الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا لأقوم دين، وشرفنا بخير المرسلين، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وجعل أسوتنا رحمة الله للعالمين، محمدًا رسول الله عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب)، فالحق سبحانه وتعالى يربي خير أمة أخرجت للناس على الاقتداء بخير خلق الله؛ الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض، والذي قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، وأبدًا لن تموت هذه الأمة ما بقي فيها الخير والصلاح والقدوة الطيبة، وهو فيها إلى يوم القيامة، كما أخبرنا حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم "الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
وهذه الأمة تجود بالخير دومًا، وتتولَّد منها مشاعل الهدى لكل العالمين، وإن الله عز وجل يأتي على رأس كل قرن من الزمان بمن يجدِّد لهذه الأمة دينها، حتى تظل هذه الأمة حيةً شاهدةً على الناس كما أرادها الله، وإن الرجال ليقاسون بأعمالهم وليس بأعمارهم، فمن الناس من بارك الله له في عمره وسعيه، فأنفذ في وقت قليل ما لم يستطع غيرُه إدراكه وقد بلغ من العمر أرذله.
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع هذه القدوات الصالحة، فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"، وقدوتنا في هذا المقام رجل عاش شبابه منعَّمًا، تربى في بيت الإمارة، فأبوه كان واليًا على مصر، كان يلبس أبهى الثياب وأغلاها، ويضع أبهج عطور دنياه، يترك أثر عبيره في كل طريق سلكها، وكان يتأنَّق في كل شيء حتى مشيته التي تفرَّد بها وحاكاه الشباب فيها.. "المشية العمرية"، ما تاق إلى شيء إلا ناله، يقول عن نفسه: "خُلِقَتْ لي نفسٌ تواقةٌ، لقد رأيتني بالمدينة غلامًا مع الغلمان ثم تاقت نفسي للعلم، فأصبتُ منه حاجتي، ثم تاقت نفسي إلى فاطمة ابنة عمي فتزوجتُها، ولم تزَل نفسي تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقتْ إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة، فأسأل الله ألا يحرمني منها".
إنه من حِيزَت له الدنيا بين يديه، وتولَّى الخلافة، فأصلح بينه وبين الله، فخافه، وما تكبَّر وما تجبَّر وما ظلم، خشي الله فعدل وأمن ورضي، نُصبَ عينيه مقالةٌ تحكمه قيلت لجده لأمه.. "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر".
ورث الغنى عن أبيه وإنَّ دخله السنوي من راتبه ومخصصاته ونتاج أرضه يجاوز الأربعين ألف دينار، وإنه ليسافر من الشام إلى المدينة، فيحمل متاعه خمسون جملاً، فلم تُنْسِهِ الدنيا وزخرفها الله تعالى والدار الآخرة، فجمع القرآن صغيرًا، ونشر العدل والرحمة بين الناس أميرًا، عندما ولي إمارة المدينة صلى الظهر ثم دعا بعشرة: عروة وعبيد الله وسليمان بن يسار والقاسم وسالمًا وخارجة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان وعبد الله بن عامر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدى، أو بلغكم عن عامل ظلامة فأحرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني".
إنه الخائف من الله.. المتورِّع عن الحرام، المتواضع العادل الكريم، الذي جلس للناس مربيًا ومعلمًا وأبًا وأخًا، الزاهد الفقيه، إنه القِيَمُ والأخلاقُ والمُثُلُ، وما أروع أن نرى المثلَ رجالاً، والأخلاقَ واقعًا.
لو أخذ المفكرون بجدٍّ أقلامهم، وأعملوا فكرهم، وعصفوا أذهانهم، ثم كتبوا كلَّ محمَدةٍ يتمنونها في حكامهم، ونزَّهوهم عن كل نقيصة تنال من أقدارهم، حتى اكتملت لهم صورةٌ تخيلوها مثالاً يحتذى لحاكم يرتجى، في نفسه وأهله ومجتمعه، في خوفه وقوته ولينه وشدته، وصبره وحلمه وزهده وورعه، في علمه وعدله، ثم جاءهم عمر لَرَأوْا منه ما عجزوا عن تسطيره.
