قامت فكرة العولمة على وضع نظام عالمي تخضع له كل الدول، كنوع من توحيد النظم والمعايير الدولية، حسب النموذج الغربي السياسي والحضاري. ولكن العولمة في ذات الوقت، فتحت مجال التفاعل العالمي، وأيضًا التواصل الدولي. فكانت نموذجًا لفكرة إقامة كيان أو كيانات عالمية عابرة للحدود. والتصور الغربي للعولمة، جعلها فكرة لتوحيد النموذج الغربي بصورة عابرة للحدود، وترتب على ذلك أهمية توحيد النموذج الغربي نفسه، وهو ما يحدث في المواثيق الدولية أو في الاتحاد الأوروبي. وكأن الغرب يهدف لتوحيد نموذجه السياسي الحضاري، ومن ثم فرضه على العالم بوصفه النموذج المنتصر تاريخيًّا. والمهم هنا، أن العولمة فتحت الطريق أمام فكرة نشر نموذج عابر للحدود، ثم تم بناء بنية تواصلية وتفاعلية، تمكن من نشر النموذج العالمي العابر للحدود، وهو ما تمثل رمزيًّا وعمليًّا في شبكة الإنترنت.
هكذا نستطيع القول بأن العولمة فتحت الطريق أمام المشروع الإسلامي، رغم أنها تمثل مرحلةً من مراحل الهيمنة الغربية، الهادفة للسيطرة على النموذج الإسلامي، فجاءت العولمة بعكس النتائج التي صممت لها. فقد أسست العولمة للبنية اللازمة لقيام نموذج عابر للحدود، والمشروع الإسلامي في خصائصه الأساسية، هو نموذج عابر للحدود، ولكن النموذج الغربي للعولمة، يهدف إلى فرض النموذج الغربي على كل العالم، وبالتالي فرضه على كل الحضارات، أما النموذج الحضاري الإسلامي، فيمثل نموذجًا عابرًا للحدود، ولكنه يضم كل من ينتمي للحضارة الإسلامية، فهو نموذج عابر للحدود الجغرافية، وحدوده بحدود الأمة الإسلامية، يتوسع معها ويرتبط بها، فالنموذج الغربي للعولمة، يفرض حضارة على الحضارات الأخرى، ولكن النموذج الإسلامي للعولمة، يقوم على توحيد الأمة الإسلامية العابرة للحدود الجغرافية، أي العابرة لحدود الدول القطرية.
فالمشترك هنا تمثل في رغبة الغرب أن يصبح نموذجًا عالميًّا، يخضع الآخرين له، وفي طبيعة المشروع الإسلامي لأنه عالمي أساسًا، لا يرتبط بوطن محدد، بل بكل أوطان الأمة الإسلامية. وليس من المبالغة القول، بأن انتقال الغرب إلى مرحلة العولمة، يمهد لقيام الحضارة الإسلامية، ويمهد كذلك لقيام الوحدة السياسية للأمة الإسلامية. فالغرب يبني البنية الأساسية للعولمة، وهي بنية ضرورية ولازمة لبناء وحدة الأمة الإسلامية معنويًّا، وكذلك هي بنية ضرورية لبناء الوحدة السياسية للأمة الإسلامية. فالعولمة كفرة لتوحيد المعايير والنظم، وكفكرة للتواصل والتفاعل، تفتح أمام الوحدة السياسية للأمة الإسلامية، طرقًا ودروبًا متعددةً لتحقيق وحدتها، في أشكال مختلفة أو على مراحل مختلفة. لذا تصبح البنية الأساسية للعولمة، عاملاً مساعدًا لبناء وحدة الأمة الإسلامية، وبالتالي عاملاً مساعدًا لنهضة المشروع الإسلامي.
الإسلامية تنتشر مع العولمة
لعل المتابع للحركات الإسلامية يلحظ كيف استفادت تلك الحركات من نموذج العولمة، ليس كمشروع لنشر القيم الغربية، ولكن كبنية اتصالية عالمية. فقد أصبحت بنية العولمة عاملاً مساعدًا على تواصل الحركات الإسلامية عبر الحدود، بل إنها أصبحت البنية المساعدة على تواصل الحركات التي تنتمي لمدرسة فكرية واحدة. فقد ساهمت بنية العولمة في توحيد التيارات الإسلامية عبر الحدود، وجعلت لكل تيار منها خصائصه، وعمقت التواصل بين المنتمين لكل مدرسة إسلامية، مما ساهم في بلورة ملامح المدارس الإسلامية المختلفة.
