منذ فترة كبيرة ويراودني شعور لا أستطيع وصفه أو إدراجه في أي خانة هل الحزن أم الأسى أم المرارة، وأخيرًا آثرت أن أشارككم هذا الشعور لعلّي عندما أفيض بما في نفسي تشاركوني بالإضافة والتوضيح أو التبرير أو حتى العلاج والحل، وبهذا أيضًا أكون قد أعذرت إلى الله عز وجل وقدمت النصح لنفسي وإخواني.
سمعت كثيرًا من أساتذتنا ومن مطالعتي لتاريخ الإخوان عن أسلوب وطريقة ممارسة الإخوان لحياتهم العملية المهنية وتميزهم فيها بل وتقدمهم الصفوف في شتى المجالات، فبهذا كان يعرف الإخوان، وتحديدًا في مجال العمل الحياتي والوظيفي كان من فضل الله على الإخوان ونتاجًا لتربية عميقة أن مَنَّ الله عليهم بقبول الناس، فسمعنا كثيرًا عن نماذج متميزة من الإخوان نجحوا في حياتهم العملية وكانوا مثالاً مشرفًا للنجاح والتميز.
ومن فضل الله ومنته على هذه الجماعة المباركة أنه ما زال حتى الآن هناك بعض من هذه النماذج، ولكنني بصدد تناول جانب آخر أو صورة عكسية لمثل هذا النموذج المتميز.
وبتعرضي لهذا الجانب أو النموذج لا أدعي أنه ظاهرة في الوسط الإخواني فليس لدي رؤية كاملة عن عموم الإخوان ولكن سبب تعرضي لها هي تكرارها واصطدامي بأكثر من حالة مما جعلني أعتقد أنه على مستوى احتكاكي الشخصي أنها ظاهرة يجب الوقوف عليها والتعامل معها بصورة حاسمة ليس من قبل قيادات الجماعة ومسئولي التربية ومعدي البرامج التربوية فقط ولكن من باب أولى نحن شباب الإخوان ورموزهم وقيادتهم على المستوى الفردي والشخصي لكل منا.
عن من أتحدث؟؟
أتحدث عن رجال عُرفوا بهويتهم الإخوانية واكتسبوا ثقة الناس بهذه الهوية وتعاملوا معهم بغير أسلوب وطريقة وسلوكيات الإسلام، والتي هي سلوكيات الإخوان.
* هم موظفون وعاملون حُمّلوا أمانة في وظائفهم ولم يؤدوا حق هذه الأمانة.
* هم أصحاب مهن حرة من أطباء ومهندسين ومحامين اكتسبوا سمعةً وصيتًا بسبب انتمائهم للإخوان ودعاية الإخوان لهم ولكنهم لم يكونوا على قدر هذه المسئولية فقدموا نموذجًا غير مشرف في التعامل مع الناس بل ومع الإخوان وقدموا صورةً سيئةً تنفر الناس منهم ومن الإخوان.
* هم رجال أعمال فتح الله عليهم بمجهودهم وبمعاونة الإخوان، يتعاملون في أمورهم المادية كما يتعامل عامة الناس بل ويفوقونهم في التنازل عن الكثير من الضوابط الشرعية المادية كالسعي على الحصول على قروض ربوية والحصول على الحق بالرشوة تحت دعوى "لن أحصل على حقي دونما رشوة"، وتعدى الأمر إلى الحصول على غير الحق بالرشوة والكثير من المخالفات المادية وإهدار لحقوق الغير من التهاون في جمع أموال المستثمرين والمخاطرة بها دونما أدنى مراعاة لحجم الأضرار التي ستقع على المستثمرين وضمانًا لحقوقهم.
* ونماذج أخرى عديدة متفاوتة منها ما قد يقبله الإنسان العادي ولا يعتبره نموذجًا شاذًّا ولكنه في نظر أصحاب الدعوات وحاملي عبء وهم تبليغ رسالة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أمر لا يمكن التهاون معه.