نعم.. إنه خامس الخلفاء الراشدين.. إنه عمر بن عبد العزيز، وهذه مواقف من حياته وخوفه من الله وزهده وعدله، هذا هو عمر لمن أراد أن يقتدي بعمر، قدوة للحاكم والمحكوم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يضع في أعناقنا طوق المسئولية.. "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وهو يحذرنا من التفريط في هذه المسئولية، ويطالبنا بإدراكها والانشغال بها والنصح لها شرطًا لدخول الجنة، "ما من راعٍ استرعاه الله رعية بات غاشًا لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة".
تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك بن مروان واختاره الناس، فلما بويع بالخلافة شعر بثقل المسئولية وعظم التبعة، وقام ليلقي أول خطابٍ له بعد البيعة فتعثر في طريقه إلى المنبر تعثُر الخائف من حساب ربه، وتعثُر من استشعر ثقل المسئولية، إنه يستشعر قول جده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم عُرضت عليه أسماء الصحابة ليختار معهم من يخلفه في أمر المسلمين، وحين صاح أحد الجالسين مع عمر: وجدتها يا أمير المؤمنين، والله لا يصلح لهذا الأمر غيره، ابتدره على الفور عمر: من هو..؟ قال: إنه عبد الله بن عمر، فأخذت الفجاءة عمر، ثم علاه بالدرة قائلاً له: "والله إني أرى أنك ما أردتَ بها وجه الله، إن كان في هذا الأمر خيرٌ فقد ذقناه، وإن كان غير ذلك فكفى من بيت عمر واحد يحاسَب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم".
فبعد أن حدثته نفسه بالخلافة وتاقت إليها، أشفق على نفسه منها لولا أن حمله الناس عليها، وفي أول خطبة له، حمد لله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس: لقد بُويِعْتُ بالخلافة على غير رغبة مني، وإني قد خلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم"، فصاح الناسُ صيحةً واحدةً ممزوجةً بالبكاء: قد اخترناك ورضينا بك، فبكى وقال: الله المستعان، ثم قال: "أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابنَّ أحدًا، ولا يعترض فيما لا يعنيه".. فانقشع الشعراء والخطباء وثبت عنده الفقهاء والزهَّاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله.
وتولى عمر الخلافة فكان مجددًا بحق، كانت ولايته تسعة وعشرين شهرًا وبضعة أيام لكنها خير من ثلاثين سنةً أو ثلاثين عقدًا من الزمان، لم يضيعها في دنيا يصيبها ولا شهوة يحصلها، لكنه جعلها لله رب العالمين، باع الدنيا بالآخرة فبارك الله في سنتين ونصف من العدل ألحقته بأسلافه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
إن المتأمل لهذه البيعة يجد فراسة المؤمنين في اختيار قادتهم وأمرائهم، وقد توسموا في عمر مقومات الحاكم العادل فقالوا في صيحة واحدة لقد اخترناك ورضينا بك.
لقد تخيلت نفسي من رعية عمر، واستعرضت في ذاكرتي بعضًا من مناقبه، وكلما استمتعت بعدله أو حلمه أو تواضعه أو خوفه من ربه أو إحسانه وعفوه أو تعففه وزهده.. ازددت تيهًا وفخرًا وصرختُ بأعلى صوتي لأُسْمِعَهُ عبر عشرات القرون، من أجل ذلك بايعناك واخترناك يا عمر، أو قل إذا شئت.. "وعشان كده إحنا اخترناك"، وكم تمنيت أن أرى حكام المسلمين جميعًا قد نهجوا نهج عمر، فكانوا قدوات صالحات، قبل أن يسوقهم الممات إلى الوقوف بين يدي قيوم الأرض والسماوات، كم تمنيت لو قام عمر (أي عمر) يحكمنا بحكم الله، يطيع الله فينا ونطيعه في الله، يكون فينا أبًا للصغير وابنًا للكبير وأخًا للقرين، حسن الخُلُق، ناطقًا بالحق، سياسيًّا عاقلاً، عالمًا عادلاً، ذكيًّا فقيهًا فاهمًا زاهدًا، حليمًا أوّاهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا، ونكون جميعًا جنودًا للحق الذي هو عليه، مجاهدين مخلصين، نحمله على الأعناق، نهتف بأعلى صوتنا، لرمزنا وعزنا: نفديك بروحنا ودمنا، أطعت فينا ربنا، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** جعل عمر الطاعة لله أولاً فربط طاعة الناس لولي أمرهم بطاعة ولي الأمر لله، تطبيقًا لقول ربنا عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء)، ولم يفصل طاعته عن طاعة الله، فقال للناس يوصيهم من على المنبر: أُوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيء، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، ثم رفع صوته: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، ونزل عن المنبر، متمثلاً قول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** حافظ على أموال المسلمين ولم يسمح ببعثرتها هدرًا وترفًا ففي حفل تنصيبه خليفة للمسلمين، وفي اليوم التالي من خلافته رأى موكبًا من الجياد المطهمة يتوسطها فرس زينت كالعروس ليمتطي الخليفة ظهرها الذي لم يركب من قبل، فأعرض عنها قائلاً: ما أنا إلا رجل من المسلمين أَغْدو كما يغدون وأَرُوحُ كما يروحون، وراح إلى القصر مترجلاً وأمر بها إلى بيت مال المسلمين، ولما وصل إلى السرادق فإذا هو فتنة وإسراف عظيم فأمر بضمه لبيت المال، ودعا بحصير ففرشه على الأرض ثم جلس فوقه، ثم جيء بالأردية المزركشة والطيلسانات الفاخرة التي هي ثياب الخليفة، فأمر بها إلى بيت المال، ثم تعرض عليه الجواري ليختار منهن وصيفات قصره، فيسأل كل واحدة منهن من هي ولمن كانت وما بلدها، ثم يأمر بردها إلى أرضها وذويها.. (وعشان كده إحنا اخترناك).