والأمر لم يقف عند هذا الحد، بل ساهمت بنية العولمة الاتصالية في كسر الحصار الذي يضرب على الحركات الإسلامية، فأصبح الحصار الغربي المضروب على الحركة الإسلامية، يكسر من خلال بنية العولمة التي أقامها الغرب، فأصبحت الحركات الإسلامية قادرة على العمل، رغم شدة الحصار الذي تتعرض له. ولم يقف الأمر عند الحركات الإصلاحية السلمية، بل استفادت الحركات المسلحة من بنية العولمة أكثر من غيرها. حيث تتعرض الحركات الإسلامية المسلحة لحصار شديد، يقوم عليه تحالف غربي واسع، ولكن بنية العولمة ساعدت تلك الحركات على نشر فكرتها رغم الحصار، وساعدتها أيضًا على نشر وسائلها القتالية أيضًا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فبنية العولمة ساعدت الحركات الإصلاحية المقاومة، والتي تتصدى للاحتلال العسكري الغربي، خاصة في فلسطين، حيث تواجه حركات المقاومة احتلالاً غربيًّا بيد صهيونية. وهكذا أصبحت بنية العولمة تساعد حركات المقاومة على التواصل وتدبير الأموال، وتهريب السلاح.
وبنية العولمة لا تتوقف فقط على شبكة الإنترنت بل تشمل أيضًا حركة التجارة والتنقل للبضائع والأفراد. وتشمل أيضًا توحيد الأنظمة بين الدول لتنظيم أسواق المال، وفتح الحدود أمام تنقل الأموال. كل هذا جعل الحركة الإسلامية قادرة على الحركة رغم أي حصار تواجهه.
وهو ما يفسر لنا إصرار الغرب على تحويل حربه مع الحركات الإسلامية المسلحة، إلى حرب على كل الحركات الإسلامية، وإلى حرب عالمية تتحالف فيها كل الدول، لخدمة المصالح الغربية. فالعولمة جعلت تأثير الحركة الإسلامية واسعًا وممتدًا، وليس من السهل حصاره.
هكذا بنيت العولمة لفرض هيمنة الحضارة الغربية على العالم، فإذ بها تصبح البنية الأساسية المساعدة على تحرر الحضارة الإسلامية من الهيمنة الغربية، كما تصبح البنية الأساسية المساعدة على توحيد الأمة الإسلامية، وتوحيد وعيها، وتشكيل وحدتها المعنوية، مما يساعد على تحقيق وحدتها السياسية في نهاية الأمر. وهنا برزت مرحلة تاريخية، يتحرك فيها التاريخ في مسارات متعارضة. فالعولمة وهي مشروع لفرض الهيمنة الغربية، تمثل في الوقت نفسه أداة للخروج من الهيمنة الغربية، ولنهضة الحضارة الإسلامية. وعندما تصبح سمات لحظة تاريخية معينة، ممهدة لأكثر من اتجاه متعارض، تكون تلك اللحظة هي لحظة من لحظات التحول التاريخي.
فبقدر ما تمثل العولمة ذروة الهيمنة الغربية، بقدر ما تمثل بداية التحرر الحضاري الإسلامي، لذا تصبح مرحلة العولمة مرحلة من المراحل الفارقة في التاريخ، أي مرحلة تفصل بين تاريخ يرحل، وتاريخ يستعد للحضور.
الغرب وتحدي العولمة
وقع الغرب في مشكلة مزدوجة، فقد وضع مشروع العولمة كوسيلة لقيادة العالم من خلال نظام غربي موحد يهيمن على العالم، ثم وجد الغرب، أن أدوات العولمة أصبحت تساعد الأطراف الأخرى والحضارات الأخرى على النمو والتطور، وتساعدها على التحرر من الهيمنة الغربية، فأصبحت العولمة هي وسيلة الغرب في الهيمنة على العالم، ووسيلة الحضارات والقوميات الأخرى في الخروج من الهيمنة الغربية، وتلك مشكلة.
ولكن المشكلة الأكبر، كانت في الاستجابة الحضارية للعولمة. فقد أدت العولمة بوصفها عملية فرض الهوية الغربية على العالم، إلى تعاظم رد الفعل الرافض لفرض الهوية الغربية، ومعه تزايدت حركات التحرر الحضاري، والنزعات القومية، والرغبة في تحقيق التميز القومي والحضاري، حتى داخل الغرب نفسه. فالبعض من الداخل الغربي، بدأ يشعر أن العولمة هي نوع من الهيمنة الغربية، حتى على التعدد القومي الغربي نفسه، فظهرت الحركات المعادية للهوية العالمية الغربية، وبدأت النزعة القومية الغربية تظهر كرد على العولمة، وفي الوقت نفسه تظهر الحركات القومية والحضارية في مختلف بلاد العالم، كرد على هيمنة النموذج الغربي من خلال العولمة.
