في وقت مُظلم مكفهر، خيم فيه الظلام وأرخى سدوله، وفي ليل بهيم مدلهم، كثرت فيه الأنواء، وهبت فيه العواصف الهوجاء، وهيمن الضوضاء على السكون، واختفت فيه الأقمار والنجوم وشلت فما كادت تبين، وكأنهم على حد قول امرئ القيس قد شدت بيذبل، وحجبت السحب المتراكمة ضياء الشمس عن الوجود ففرح غربان البشر وظنوا أن شمس الإسلام قد كُسفت وغابت، بعدما حولوا الدنيا إلى أحراش وغابات انتهكت فيها القيم وهتكت فيها الحُرم ودِيست فيها الفضائل والشيم واستبيحت فيها الكليات الخمس، فأزهقوا النفوس وصلبوها، وسلبوا الأموال واستحلوها وانتهكوا الأعراض وخربوا العقول فكادت تجن لتكالبهم على دين الله ليقتلعوه من الصدور قبل السطور ولكن هيهات هيهات، وأصبحت شريعة الغاب تحكم البشر فطحنت مبادئهم وهرست كرامتهم وزيفت الحقائق عليهم وحولت أرضهم خرابًا يبابًا.

 

دعوة وليدة.. وداعية فذ 

في وسط هذه الحالة الولادة للهموم قدَّر الله أن ينبعث من أحشاء الظلام نور ومن جوف الضلالة هدي كما ينبعث من أحشاء الليل البهيم نور الفجر الوضيئ، قدّر الله- وقدره نافذ لا محالة- أن ينبعث وينطلق شعاع الأمل والنور في سماء مدينة الإسماعيلية في يوم هفهف فيه النسيم وبدا فيه الليل وكأنه نهار مشرق وضّاء.

 

انطلق هذا الشعاع- شعاع الدعوة إلى الله- شعاع الأمل والنور والإيمان في جنبات هذا الكون ليبدد ظلمات الشرك والجهالة الحالكة بنور الحكمة والتوحيد ويجتث ظلمات اليأس من الصدور بإشراقة الأمل والتغيير في أمة انحدرت أخلاقها فهوت في مستنقع عفن بغيض من التبلد والكسل العصيان والبعد عن الله وهجر شريعته ومنهاجه.

 

انطلق هذا الشعاع في سماء مدينة الإسماعيلية عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين ليلتقي شعاع الدعوة في القرن العشرين مع الشعاع الأول شعاع الدعوة النبوي ليهتدي بهديه ويستزيد من فيضه وينهل من تراثه ويرتوي من معينه الصافي ويقتفي أثر خطاه.

 

انطلق هذا الشعاع يحمله إلى الوجود حسن البنا ذلك الشاب التقي الورع ذو الهمة العالية والنفس الرقراقة الصافية والعقل الراجح المتقد حنكة وذكاء والقلب الشفاف الناصع الوضيئ، شاب يكسو محياه الوقار- وقار الإيمان والإخلاص لله والتبتل إليه والانقطاع له عمن سواه والله حسيبه ولا نزكيه على الله خالقه وهاديه.

 

إمام شهيد.. وفجر جديد

انطلق حسن البنا يدعو إلى الله عز وجل في حماسة الشباب وإقدام المجاهدين وخبرة الشيوخ وربانية العابدين وبصيرة الحكماء وقناعة الزاهدين وفقه العلماء المخلصين.

 

انطلق ليبدد ظلمات البعد عن الله ومنهجه، فأسس جماعة الإخوان المسلمين- جماعة الحق والهدى والإيمان- أسسها على الربانية المشرقة والعقيدة الصادقة والعبادة الصحيحة والتجرد لله، فترى رجال هذه الدعوة المباركة ينطلقون والقرآن في يمينهم، والسنة المطهرة الصحيحة في يسارهم، ودرب محمد- صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام أمامهم، وشهوات الأنفس وأهوائها تحت أقدامهم، ومحن الدنيا ومنحها خلف ظهورهم.

 

لقد غرس الإمام البنا في نفوس رجاله- رجال الإخوان المسلمين- فهمًا عميقًا شاملاً للإسلام، فالإسلام عندهم "دولة ووطن أو حكومة وأمة وهو عندهم خلق وقوة أو رحمة وعدالة وهو عندهم ثقافة وقانون أو علم وقضاء وهو عندهم مادة وثروة أو كسب وغنى وهو عندهم جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء"، فانطلقوا بهذا الفهم الشامل العميق لدينهم ليبعثوا المسلمين من رقادهم ويعيدوا لهم مجدهم وعزهم ويعيدوا للإسلام مكانته وريادته في العالمين، ليشرق فجر جديد، فجر النماء والعيش الرغيد، فجر الأمن والحرية والرخاء، فجر العدالة والمساواة، فجر العزة والتمكين.