** أرسى قواعد العدل في حكمه وعلم أن العدل أساس الملك، وأن من تواضع لله رفعه فترك قصر الخلافة ونزل غرفته المتواضعة، وحاسب أول ما حاسب أهل بيته، وطبق عليهم قبل الرعية قانون "من أين لك هذا..؟" فاستدعى زوجته فاطمة الزاهدة العابدة بنت الخليفة، وأخت الخلفاء قال لها: إن أردت صحبتي فهذه الحُلِي التي تلبسينها تعلمين من أين أتى لك بها أبوك؟، ردي ما معك من مال وحلي وجواهر إلى بيت مال المسلمين وإلا فالحقي بأهلك، والله لا أجتمع أنا وأنت وهو في دار أبدًا بعد اليوم، قالت الزاهدة الراغبة فيما عند الله: بل أردها والحياة حياتك يا عمر، وللآخرة خير وأبقى، فردته جميعه، (وعشان كده إحنا اخترناك).
فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد بن عبد الملك رده عليها وقال: أنا أعلم أن عمر ظلمك، فقالت: كلا والله، وامتنعت من أخذه وقالت: ما كنت أطيعه حيًّا وأعصيه ميتًا، فأخذه يزيد وفرقه على أهله.
** أعطى الفقراء والمساكين وكَسَدَت عنده بضاعة الشعراء والمنافقين، كان يأمر أن ينادي منادٍ بعد كل صلاة: أين الفقراء؟ أين المحتاجون؟، فيقدم لهم الطعام والأموال، فلا والله ما عاد في الأوطان بطن جائع ولا كبد ظمآن، وكان يقول لعماله اذهبوا بهذه الحبوب إلى سفوح الجبال فانثروها حتى تأكل الطير ولا تشتكي لربها أنها جاعت في عهد عمر، دخل عليه أحد الشعراء يمدحه، فلم يجد منه سَمَاعًا لما يقول، ولم يُعطِه شيئًا فخرج وهو يقول: رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، كتبت إليه مسكينة من مصر أن لها حائطًا متهدمًا لدارها يتسوره اللصوص فيسرقون دجاجها، وليس معها مال تنفقه في هذا السبيل، فكتب إلى واليه على مصر- أيوب بن شرحبيل-: "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أيوب بن شرحبيل.. سلام الله عليك، أما بعد، فإن فرتونة السوداء كتبت إلي تشكو إلي قصر حائطها، وأن دجاجها يسرق منها، وتسأل تحصينه لها، فإذا جاءك كتابي هذا فاركب بنفسك وحصنه لها"، وكتب إلى فرتونة: "من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء: سلام الله عليك، أما بعد، فقد بلغني كتابك وما ذكرت فيه من قصر حائطك حيث يقتحم عليك ويسرق دجاجك، وقد كتبت إلى أيوب بن شرحبيل آمره أن يبني لك الحائط حتى يحصنه مما تخافين إن شاء الله".. (وعشان كده إحنا اخترناك).