والغرب قومي النزعة والبنية، وحضارته قومية البناء، والقومية عنده هي المقدس الأول. وهو يحاول الحفاظ على قيادته للعالم، من خلال توحيد قومياته الغربية داخل نموذج واحد، مما يؤثر على تميز كل قومية. فالعولمة لها ثمن على الغرب أن يدفعه، فلا يمكن بناء العولمة الغربية دون الضغط على القوميات الغربية، ومحاولة توحيدها، وإضعاف خصوصياتها.
وفي مواجهة العولمة تظهر النزعة القومية الغربية التي تريد العودة للخصوصية القومية وتفكيك العولمة، والنزعة الحضارية الإسلامية التي تريد بناء عولمة خاصة بها، عولمة لأمتها. وهو ما سيجعل الدول الغربية في مواجهة حربين، حرب ضد النزعة القومية الغربية الرافضة للعولمة، وحرب ضد الصعود الحركي الإسلامي، الذي يبني مشروعًا عالميًّا إسلاميًّا.
وأمام تلك اللحظة التاريخية، اختارت الحركات الإسلامية مناهج مختلفة للتعامل مع العولمة، تحدد موقفها من المشروع القائم، وكيفية التعامل معه وكيفية تغييره. وتلك المناهج تشكل مسار التحديات التي تواجهها العولمة الغربية، وتحدد مسار المواجهة بين الحركة الإسلامية، والعولمة الغربية.
العولمة الموازية
عندما رفع السلاح في وجه العدو البعيد بتعبير الحركة الإسلامية الجهادية، كان ذلك بداية لبناء العولمة الموازية. فمع تشكيل الجبهة العالمية للجهاد ضد الصليبيين واليهود، كان أسامة بن لادن وأيمن الظواهري قد دشنا بداية مشروع بناء عولمة موازية، فالرؤية التي قامت عليها الحركة الإسلامية المسلحة العالمية، تقوم على أهمية الخروج الكامل من العولمة القائمة، بكل أنظمتها السياسية والدولية، وأيضًا الخروج من إطار الدول القومية القطرية القائمة في البلاد العربية والإسلامية، والخروج كذلك في مواجهة الدول الغربية. وهنا يتم البناء من خارج الوضع القائم، على أساس أنه وضع معادٍ في تركيبه وبنائه.
ومثلت القاعدة كتنظيم وشبكة ثم كفكرة، مشروعًا لبناء بنية جهادية عالمية، تبنى على البنية الأساسية للعولمة، خاصة بنية التواصل والتفاعل، وتقييم مشروعًا مسلحًا لمحاربة العولمة الغربية، وتدخل في مواجهة شاملة معه. وقد بنيت الفكرة الجهادية للقاعدة، على الدخول في حرب استنزاف مع العولمة الغربية، حتى تفقد استقرارها وقدرتها على الاستمرار والبقاء، وتستنزف في عمليات عسكرية وأمنية متواصلة، مما يغرمها فاتورة مالية واقتصادية كبيرة. وبهذا أصبحت الحرب بين عولمة غربية مهيمنة وقوية، وعولمة جهادية مضادة لها.
لذا تبني الحركة الإسلامية المسلحة لنفسها مفرداتها الخاصة، ولغتها السياسية الخاصة، وتستخدم المصطلح الفقهي السياسي التقليدي، وترفض كل مفردات الخطاب السياسي الغربي، بل وترفض أيضًا كل الأدوات السياسية الغربية بدءًا من الديمقراطية، وحتى مختلف أشكال المؤسسية الغربية، وهي تحاول بناء نموذج كامل مختلف عن النموذج الغربي للعولمة، لذا تركز على كل ما يفصلها عن النموذج الغربي ويميزها عنه، حتى تصبح مشروعًا متكاملاً مستقلاً ومتميزًا بالكامل. ولهذا يظهر توجه الحركة الإسلامية المسلحة لبناء جدار فاصل بينها وبين النموذج الغربي، بل وبينها وبين اللغة المتداولة فيه. فيصبح مشروع الحركة الإسلامية المسلحة هو بناء عولمتها الخاصة، أي مشروعها الإسلامي العالمي الخاص، والذي يتميز في كل شيء عن النموذج الغربي، حتى في اللغة والمصطلح.