 

جيل فريد.. وفهم سديد

انطلق الإخوان المسلمون- بمشيئة الله وإرادته- كي يجعلوا من القرآن الكريم واقعًا عمليًّا في نفوسهم ونفوس المسلمين ليكون نبراسًا لهم ينير حياتهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: من الآية 40)، ويكون لهم ميزانًا داخليًّا يسري في وجدانهم يزن تصرفاتهم ويضبط أفعالهم وأقوالهم، فكوّنوا جيلاً فريدًا عجيبًا ذكرونا بالأوائل الميامين، ضاربين لنا أروع الأمثلة في التجرد لله والتضحية في سبيله بكل غالٍ ورخيصٍ فربوا لنا جيلاًَ قلوبهم نقية ونفوسهم عفيفة صافية وعقولهم مدركة واعية وأبدانهم نظيفة قوية، رجال سطروا لنا في صفحات من نور أعتى الملاحم وأجل البطولات، فثبتوا أمام محن تزول من هولها الجبال فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا لما أصابهم. فقد أضافت هذه الشدائد الضروس والمحن العضوض والأهوال العاتية صلابةً إلى صلابتهم ويقينًا إلى يقينهم، فكانوا كالمعدن الأصيل الذي كلما اشتد عليه لهيب النار ازداد صلابةً ونقاءً، فزال الخبث من نفوسهم البشرية فازدادوا إيمانًا على إيمانهم وصفاءً على صفائهم ليخرجوا من بين أنياب هذه الابتلاءات شامخين ومن أحشاء تلك الفتن الأكول أُسدًا مغاوير وكأن لسان حالهم يقول:

ضع في يديّ القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي ناصري ومعيني (الأبيات للقرضاوي)

 

لقد كنت ترى الرجل منهم يستقبل حكم الإعدام ولا ذنب اقترفه ولا وزر ارتكبه غير أنه يقول ربي الله ومحمد صلى الله عليه وسلم زعيم وقدوتي والقرآن دستوري ومنهجي﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)﴾ (النمل).

 

لم يحنِِ الرأس ولم يركعْ لطغاة الظلم ولم يخضعْ

صبرًا فالقيد غدًا يُرفعْ فالنصر من الله المنعمْ

*****

ما أحلى القيد ولو كانا من جمر يكوي الأبدانا

من أجل الله فقد هانا وتهون الدنيا على المسلمْ

*****

فهناك الحور تنادينا والجنة حقًّا تُؤوينا

إن بعنا النفس لبارينا واسُتعذب في الله العلقمْ (الأبيات لكاتب هذه السطور)

 

لقد كان البطل منهم يستقبل الموت بابتسامة عريضة وفرحة غامرة وسعادة بالغة كأنما يستقبل عروسًا تـُُزف إليه أو وليدًا طال شوقه إليه، يستقبل الموت بجنان ثابت غير قلق ولا وجل.

علمونا يا رجال الموت أنتم أن طعم الموت أحلى ما لاقينا

علمونا يا حماة الحق دومًا أن دين الله أغلى ما حيينا

علمونا الصدق يسري في الحنايا علمونا الموت موت الثائرينا

علمونا أن نفس الحر تسمو بالجهاد بهدي خير المرسلينا (الأبيات لكاتب هذه السطور)

 

ينطلق أحدهم إلى الموت ويهتف من أعماق فؤاده ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، ولسان حاله يقول كما قال خُبيب بن عدي:

ولستُ أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

يا الله!! أي إيمان كان يغمر هؤلاء!! وأي عقيدة كانت تسري في وجدانهم وتفيض بها أفئدتهم!! إنه الإيمان الصادق بالله! إنها عقيدة التوحيد التي نقشت على قلوبهم أن دين الله هو الأعلى في العالمين وأنه الأغلى عندهم من النفوس والأموال والأولاد بل أغلى عندهم من الدنيا وما عليها.

 

نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ

ولقد قـدّر الله لهذه الدعوة- دعوة الإسلام- وقدره نافذ لا محالة ولن يوقفه أحد مهما علت منزلته الأرضية أن تسري في العالمين سريان المسك في الهواء سريان الدم في العروق، أو قل سريان النار في الهشيم لتنتشر فيما يزيد على الثمانين قطرًا ليكون ذلك دليلاً ما بعده دليل وبرهانًا أبلغ برهان على أن الله عز وجل قد طوى لهذه الدعوة المباركة الزمان والمكان ساخرة من مكر الماكرين ومن حقد الحاقدين ومن كيد المجرمين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)﴾ (التوبة).

 

إنها دعوة الإسلام التي كتب الله لها الخلود والنصر والتمكين وسيدور الزمان دورته ليحكم القرآن في العالمين وستعود الدنيا كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده يملؤها الخير والبركة ويسودها الأمن والرحمة ويكسوها العدالة والمساواة، وإن غدًا لناظره قريب.