إنه واحدٌ ممن يُشار إليهم بالبنان, بل ممن يُشار إليهم بالأيدي كلها.. واحدٌ ممن يتحكَّمون في المقدَّرات والمعطيات الثقافية لأمتنا المكروبة- مصر الكنانة- رأيته, وسمعته في إحدى المحطات التلفازية, يقول بالحرف الواحد:
- إنني سأظل أدعو إلى حرية التعبير بإطلاق..
سأله مقدم البرنامج:
- والضوابط؟!
- ليس هناك ما يسمَّى ضوابط.. إنها خرافة من صنع المتخلِّفين وقصار النظر.. إن الإبداع إبداع, وحينما أشعِر الأديبَ أن هناك ضوابطَ مسلطةً عليه, لا بد أن يراعيها وهو يبدع، إذا حدث ذلك ترتب عليه ما يأتي:
1- إشعاره بالإحباط الذي قد يدفعه إلي التراجع أو على الأقل ضعف العملية الإبداعية.
2- حرمان الإبداع من جمالياته, وإيحاءاته الآسرة لتحوله إلى مواعظ وتوجيهات ووصايا، وبتعبير آخر: القضاء على الإبداع الجميل, لحساب الفكر الديني والمعطيات العقلية؛ لأن "الإبداع الجميل" لا ينشأ إلا في جو الحرية المطلقة.
سأله مقدم البرنامج:
- لكن.. ألا يعني هذا أن الإبداع لا يؤدي رسالة لخدمة المجتمع والإنسان؟!!
أجاب "السيد المهم":
- عملية الإبداع في ذاتها رسالة, مجرد إبداع الشاعر قصيدة جميلة يعني أنه أدَّى رسالته, بصرف النظر عن مضمون القصيدة, حتى لو تعارض هذا المضمون مع عقائد "الآخرين" وعاداتهم.
وختم "الرجل المهم" حديثه بقوله: إنني أخشى على جماليات الأدب من محاولة "تشٍييخه"؛ أي جعله مواعظ ودينيات كالتي يكتبها كثير من المشايخ الذين لا يعرفون من الأدب إلا اسمه؛ وذلك لحساب المضمون الوعظي، والفكر الجاف (وهنا تذكرت القصيدة الساقطة التي كتبها الشاعر: ع. م. وعنوانها "الوشم الباقي".. وفيها قلد الأصوات السريرية للمومسات من الهمزة والحاء، والهمزة والحاء المشدَّدة، وزعم أن هذه هي الحرية الشعرية الحقيقية، وأن هذا أدب واقعي أصيل، وهو للحق أدب واقع لا أدب واقعي).
وواضح ما في منطق هذا الرجل المهم من تهافت وهشاشة, بل سقوط؛ لأنه بهذا المنطق يدعو إلى حرية "التدمير", لا حرية "التعبير"؛ فمن البدهيات الواقعية الميدانية أن الحياة لا تستقر ولا تنهض في كل مظاهرها إلا إذا كانت محكومةً بقوانين وضوابط لا تحقق النتائج المنشودة إلا بها، وبدونها لا يكون إلا الإخفاق والسقوط.
وهي قاعدة ممتدة شاملة في نطاق الفرد والجماعة، والتعامل، والسياسة، والاجتماع، والحرب، والسلم، والفنون، والعلوم، ومن البدهي كذلك أن الإبداع يمثل نبض الأديب، ونبض المجتمع والأمة التي يعيش فيها.
وشعور المبدع بأنه ذو رسالة إنسانية يرفع من قيمة إبداعه من ناحية, ويرفع من "قيمته الذاتية" من ناحية أخرى؛ فهو- في هذه الحال- مبدع سويٌّ؛ يعبِّر عن قيم الحق والحرية والجمال والإنسان, بريءٌ من الإسفاف والسقوط والابتذال.
وهذا يعني أن المبدع يأخذ نفسه "بالتزام ذاتي" استجابةً لفطرة سوية, حتى ليصبح هذا الالتزام جزءًا لا يتجزأ من عملية الإلهام الفني, وليس خاضعًا لعنصر الاختيار الواعي المتعمد، ويغدو الخروج عليه شذوذًا مرفوضًا في عالم العقل والشعور, فهو ليس التزامًا "أيديولوجيًّا" كالالتزام الشيوعي أو الوجودي، ولكنه- كما أشرت- التزام نابعٌ من ذات مبدع سويّ مرتبط ارتباطًا عضويًّا بالقيم الإنسانية بمفهومها الواسع الجليل.
