القارئ للساحة العربية الآن في مطلع 2010م يلحظ ثلاثة أمور متشابكة ومترابطة، وهي أن الأصل هو إخلاص الولايات المتحدة في تمكين المشروع الصهيوني من جسد الأمة وعقلها هذه المرة؛ بإثارة مسألة القاعدة التي صار شبحها يظهر في سماوات عربية: في السعودية، واليمن، والمغرب، والجزائر، والصومال، وسبق ظهورها في العراق، وكادت تُحلِّق في سماء سيناء منذ سنوات لولا أن الإقرار بذلك كان مكشوفًا، كما أن السودان لديه من أساليب التفتيت، وليس بحاجةٍ في هذه المرحلة إلى استدعاء أشباح القاعدة.
ومن الواضح أن القاعدة وهي الحلقة الثانية، من حلقات القراءة المتأنية للوضع العربي تدور بين الحقيقة والخيال، وهي إن كانت حقيقة، فلماذا تضرب الأهداب العربية ولم تمس إسرائيل بسوء، ولماذا تظهر فقط بإخراج أمريكي محكم كما يحدث الآن في الصومال والأخطر منه في اليمن، في مسألة القاعدة التي تستخدم لتفتيت الأوطان العربية ويوازيها إلحاحٍ أمريكي بالتدخل لمواجهتها، تحتاج إلى دراسة واعية حتى لا يلتبس الأمر على الأبرياء من شعوبنا؛ حيث يتصدر خطر القاعدة كل الأجندة الوطنية فلا بد أن تلفت النظر إلى ما أولى به بعض بسطاء المجتمع اليمني من أن حاجات الناس هي السبب في اضطراب الأمن، وهذا يؤكد ما حذَّرت منه مرارًا من أن الحكم الديمقراطي الرشيد هو الضمانة الأكيدة للقضاء على مهددات الأمن، أما أن يصل الحال إلى مرحلة القاعدة، فهذا نذير تفتيت للوطن، وإفلاس للنظام، واستسلام لواشنطن وإسرائيل في ركابها؛ حيث يشهد المشروع الصهيوني في أهم قطاعاته ازدهارًا غير مسبوق بسبب فساد الحكم وانعدام كفاءته، وهذا يؤكد أن الأوطان العربية تضيع وتعطل قوى المجتمع الوطنية؛ بسبب تغلغل الصهيونية في مراتب القرار العربي العليا؛ مما يفرض على النخبة قراءة عملية وعملاً عاجلاً لاستنفاذ الأوطان.
أما الحلقة الثالثة، فهي توقيت إحياء عملية السلام الوهمية وعلاقته بمسلسل القاعدة الذي أخرجته واشنطن خلال الأيام الأخيرة من عام 2009م؛ ذلك أن القضاء على المقاومة الفلسطينية من خلال جدار مصر الفولاذي أحد أهم مظاهر الاستسلام للمشروع الصهيوني، والتظاهر بأن واشنطن اكتشفت مع أطراف عربية ما يبعث في خطاب ونوايا نتني اهو على سلام وخير وفيرين، فالتقى مبارك وعبد الله الثاني وأبو مازن في شرم الشيخ لرؤية هلال السلام، ثم ذهب وفد مصري إلى واشنطن لنقل نتيجة الرؤيا ثم يعود الوفد بخطة متكاملة ووهم جديد يبرر التعاون الشامل بين مصر والكيان الصهيوني وتمكين الكيان الصهيوني من المقاومة، إنقاذًا لنتنياهو في الداخل وتغطية على تهويد القدس، وتشجيعًا لالتهام الاستيطان ما تبقى في الضفة، وإسقاط حماس في غزة حتى تُلحق غزة بما حدث للضفة.
هذا المسلسل الجديد تدفع فيه مصر للقيام بالدور الأوفى خدمةً للشعب الفلسطيني الذي ثقل عليه رأسه، ويراد أن تحمل عنه لتتصرف بها إسرائيل، وهذا هو مفهوم الأمن القومي الجديد في مصر.
ولا شك أن هذا المفهوم متطور ويخالف هذا المفهوم التقليدي المتخلف الذي راجعتُه قبل أيام وأنا أشاهد فيلمًا وثائقيًّا عن زحف الجيوش المصرية واستيلائها على الشام، ومواجهة الحيثيين في قادس شمال سوريا، وانتصار رمسيس الثاني على حاتوسيل الثالث ملك الحيثيين (مكان تركيا الحالية) وطاف في ذهني رحلة إبراهيم باشا وهو يقدم صوت كوتاهية من الشام في الأراضي التركية مؤذنًا باقتحام القسطنطينية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، بعد أن حاول أن يمد الأمن القومي المصري إلى بلاد اليونان، ويواجه سبع دولٍ أوروبيةٍ في معارك برِّية وبحرية، وتآمرهم على أسطول مصر المظفر عام 1827م.
هكذا كان الشام كله جزءًا من أمن مصر القومي قبل أن ينكمش هذا الأمن ليصبح أمن النظام في مصر، أما حصار "إسرائيل" لمصر في كل موقع فهذا عمل لا يهم مصر، ولا أدري من يدفع فاتورة هذا المفهوم العبقري، وإرغام الشعب المصري على القبول به وقمع المعارضين له، إنني على الأقل أسجل للتاريخ أن تمسك النظام بهذا المفهوم الكسيح للأمن القومي يترك للأجيال القادمة ميراثًا ثقيلاً يتعين ردُّه إلى أصوله الصحيحة، كما أن وعى المجتمع المصري هو الكفيل بوضع أصحاب هذا المفهوم في مكانهم اللائق بهم في صفحات التاريخ المصري.