وهذه النماذج يصفها الإمام البنا رحمة الله عليه في مقال له في مجلة النذير بـ"وقسم آخر عرفنا واتصل بنا وتعاون معنا، ولكنه أساء أكثر مما نفع، إذ لصق بالإخوان وعمل غير سنتهم وطريقتهم فكان دعاية سيئة لهم، وكان سببًا في الصد عنهم لا في تقريب الناس منهم، فإلى هؤلاء أتوجه بالرجاء أن يكونوا إخوانًا بحق يلتزمون تعاليم الإخوان الصحيحة، أو أن ينصرفوا مشكورين وأمرهم إلى الله" (النذير 1939م).
بالشرع يوزن الإخوان
وإذا كانت الرسالة الموجهة إلى مثل هذه النماذج من الإمام البنا- رحمه الله- هي التحلي بأدبيات الإخوان وسلوكياتهم في المعاملات المادية فقد وجه رسالة أيضًا لمن يتعامل مع مثل هذه النماذج وفي هذا يقول رحمه الله في نفس المقال: "ورجاؤنا إلى جماهير الشعب الإسلامي أن يزن كل منتسب للإخوان بميزان الشريعة السمحة وآداب الإسلام، فمن استمسك بها ونزل للإخوان على حكمها فهو منا ونحن إخوته، ومن خالف شيئًا منها أو صدر عنه ما يتنافى معها فنحن من عمله برءاء ولا صلة بيننا وبينه".
أمثلة لنماذج واجهتها
وحتى أكون أكثر وضوحًا وضربًا لبعض الأمثلة والنماذج فسوف استعرض مع حضراتكم بعضًا من هذه النماذج دونما ذكر لأسماء أو وصف لأشخاص، ففي إحدى السنوات عملت في محافظة إقليمية مع أحد قيادات الإخوان في هذه المحافظة وكان يملك شركة ناجحة متميزة معلوم تمام عنها هويتها الإخوانية وعنه أيضًا وإحقاقًا للحق فقد تعلمت من هذا الأخ الكثير على المستوى المهني والتجاري ولكنه للأسف الشديد كان نموذجًا سيئًا للغاية في التعامل مع موظفيه بل وشركائه وكان بارعًا في إهدار حقوق موظفيه وله أكثر من تجربة كان بارعًا في تضييع من يعمل معه من إخوان وغير إخوان وللأسف الشديد فكان من السهل عليه عدم الوضوح والشفافية في التعامل أما عن تعاملاته مع المؤسسات الحكومية فحدث ولا حرج من الحصول على أوامر توريد ومناقصات بغير وجه حق ولا يألو جهدًا في إغداق الهدايا والرشاوى على كبار الموظفين.
وعلى مستوى الموظفين من الإخوان فاستعرض تجربة أخرى؛ وذلك عندما مَنَّ الله علي بأن أصبحت في موضع مسئولية عن إحدى الشركات، وكنت حينها أحرص على إعطاء الأولوية في التعيين للأكفاء من الإخوان، وكنت أتنازل بنسبة بسيطة عن عامل الخبرة مقابل تجنيب عامل الثقة والأمانة؛ وذلك لأهميتها وخاصة في الشركات التجارية، ولكن العجيب والذي مثَّل لي صدمة كبيرة هو بعض النماذج التي واجهتها وكانت بمثال صدمة عنيفة فهناك مَن لم يلتزم بالاتفاق واللوائح الخاصة بالعمل، وعلل ذلك بالتزاماته مع الإخوان ويُعطي أولوية لمواعيد الإخوان والتزاماتهم على مواعيد عمله والتزاماته في العمل، معتقدًا أن مديره سوف يتفهم ذلك.
من النماذج التي ساهمت بشكل كير في هذه الصدمة هو شاب من الإخوان بل ومسئول عن تربية جيل من الشباب والطلاب عمل معي في إحدى الشركات، وللأسف الشديد حدث ولا حرج من عدم التزام في المواعيد وبضوابط العمل وقواعده، بل وعدم الوضوح والمواراة، والأدهى من ذلك هو أنه وفي نفس الوقت الذي كان متعاقدًا مع الشركة يتقاضى كافة حقوقه المادية والوظيفية من مرتب وبدلات وخلافه أسس شركةً لحسابه وكان يبيع منتجات الشركة التي هو مستأمن عليها يبعها لشركته ويُعيد بيعها بهامش ربح، وكان يدير شركته دون علم الشركة التي يعمل بها وحتى يستطيع مداراة هذا الأمر وقع في العديد من المخالفات المادية والشرعية.