** خاف الله وجعله سبحانه نصب عينيه، ففتح الله به وعليه، ورزقه الله الخَشْيَة منه، فكان أخوف الناس لله وهو يرجو الأمان من الله بإذنه، ففي الحديث القدسي: "وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنَيْن، إن أمِنَني في الدنيا خوفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم القيامة"، كان شديد المراقبة والخوف من الله إذا أراد النوم ارتجف صدره، فتقول زوجته: ما بك يا عمر؟ يقول: تذكرت قول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: من الآية 7)، فخفت خوفًا أورثني ما تَرَين، كانت له نظرة مختلفة عن نظرات الناس، حج مع الناس وأخذ الناس يتسابقون يوم عرفة مع الغروب إلى مزدلفة، وهو يدعو ويتضرع ويقول: لا والله ليس السابق من سبق اليوم جواده وبعيره، إن السابق من غُفِر له هذا اليوم.
تقول فاطمة زوجته: دخلت عليه وهو في مصلاه ودموعه تجري على لحيته فقلت: أَحَدَثَ شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والغازي والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم إلى الله فخشيت أن لا تثبت حجتي عند الخصومة فرحمت نفسي فبكيت.
قال التابعي محمد بن كعب القرظي رحمه الله: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث إلى وأنا بالمدينة فقدمت عليه، فلما دخلت جعلت أنظر إليه نظرًا لا أصرف بصري عنه، متعجبًا، فقال: يا ابن كعب: إنك لتـنظر إلى نظرًا ما كنتَ تـنظره!، قلتُ: متعجبًا، قال: ما أعجبك؟، قلت: يا أمير المؤمنين: أعجبني ما حال من لونك، ونَحَلَ من جسمك ونفي من شَعرك، فقال: كيف لو رأيتـني بعد ثلاثة، وقد دلّيتُ في حفرتي، وسالت حدقتي على وجنتي، وسال منخري صديدًا ودودًا؟، فبكى محمد، وبكى الناس حتى ضج مجلسه بالبكاء.
وكتب له أثناء خلافته- سالم بن عبد الله- كتابًا شديدًا يقول فيه: يا أمير المؤمنين لقد تولى الملك قبلك أناس ثم صُرِعُوا وها هي مصارعهم، فانظر إليها لترى، كانوا ينظرون بعيون إلى اللذات فأُكلت، ويأكلون في بطون فَنُهِشَتْ، ويميدون بخدود أكلها الدود، فاحذر أن تكون مع المحبوسين في جهنم يوم يُطلق العادلون، فلما قرأ ذلك انهد باكيًا قائلاً: اللهم لا تجعلني مع المحبوسين يوم يُطلق العادلون، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** كان مقياسه في الناس التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، يقول: والله ما رأيت متقيًا إلا وددت أني في جلده، اختار بطانة تعينه على طاعة الله فأدنى منه الصالحين والعُبَّاد، فجعلهم بطانته، وطالبهم بإخلاص النصيحة وأن يبصروه بعيوبه، يقول لهم: لقد توليت أمر أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم فأعينوني.
استدعى مزاحمًا يوم أن تولى الخلافة فقال: "يا مزاحم: لقد رأيتك تُصلِّي الضحى في شِعب من الشعاب لا يراك فيه إلا الله فأحببتك والله، فكن عوني على نفسي، إذا رأيتني ظلمت فخذ بكلابيبي وقل: اتق الله يا ابن عبد العزيز"، وكتب له مطرف بن عبد الله: يا أمير المؤمنين لو كان لك خصم لدود لأعجزك، فكيف بخصميْن؟ فكيف بثلاثة؟، كيف بك وخصمك أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم؟.
كان يختار جلساءه ويشترط عليهم، جمع سبعة من الصالحين وقال لهم: أنتم جلسائي كل ليلة، لكني أشترط عليكم شروطًا ثلاثة: أولها: لا تغتابوا ولا تعيبوا في مجلسي أحدًا، وثانيها: لا تتحدثوا في الدنيا، وثالثها: ألا تمزحوا وأنا جالس أبدًا، فكانوا يجتمعون بعد العشاء فيتحدثون في الموت وما بعده، ثم ينفضون من مجالسهم وكأنما انفضوا عن جنازة، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** حدد عمر هدفه وغايته وعرف مهمته، وعرف قدر نفسه، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه، كان الله عز وجل أحب إليه من أهله وولده ونفسه التي بين جنبيه، وعلم أنه راجع إلى الله، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء)، فرد المظالم كلها لأربابها، وربى أولاده على طاعة الله وإيثار الآخرة على الدنيا، قال لمولاه مزاحم: إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه ولا لهم أن يعطونيه وإني قد هممت برده على أربابه، قال: فكيف تصنع بولدك؟ فجرت دموعه وقال: أكلهم إلى الله، فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال له: إن أمير المؤمنين قد عزم على كذا وكذا، وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه، فقال عبد الملك: بئس وزير الخليفة أنت، ثم قام فدخل على أبيه وقال له: إن مزاحمًا أخبرني بكذا وكذا فما رأيك؟ قال عمر: إني أريد أن أقوم به العشية، قال عبد الملك: عجّله، فما يؤمنك أن يحدث لك حدث أو يحدث لقلبك حدث، فرفع عمر يديه وقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني ثم قام به من ساعته في الناس وردها.