والمبدع- وهو ينطلق في إبداعه من الشعور القويّ بهذه الالتزامية أو هذه الرسالية, وحرصًا منه على إيصال إبداعه إلى المتلقي- يحرص على أن يستوفي عمله الإبداعي كل العناصر الموضوعية والفنية الجمالية تصويرًا وتعبيرًا، والقاعدة هنا يبرزها قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرًا, وإن من الشعر لحكمة"، فالسحر يعني التأثير الجمالي العاطفي, والحكمة تعني المضمون الجليل الرفيع.
فمن السذاجة إذن القول بأن المبدع "الرسالي الملتزم" يجني بهذا الالتزام على الجانب الفني الجمالي للإبداع بفكره الوعظي الجاف.
وأراني في هذا السياق أذكر من المدعين الرساليين: الدكتور نجيب الكيلاني والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري والأستاذ إبراهيم عبد الفتاح، رحمهم الله.
كما أجدني في هذا السياق ذاكرًا الشاعر اللبناني خليل مطران (1872- 1949) رائد القصة الشعرية, وأرى في ديوانه- بمجلداته الأربعة- قرابة خمسين قصة شعرية, يطول بعضها, فيبلغ مئات الأبيات, وقد استوفت كل العناصر القصصية, ومظاهر الجمال الفني, مع أن هدفه الأول منها هو الانتصار للقيم الإنسانية العليا كالعدل والوفاء, والشجاعة, والتعاون, وكذلك يحمل على الظلم والاستبداد والغدر, والخيانة، وقد تقع عينه على خبر في صحيفة, فيجعله أساسًا لقصة شعرية جميلة تطل منها القيم الخلقية والإنسانية الشريفة كقصته (فاجعة في هزل).
ومن أروع أقاصيصه أقصوصة "اللبن والدم", وخلاصتها: أن أميرًا ظالمًا استمرأ الظلم والفجور والطغيان, وأذل شعبه, وفتح صدره وموائده للفساق والمنافقين, وكان في الشعب فقيه إمام يحبه الناس, ويلتفون حوله, يقول عنه مطران:
كان الإمامُ على أسًى لبلاده من سوء سيرٍ أميرها المتحكم
أبدًا يوالي نصْحَه بتلطفٍ فيفوز منه بنفرةٍ وتجهُّم
وأراد الطاغية أن يذل هذا الإمام التقي النقي الملتزم, فأقام في قصره وليمة ضخمة, ضمت كل ما لذَّ وطاب، ودعا إليها أحبابه وحوارييه, وأصرَّ أن يحضرها الإمام الذي رفض أن يمدَّ يده إلى هذه المائدة الجامعة؛ لأنه يؤمن بأن ما ضمَّت إنما هو سحتٌ وحرامٌ من مال الشعب وقوته، وغضب الأمير، فتخلص الإمام بقوله: "إن الطبيب- حرصًا على صحته- لا يسمح له إلا بتناول اللبن".
وبأمر الأمير أحضر الخدم للإمام كوبًا من اللبن، مدَّ الإمام إليه يده فإذا به يتحوَّل إلى دم، فارتجت القاعة، وانخلع قلب الطاغية، وفزع إلى الإمام يسأله عن تأويل ما يرى فانطلق الإمام يقول كأنه يقرأ من كتاب مفتوح:
اسمعٍ من الغيب الذي أنا قائل بلسانه للجائر المتنعِّم
هذا نذير لا شفاعة بعدَه عند المهيمن إن تصرَّ وتظلم
هدَّمت في طول البلاد وعرضها أعلامها الحكماءَ كلَّ مُهدَّم
أسرفت في هذي الديار مهانة لكريمها, ومعزّة للمجرم
اوفِ البلاد بمثل أجرك حقّها من خدمة ومحبة وتكرم
اردد إلى هذا الحمى استقلاله يَخلصْ طعامك يا أمير من الدًم
لقد قدَّم "مطران"- على لسان "الإمام" نذيرًا في هيئة "صحيفة اتهام" دامغ، ينتهي بتوجيه قويّ؛ مؤداه أن يعطي الطغاة شعوبهم حقوقها وحريتها، وأن يتبعوا في حكمهم شرعة الحق والعدل والإنصاف، لا شرعةَ الظلم والبغي والدم والعدوان، حتى يستريحوا ويريحوا.
----------