والحركة الإسلامية المسلحة، حددت موقفها على أساس أن العولمة الغربية طاغية، وأن كل من يتعامل معها أو يقترب منها، أو يعمل من خلالها، سوف يصبح جزءًا منها، لذا يلزم الخروج الكامل من العولمة الغربية وعليها.
اختراق العولمة
أما الحركة الإصلاحية الإسلامية، فقد اتخذت موقفًا آخر، فمنذ بداية المشروع الإصلاحي على يد حسن البنا، كانت رؤية الحركة الإصلاحية تقوم على أهمية الاستفادة من العصر، وأخذ المناسب منه، وأهمية إصلاح الوضع القائم تدريجيًّا. وأي إصلاح تدريجي، يقوم على العمل من خلال الوضع القائم لتغييره، فلا يمكن أن يكون الإصلاح تدريجيًّا، وفي نفس الوقت يحقق التغيير مرة واحدة، ولا يمكن أن يكون الإصلاح تدريجيًّا وفي نفس الوقت يخاصم الوضع القائم ولا يتعامل معه. لذا أقامت الحركة الإصلاحية إستراتيجيتها الخاصة في الإصلاح، والتي تقوم على الاستفادة من المنجز العصري المناسب لها، واقتباس الأدوات والأساليب والآليات المناسبة لها، وأيضًا التعلم من المعارف المتاحة.
ولكن الحركة الإصلاحية وضعت لنفسها معيارها، فهي تأسست على ثوابت المشروع الإسلامي، وأقامت تميزها الحضاري على تلك الثوابت، وفتحت الباب أمام التعلم والاقتباس في الفروع والأدوات، وصممت الحركة الإصلاحية في نموذج الإخوان المسلمين، على العمل من خلال الوضع القائم لتغييره، ولهذا أصبحت حركة إصلاحية من الداخل، ومع تطور الوضع العالمي وصولاً لمرحلة العولمة، كانت الحركة الإصلاحية قد سبقت العولمة في بناء العولمة الخاصة بها، من حيث اهتمام حسن البنا منذ البداية بإقامة فروع لجماعة الإخوان المسلمين في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وهو ما نتج عنه انتشار الجماعة في أكثر من 70 دولةً. كما اهتمت الجماعة بإقامة تنظيم دولي لجماعة الإخوان المسلمين، أصبح يمثل إطارًا للتنسيق بين جماعات الإخوان المسلمين، ولكن ما هو أهم من التنسيق الدولي، كان بناء مدرسة عالمية للإخوان المسلمين، انتشرت في مختلف أرجاء العالم، وانتشرت بين العديد من الجماعات التي لا تنتمي للإخوان، فأصبحت مدرسة إصلاحية عابرة للحدود، وتحمل مشروعًا عالميًّا، لإقامة الوحدة السياسية الإسلامية.
وعليه بنت الحركة الإصلاحية عولمة خاصة بها، على قاعدة نشر مشروعها وتوحيد الأمة الإسلامية، وبناء وحدتها السياسية ونهضتها. وقد عملت الحركة الإصلاحية من داخل الوضع القائم، وأخذت من أدوات وأساليب العصر، واقتبست من المؤسسية السياسية الغربية، خاصة نظامها الدستوري البرلماني. وهي لهذا استطاعت العمل من خلال العولمة القائمة، ومن داخلها، لنشر مشروعها وفكرتها، فأصبحت حركة إصلاح من الداخل، تخترق العولمة الغربية، وتقييم عولمة أخرى جديد، أي تقييم المشروع الإسلامي العالمي العابر للحدود. وهو ما جعل الحركة الإصلاحية تعمل من خلال النظام السياسي القائم، ومن خلال الديمقراطية، ومن خلال الدولة القومية القطرية، من أجل إحداث حركة تغيير من الداخل، بهدف إقامة الدولة الحضارية الإسلامية.
فشكلت الحركة الإصلاحية الإسلامية تحديًا للعولمة الغربية، وهو تحدٍ من نوع خاص، حيث ينشر الغرب العولمة الخاصة به، ويجد من يدخل تلك العولمة ويغيرها من الداخل، فيحولها إلى عولمة إسلامية تحوي شعوب الأمة الإسلامية. وتردد الغرب في موقفه من الحركة الإصلاحية الإسلامية التي تعمل من خلال الوضع القائم، فتارة يتصور أن عملها من خلال الوضع القائم سوف يؤدي إلى تكيفها مع العولمة الغربية، وتارة يخشى من قدرتها على بناء مشروعها الخاص من داخل أدوات العولمة. لذا نجده تارة يحاول دمج الحركة الإسلامية داخل إطار العولمة، على أمل أن تتكيف مع العولمة الغربية، وتارة يحاول إخراجها من الوضع القائم حتى لا تغيره من داخله.
