا مسلمين ومسيحيين، شبابًا وفتياتٍ، عكست قضيتهم جوهر احتكار الأمن كوكيل حصري للملف، ملف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين أو ما اصطلح على تسميته "الفتنة الطائفية".
حضر اللقاء مسلمون كان غالبيتهم من العلمانيين الذين يصورون القضية على أنها بسبب تعاظم الصحوة الإسلامية، وبسبب انتشار الفكر المتشدد، خاصةً التيار السلفي والتدين الشعبي السطحي، وانتشار فتاوى تعمق الانقسام داخل المجتمع، وألقى بعضهم اللوم على التيار السياسي الإسلامي "الإخوان المسلمين".
اتجه النقاش في غالبيته لتحميل ثلاثة أطراف مسئولية أحداث نجع حمادي وبهجورة الأخيرة، بل وتمت إعادة النظر في مجمل الأحداث المتفاقمة منذ حادث الخانكة في بداية السبعينيات (1972) ليتم تقديم تفسير منطقي يعبر عن جوهر الأزمة وهو: أن النظام مسئول مسئولية تامة عن ترك الأحداث تتوالى دون حل، بل تشجيع أطراف أو استخدامهم لتأزيم الموقف بين المسلمين والمسيحيين.
الأطراف الثلاثة هي: الحكومة التي لا تريد وضع الحلول المقترحة موضع التنفيذ مثل قانون "دور العبادة الموحد أو حتى تعليمات رئيس الجمهورية وتفويض المحافظين بشأن بناء الكنائس وترميمها وهي إحدى المسائل التي تثير التوتر الشديد.
الطرف الثاني هو الحزب الوطني الحاكم الذي يستخدم الكنيسة كمؤيد له على طول الخط لحشد أصوات المسيحيين في الانتخابات العامة، برلمانية ونقابية ومحلية دون أن يعطي المسيحيين تمثيلاً ولو ضئيلاً في عضوية تلك المجالس، ويعطل الحياة السياسية والنقابية تمامًا ليحتكر الحياة السياسية منفردًا، ويخوف المسيحيين بفزاعة الإخوان المسلمين.
الطرف الثالث هو الأمن، وجهاز أمن الدولة الذي يتحمل مسئولة مواجهة الأحداث المتفجرة بين الحين والحين، والذي يشارك أحيانًا بالرأي لإدارة الملف المعقد.
رغم أن هناك طرفًا رابعًا وشريكًا أساسيًّا في المشكلة إلا أن حساسية الأمر لم تجعل أصابع الاتهام تتجه إليه، وهو الكنيسة الأرثوذكسية التي تحالفت مع النظام الحاكم (حكومةً وحزبًا وأمنًا) فهو الذي احتكر تمثيل المسيحيين سياسيًّا، وعقد صفقة مع الحزب والحكومة، ويطارد الناشطين الأقباط الخارجين على سلطته، ويتفاوض مع الأمن (أمن الدولة) باستمرار مما كرَّس الأوضاع المأساوية والحالية، بل ويعارض أي تقارب مع الإخوان المسلمين رغم كل الأيادي التي مدها الإخوان إلى الكنيسة، بل رغم أن أشهر النواب المسيحيين الفائزين بعضوية "مجلس الشعب" كان على قوائم الإخوان في انتخابات 1987م (النائب الشجاع جمال أسعد عبد الملاك نائب القوصية بأسيوط)، بل ومنع رمزًا قبطيًّا بارزًا مثل أ.د. رفعت كامل أستاذ الجراحة بجامعة عين شمس من الترشح على قوائم الإخوان في نقابة أطباء مصر رغم موافقة الرجل وقتها، وجوهر أزمة الملف أن الكنيسة توسعت بعيدًا عن دورها الأصلي وهو الرعاية الروحية للمسيحيين إلى احتكار التمثيل السياسي لهم وتسميتهم "شعب الكنيسة" ليس فقط روحيًّا بل سياسيًّا فأصبح المسيحي في مصر له انتماءان سياسيان: واحد وطن عام لا يجد فيه متنفسًا مثله مثل كل المصريين من المسلمين، والآخر خاص طائفي مسيحي تعبر عن مواقفه فيه الكنيسة التي تبرم الصفقات باسمه مع الحزب والأمن والنظام دون أن يناقش أو يشارك في مقدمات تلك الصفقات التي يتم إضفاء بركة روحية عليها.
الوحيد الذي تكلم بشجاعة حول هذا الطرف الغائب كان جورج إسحق دون أن يخشى مصير ميلاد حنا أو جمال أسعد المهددين بالحرمان الكنسي، وهو أمر لو تعلمون عند المسيحيين عظيم.
