إيهاب فؤاد

هاتفني صديقي بالأمس ليناقشني فيما كتبت فقال: لقد أتخمتنا الأحداث، نريد أن ننطلق من النظرية إلى التطبيق، أريدك أن تعرج على دورنا الذي ينبغي علينا أن نفعله، قلت له: صدقت، لقد جاء وقت العمل بعد أن هدَّنا الكلام، لكن قبل هذا وذاك علينا أن نفتش في أوراقنا الذابلة لنحيي مواتها، وعن قلوبنا الخاملة لننشط الدماء في أوردتها، وعن حضارتنا المتلاشية لننفخ الروح في جسدها الميت، وعن أمتنا المغيبة لتعود إلى رشدها، إنَّ هذا يتطلب من كل فرد في الأمة أن ينفض عنه غبار النوم، وألا يستسلم لمحاولات الإحباط المدبرة عن عمد لإفشال المشروع الإسلامي للنهضة، إنَّ علينا أن نخطو بجد نحو التغيير، وأن لا نتخلي عن ثوابتنا التي هي أصلٌ أصيل في دعوتنا، هل سألتَ نفسك يا عزيزي لماذا لم نتغير؟ ولماذا لم يغير الله حال الأمة رغم كل ما حاق بها، وما يحاك لها؟ هل أصبحتْ الجماعات الإسلامية على الساحة على قلب رجل واحد؟ هل توحَّدَ الفهم؟ هل يعذر بعضنا بعضًا فيما أُختِلفَ فيه؟ هل نجبر كسرنا، نلملم ما تبعثر من أوراقنا أم أنَّ كل فريق يتربص بالآخر؟!

 

إنَّ الأمة تحتاج إلى إعادة صياغة من جديد، وتحتاج إلى نهضة حقيقية تتذرع، وهي في طريقها نحو الإنجاز بالأمل في التغيير دون تعجل لجني الثمار، إنَّ علينا أن نراجع علاقاتنا مع الله عز وجل، هل نؤدي الأمور المنوطة بنا على أكمل وجه أم أن الكثيرين يعطون إسلامهم ودعوتهم فضول أوقاتهم؟ علينا أن نكسر حاجز الخوف وذلك الذي علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما حين أردفه خلفه: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: "يا غُلامُ، إنِّي أُعلمُك كلمات: احفظِ الله يحفظكَ، احفظِ الله تجدهُ تُجاهكَ، إذا سألتَ فاسأَلِ الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمَعت على أن ينفَعُوكَ بشيء لم ينفعوكَ بشيء إلاَّ قد كتَبَهُ الله لكَ، وإن اجتمعُوا على أن يضُرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلاَّ بشيء قد كتَبهُ الله عليك، رُفعتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحُفُ".

 

هذه بداية الطريق أن تحفظ الله تعالى ليحفظك في كل شأن من شئونك، وفي كل أمر من أمورك، احفظ الله في دينك وإيمانك، قال الله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾ (المؤمنون).

 

نحتاج أن تتعلق قلوبنا بالله، وأن نحسن التوكل عليه سبحانه، وأن نستعين به في كل أمورنا فلا نجعله أهون الناظرين إلينا.

 

نحتاج إلى تصحيح المفاهيم، وإلى توحيد الرؤى، وإلى الالتحام الحقيقي بالمجتمع؛ لأن التغيير لا يأتي إلا إذا تكاتف الجميع، نحتاج أن نتترس بالدين، وأن نتسلح باليقين، وأن نوقن بأن التغيير لا يأتي إلا إذا غيَّرنا ما بأنفسنا، نحتاج أن نحمل الأمانة، وأن نبلِّغ الرسالة برفق ولين، نحتاج أن نعامل المرضى من الناس برفق، وأن نمسح على صدورهم، نحتاج أن نوقظ الفكرة الإسلامية، وأن نجمع شتاتنا.

 

نحتاج إلى حرية العقول والقلوب قبل الأبدان، لأن العقول إذا تحررت، والقلوب إذا تطهرت فعلت الأعاجيب، ليس لأحد من الناس سلطان على قلب أو عقل.

 

نحتاج أن نقرأ التاريخ لنتعلم الدرس، ولنصحح المسار، نحتاج أن نسقط من حساباتنا منهجية التغيير القائمة على نفاد الصبر والتي تنادي بأن التربية لم تجد شيئًا، وأننا نحتاج إلى تغيير بالقوة حتى نزيح تلك الأنظمة الجاثمة على الصدور، أقول لصديقي اقرأ التاريخ، إنَّ التاريخ يقول إنَّ الحركات التي قامت على الثورات تحوَّل القائمون عليها بعد فترة وجيزة إلى جلادين فكانت تجربة الشعوب معها مخيبة للآمال.

 

إن التغيير المطلوب يا عزيزي يحتاج إلى فقه ووعي، ويحتاج إلى صناعة حقيقية للحياة، فالتغيير لا يعني إنزال شعار ورفع شعار، أو استبدال سلطة سياسية بأخرى، أو تغيير مسمى بمسمى.

 

إن الثورة الحقيقية إنما تكون على النفوس التي استمرأت الكسل، واستسلمت لضيق ذات يدها فباتت تبحث عن الحياة داخل دهاليز ضيقة، يصعب معها التنفس، إنَّ التغيير الحقيقي إنما يكون ببناء الأمة وبناء النفوس، واستنهاض الهمم وشحذها، إنها ثورة على القيم البالية التي تركت منهاجها الصحيح وولته ظهرها وهو في أيديها.

 

إن الأمة تحتاج أن ترى موضع قدمها من خارطة التقدم، وأن تدرك كارثة حجمها الحقيقي حتى تنتبه من غفلتها، فلا أرى سببًا منطقيًّا لأمة متخلفة رغم ما تملكه من مصادر تمكين متمثلة في منهج رباني قويم، ومقدرات طبيعية، وطاقات بشرية، ورغم هذا تلهث لتعيش، وتقتات على موائد اللئام ممن يتآمرون لسرقة خيرها، والعبث بمقدراتها.

 

لا نريد أمة ممسوخة، إنما نريد أمة تبعث الحياة في بصمتها، وتسترد عزها، وتشق طريقها لتكون رائدة حتى تجلس الدنيا منها التلميذ من أستاذه وللحديث بقية.