البدوي عبد العظيم البدوي

راج في هذه الأيام الحديث حول الدين والتدين وتأثيرهما (السلبي) في حماية الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وتدعيم مقومات الدولة المدنية في بلادنا، وتحقيق مبدأ المواطنة المفقود، وكأن الدين أو التدين هو سببُ تفشي الشعور بالظلم بين أوساط المجتمع المصري وشرائحه دون تفرقة بين مسلم ومسيحي، وكأن الدين والتدين كان في الأساس هو سبب فاجعة نجع حمادي، والتي امتزج فيها الدم المسيحي بالدم المسلم دونما تفريق، والتي لم يكن لمرتكبها ثمة تاريخٌ إرهابي أو متطرف، بل على العكس هو من أصحاب السوابق في ممارسة البلطجة و"مسجل خطر" وذو دور فعال سيفتقده الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية بتلك الدائرة!.

 

ابتداءً يجب التأكيد أن المجتمع المصري صبورٌ متسامحٌ بطبيعة تكوينه كمجتمع زراعي، أثَّرت فيه قيم التسامح التي جاء بها السيد المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى أمه السلام، حتى بعد أن تعرَّض للاضطهاد الديني من قِبَل الرومان المسيحيين، كما تأثر بالإسلام وما أرساه من قيم العدالة والمساواة، التي حمت رأس الكنيسة القبطية من الاضطهاد المسيحي وأعادته إلى كنيسته من الفرار في الصحاري والقفار، هذا هو المجتمع المصري في حقيقة تكوينه.

 

أين المشكلة؟!

يكمن السبب الحقيقي في تغلغل الإحساس بالاضطهاد في نفوس المصريين كل المصريين، مسلميهم قبل مسيحييهم من إحساسهم بالاغتراب داخل الوطن، فهم- كل المصريين- مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة، ليس لهم الحق في شيء إلا كوب الماء المخلوط بالتيفود، أو الكوليرا بطعم الصرف الصحي، ورغيف خبز ليس الدقيق والماء خليطه الوحيد، بل يدخل فيها الزلط والرمل والحديد ونشارة الخشب، فكلها مواد لازمة للبناء؟!

 

وبالطبع فإن الحديث عن مقومات المواطنة والشراكة الحقيقة بين أبناء الوطن مثل الحق في الانتخاب والترشيح وحرية تشكيل الأحزاب واحترام حقوق الإنسان و.. و.. هي من قبيل الكماليات والترف الذي لا يحق لأبناء البلاد التفكير فيها، فضلاً عن استبعاد بعض المصطلحات من قاموس الديمقراطية، مثل مصطلح (تداول السلطة، حكومة وحدة وطنية، حكومة مؤقتة للإعداد لانتخابات حرة، إشراف دولي على الانتخابات..)، والتي أصبحت جميعها تُهَمًا تُدخل صاحبها غياهب السجون.

 

فما يعانيه المصريون من استبداد وفقر وعوَز ومرض وسوء معاملة وعدم احترام للآدمية هو لبُّ المشكلة، وهو ما دفع البعض إلى أن يهاجروا، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وهو ما دفع عددًا ليس بالقليل من المسيحيين للانزواء في حضن الكنيسة، حتى أخرجوها عن دورها الروحي الحقيقي لتلعب دور الحزب السياسي المسيحي، وهو ما دفع بعض شباب المسلمين لتبنِّي فكر الجماعات الإسلامية، ثم تفشي ظاهرة الإرهاب بعد تراجع دور الأزهر عن أداء دورة الوطني كقيادة تحظى بالاحترام من الجميع.

 

تلك المعاناة تسبَّبت فيها طبقة من أصحاب المصالح ورجال أعمال وساسة و... و... (مسلمون ومسيحيون)، فلا تفرقة بينهم فيما ينهبون أو يستبدُّون، كما أنه لا فرق بين بقية طوائف الشعب فيما يعانون، وهنا يكمن الاضطهاد الطائفي الحقيقي، والذي لا يستطيع أحد إنكاره.

 

إنه أمرٌ دبِّر بليل!

وفي وسط لغو الحديث عن التدين والدين وإثرهما (السلبي) في الوحدة الوطنية انكشف المستور وظهر الأمر الذي دبِّر بليل؛ حيث بدأ الحديث عن المادة الثانية من الدستور، وعن دورها  السلبي على المسيحيين في بلادنا- كما يدَّعون- وكأن من يقتل أو يعذب أو يحرم أو يظلم غيره يقف ويقول بعلوِّ صوته: إنه يفعل ذلك بموجب نص المادة الثانية من الدستور؟!، متناسين أن تلك المادة هي الدرع الحقيقية للمساواة والمواطنة التي يتشدَّقون بها هذه الأيام، وأن تلك المادة قد أجمعت عليها النخبة الوطنية، ومن بينهم رأس الكنيسة القبطية في ذلك الوقت وأعلام الحركة الوطنية عند وضع دستور 1923م، ومتناسين أن تلك المادة كانت إحدى أسانيدنا في مواجهة الإرهاب التكفيري ضد بلادنا، فنحن دولة مدنية، هويَّتها مسلمة بنص الدستور، تحترم حقوق كلِّ من على أرضها، وتظلهم بقيم العدالة والمساواة، أيًّا كانت عقيدتهم أو جنسهم أو حتى جنسيتهم.

 

وفي النهاية أطرح تساؤلاً بريئًا عما إذا كان هناك رابطٌ بين تأييد ترشيح الكنيسة لأحد مرشحي الرئاسة القادمين، والحديث عن تعديل أو إلغاء المادة الثانية من الدستور؟ وهل أصبح اللهث وراء مصلحة شخصية أو فردية مقدمًا على التوازن والأمن والسلام الاجتماعي في البلاد؟

 

ألا يستحق كل ذلك شيئًا من التفكير؟!