الأمر الذي أحزنني هو تعامل قيادات الإخوان مع مثل هذه النماذج والتهاون معه واعتبارها "غلطة وتعدي"، "وحافظ على سمعة أخوك وسامحه"، "وأهم شيء هو الأخوة بين الإخوة والأمور المادية سهلة وهينة"، والكثير من العبارات التي توحي إليك بحجم التهاون في التعامل مع مثل هذه النماذج التي للأسف الشديد قد تقع في العديد من المخالفات بعد ذلك نتيجة عدم الوقوف معها بحسم.
مغالطات عديدة ونماذج كثيرة لا يتسع المجال لحصرها تتفق جميعها في أنها استغلت ارتباطها بالإخوان والعمل معهم في منافع شخصية واستغلوا ثقة عموم الناس بل والإخوان بهم استغلالاً سيئًا مما أعطى صورةً سيئةً عن الإخوان.
ليس من الإخوان مَن لم يُتقن عمله
أين ذلك من أدبيات ومبادئ الإخوان وأخلاقهم والتي يوضحها الإمام البنا- رحمه الله- عندما قال: "والإخوان المسلمون يعلمون أن الله كتب الإحسان على كل شيء، وهم لهذا يعنون بإتقان كل عمل من أعمالهم حتى يبلغ حسن الإجادة، فمن نقص وهو قادر على الكمال أو قصَّر دون الإجادة والسبق فليس من الإخوان المسلمين"وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" فعلى الذين عرفونا أن يحفظوا ذلك كله، وأن يعملوا على غراره، فعلى الطالب أن يكون أول إخوانه، وعلى الصانع أن يكون أمهر زملائه، وعلى التاجر أن يكون أصدق وأبرع أقرانه، وعلى الموظف أن يكون مثال أداء الواجب من جميع نواحيه، وعلى كل ذي عمل أن يتقنه، وعلى الناس ألا يعتبروا المقصرين من الإخوان المسلمين مهما حملوا من شارات أو ألصقوا بأنفسهم من ألقاب إخوانية".
يسارعون بأداء ما عليهم من حقوق
وفي أداء الحقوق المادية يقول- رحمه الله-: "والإخوان المسلمون يعلمون أن الدين المعاملة، وأن مطل الغني الظلم، فهم لهذا يبادرون بتسديد حقوق الله التي تكون بجانبهم، ويمثلون أشرف ناحية في هذا المعنى، وأن من تجارهم من لا يزال إلى الآن بعد سنين طويلة يسدد أقساطه التجارية قبل موعدها بيوم على الأقل دائمًا، حتى يحتفظ الأخ المسلم بشرفه وكرامته ومنزلته، فمن ماطل فليس منا، ومن طمع فيما أيدي الناس فليس منا؛ لأن الدعوة غير هذه السبيل، فعلى الذين عرفونا أن يكونوا أمثال الأب في الوفاء والقضاء والإعطاء والاقتضاء".
وأخيرًا:
أسأل الله- عزَّ وجل- أن تكون هذه الكلمات بمثابة نصيحة لنفسي وإخواني، وألا يجعلها من باب الغيبة لإخواني الذين أحبهم في الله، وأسأله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأختم هذه الرسالة بكلمات الإمام البنا الصادقة الواضحة الجلية التي تخاطب كل أخ من الإخوان في أن يتق الله في نفسه وإخوانه عندما قال:
"أيها الإخوان الذين اتصلتم بنا كونوا مثال الخلق والفضيلة، فإن لم تكونوا كذلك فجاهدوا أنفسكم، فإن أفلحتم فاحمدوا الله، وإلا فأنتم عن تقويم غيركم أشدُّ عجزًا، وفاقد الشيء لا يُعطيه.
أيها الإخوان الذين اتصلتم بنا لا تيأسوا، ولكن حاولوا واعملوا، فهي مرتبة الصابرين، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية 69)، (مجلة النذير 22 محرم 1358هـ، 1939م).