حضرت حوارات عديدة مع أطراف مسيحية حول تلك العلاقة المتشابكة داخل الوطن الواحد، الأول منها كان في ثمانينيات القرن الماضي مع رموز بارزة مثل أ.د. ميلاد حنا وأ. ماجد عطية وكان يجري غالبًا في دار الإخوان المسلمين بالتوفيقية (المغلقة حتى الآن بحكم المحكمة العسكرية) برعاية المغفور له المستشار المأمون الهضيبي والثاني كان لمدة يوم كامل في ندوة بنقابة الصحفيين في أعقاب الفوز الكبير للإخوان المسلمين في انتخابات 2005م، وشارك فيها عدد ضخم من المفكرين من الجانبين وأعد لها مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز وأصدرها المركز في كتاب، والثالثة كانت متواصلة في عدة لقاءات بدأت بمنزل الصديق والأخ الكريم الأستاذ محمد عبد القدوس مع المهندس يوسف سيدهم صاحب جريدة (وطني) ورئيس تحريرها وكمال فهيم وغيرهم وانتقلت إلى دار الجريدة بعد ذلك بحضور الأخوين الكريمين أ.د. محمد بشر ود. حازم فاروق وانتهت إلى توصية هامة بضرورة ممارسة الشباب من الإخوان والمسيحيين لرحلات وأنشطة مشتركة، وكانت المفاجأة أن رفضت الكنيسة السماح للشباب بذلك بعد أن طالب م. يوسف سيدهم بضرورة موافقتها حتى تنجح التجربة، ولا تكون جزيرة معزولة بل تنتشر في كل مكان.
الجديد في لقاء مركز القاهرة كان اتجاه الاتهام في الغالب نحو النظام ومكوناته من حزب وحكومة وأمن، والاتفاق العام على أن مشكلتنا جميعًا واحدة، وهي الاستبداد السياسي والسطوة الأمنية والفساد العام، ولخص الموقف كلمة من د. أكرم لمعي قال فيها "القادرون لا يريدون، والمريدون غير قادرين".
ولخصتها في توصيف أرجو ألا يكون مبتسرًا وهو أن النظام لا يريد حل المشكلة بل هو يكتفي فقط بإدارة الصراع على مستوى منخفض لصالح بقائه هو ولو على جثث المسيحيين والمسلمين الذين يسقطون ضحايا للفتنة ويستخدم كل الأدوات من أجل إبقاء التوتر الذي يعطيه جرعة للبقاء دون منافس حقيقي أو إصلاح جاد يحقق آمال الشعب المصري.
هناك دور مطلوب من الأغلبية المسلمة التي من حقها تمامًا الدفاع عن حقوقها أيضًا، لكن عليها أن تدرك أن ظلم المسيحيين هو جريمة دينية قبل أن يكون جريمة قانونية أو وطنية وبصفة خاصة على الحركة الإسلامية بكافة فصائلها أن تتبنى الخطاب الإسلامي الحقيقي المتسامح تجاه المسيحيين والذي أدى إلى بقاء المسيحيين في سلام وتسامح مع المسلمين طوال الـ14 قرنًا الماضية- باستثناء فترات مظلمة معدودة عانى فيها المسلمون والمسيحيون على حد سواء (المتوكل العباسي والحاكم بأمر الله الفاطمي)، يتمتعون بحرياتهم الدينية وكنائسهم تشهد على ذلك، وبحقوقهم المدنية ونفوذهم يشهد على ذلك، وبعلاقات طيبة مع المسلمين وعلاقات التزاوج والحب تشهد على ذلك دون مشاكل أو توتر والجيرة المتواصلة في كافة أنحاء مصر خير دليل على ذلك أيضًا.
هناك فقه ساد خلال العقود الثلاثة المنصرمة يؤدي إلى القطيعة والانفصال وهو ما يجب مراجعته بحسم في علاقات السلام والتزاور والتهادي والعيادة للمرضى والمواساة في المصائب وعلاقات العمل المشترك، وقد أسس على فهم خاطئ لمسائل مثل الولاية والبراءة والود، وقد صحح معظمه العلامة القرضاوي في كتابه الأخير "فقه الجهاد" كما شرح معظمه في كتابه القديم "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي".
أخيرًا هناك أطراف خارجية تستثمر ذلك المناخ لتحقق مصالحها الخاصة لا يمكن إغفال دورها الخطير على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا والعدو الصهيوني خاصة الذي يريد أن يثبت أحقيته في دولة عنصرية نقية الدين ويشارك في هذا دون وعي أو بوعي أقباط المهجر الذين لا تستطيع الكنيسة منعهم ويتهمها البعض بتوجيههم.
نحتاج إلى المزيد من الحوارات الصادقة والصريحة لكن أهم منها أن تتحول توصياتها إلى عمل وإلا بقينا في حلقات مفرغة من الحوار وامتد الحريق إلى أماكن جديدة.