أما الحركة الإصلاحية الإسلامية، فهي تسير على نهج التغيير من الداخل، بوصفه أساسًا مهمًّا للإصلاح والتدرج. مما يجعل الحركة الإصلاحية ترفض الخروج من الوضع القائم، كما ترفض التكيف معه.
الاندماج في العولمة
ولكن اتجاهًا داخل الحركة الإسلامية بدأ يرى أن العولمة الغربية القائمة لها من القوة، بحيث يمكن أن تستمر عقودًا، وهي بهذا تمثل واقعًا يصعب تغييره في المدى القريب، لذا بدأت توجهات تظهر داخل الحالة الإسلامية، ترى أهمية التكيف مع العولمة الغربية ومشروعها السياسي، ونموذج الدولة القومية القطرية التابع لها، باعتبار أن الوضع القائم لن يتغير في المستقبل القريب، لذا لن تتمكن الحركة الإصلاحية من تغيير الوضع القائم. ويرى البعض أن الوضع القائم يزداد تدهورًا، ويحتاج إلى طاقة الحركة الإسلامية حتى تحقق ما يمكن من إصلاح. وعليه ترى هذه الرؤية أهمية أن تتكيف الحركة الإسلامية مع الوضع القائم، وتعمل من خلال العولمة الغربية، باعتبارها واقعًا سوف يستمر لعقود قادمة. وهنا يصبح العمل من داخل العولمة، ليس لتغييرها، ولكن بالتكيف معها، بوصفها جزءًا أساسيًّا من ملامح العصر، حتى يأتي عصر آخر تتغير فيه الأحوال.
لذا تظهر توجهات إسلامية سياسية، تستخدم المصطلح الغربي السياسي فقط، وتستخدم النموذج الغربي السياسي، وتتكيف مع واقع العولمة، وحقيقة هيمنة الغرب، وتحاول تمرير وجودها واستمرارها، وربما وصولها للحكم، من خلال التوافق مع القوى الغربية. وهي تقدم بهذا نموذجًا سياسيًّا غربيًّا، يحتفظ بتميز ثقافي إسلامي، وتقدمه بوصفه نموذجًا قادرًا على التعايش الكامل مع العولمة الغربية، لذا يمكن أن يحظى بالدعم الغربي، ويمكن أن يكون بديلاً عن النخب الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية، ويكون في الوقت نفسه حليفًا للغرب، ويعمل من داخل إطار العولمة الغربية، ويحافظ عليها ولا يحاول تغييرها. ويتشكل نموذج يحاول العمل طبقًا لقواعد اللعبة الحالية، حتى يتمكن من تحقيق ما يمكن تحصيله من تحسين للأوضاع الداخلية للبلاد العربية والإسلامية، أكثر من كونه يعمل من أجل المشروع الإسلامي المتكامل، والذي يبدو لدى البعض مشروعًا مستقبليًّا لا يمكن تحقيقه الآن.
فيظهر توجه يحاول الالتزام بكل معايير العولمة الغربية، بما فيها من قيم غربية ليبرالية، مع الحفاظ على الخصوصية الإسلامية، فيما وراء المجال السياسي. وتلك الرؤية تلقى تأييدًا من الغرب، بل يعتبرها الغرب البديل المناسب عن مشروع الإصلاح الإسلامي الذي يريد إحداث التغيير من الداخل، وأيضًا يعتبرها الرد المناسب على مشروع بناء عولمة موازية مسلحة. لذا يعتبر الغرب في غالبه، أن النموذج الإسلامي الذي يعترف بالعولمة الغربية، وعولمة المعايير والقواعد والقيم الغربية في المجال السياسي، يمكن أن يمثل بديلاً مناسبًا للنخب الحاكمة التي تفتقد الشرعية والجماهيرية، خاصة إذا استطاع هذا النموذج التكيف مع العولمة الغربية، وتحقيق شعبية داخلية في الوقت نفسه.
الخلاصة
تلك هي المدافعة بين العولمة الغربية، والمشروع الإسلامي العابر للحدود. وتلك هي لحظة المدافعة الحادثة داخل بنية العولمة الغربية نفسها، والتي أصبحت الوسيلة المستخدمة من كل الأطراف، ولكن لأغراض متعارضة، مما يؤكد على أننا في لحظة تدافع حضاري بين المشاريع الإسلامية المختلفة، وبينها وبين مشروع العولمة الغربي.