وقال عبد الملك لأبيه عمر: يا أمير المؤمنين ما تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقًّا لم تحيه وباطلاً لم تمته؟ فقال عمر: يا بني إن أجدادك قد دعوا الناس عن الحق فانتهت الأمور إلىَّ وقد أقبل شرها وأدبر خيرها، ولكن أليس حسنًا وجميلاً أن لا تطلع الشمس على يوم إلا أحييت فيه حقًّا وأمت فيه باطلاً حتى يأتيني الموت وأنا على ذلك، (وعشان كده إحنا اخترناك).
وقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين انقد لأمر الله وإن جاشت بي وبك القدور فقال: يا بني إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف.
ولمَّا مرض عبد الملك بن عمر مرض موته وكان من أشد أعوان أبيه على العدل دخل عليه أمير المؤمنين فقال له: يا بني كيف تجدك؟، قال: أجدني على الحق، قال عمر: يا بني أن تكون في ميزاني أحب إلى من أن أكون في ميزانك، فقال ابنه: يا أبتاه لأن يكون ما تحب أحب إلى من أن يكون ما أحب، ومات عبد الملك بن عمر وله سبع عشرة سنة.
** كان عمر بن عبد العزيز يحب العفو ويحب الإحسان، نال رجل منه ذات يوم، فقيل له: رد على هذا السفيه، فقال: إنَّ التَّقِي مُلْجَمٌ، إنَّ التَّقِي مُلْجَمٌ.
دخل المسجد في ظلام الليل مرة فاصطدمت قدماه برجل قد نام في صحن المسجد، فصاح الرجل فيه منتهرًا: أأعمى أنت!!؟، فقال له عمر: لا، ومضى في طريقه.. فأراد من معه أن يعاقب الرجل، فقال له عمر: هون عليك، إن الرجل سألنا سؤالاً وأجبناه.
استدعى خادمًا له في مرض موته وقال له: أسألك بمَنْ يجمع الناس ليوم لا ريب فيه أأنت سممتني في الطعام؟ قال الخادم: إي والله.
قال: فكم أعطوك على ذلك؟ قال: ألف دينار.
قال: اذهب فأنت حر لوجه الله، والله يحب المحسنين، وكان كلما عاده أحد قال له: اُعْفُ عني عفا الله عنك، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** كان عمر شديدًا في الحق مستيقنًا به، لا يخشى في الله لومة لائم، يعدل بين رعيته، حدث الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز جلس في بيته، وعنده أشراف بني أمية، فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندًا من هذه الأجناد؟ فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟!
قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى، وإني أكره أن تدنسوه على بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني؟! وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيها، هيهات هيهات، قالوا: أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء إلا رجل حبسه عني طول شُقَّة.
قال الحسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم البادية في خلافة عمر بن عبد العزيز فقلت: سبحان الله ذئب مع غنم لا يضرها؟ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.
** كان عمر رضي الله عنه كامل المروءة، عن عبد العزيز بن عمر قال: قال لي رجاء بن حيوة: ما أكمل مروءة أبيك، سمرت عنده فعشي السراج وإلى جانبه وصيف نائم، قلت: ألا أنبهه؟ قال: لا، دعه، قلت: أنا أقوم، قال: ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى إناء الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** كان عمر تقيًا نقيًا عالمًا ورعًا يخاف يوم الحساب، كانت آخر خطبة خطبها، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه، وباع فانيًا بباقٍ، ونافدًا بما لا نفاد له، وقليلاً بكثير، وخوفًا بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيكون من بعدكم للباقين، كذلك ترد إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب، وواجه التراب والحساب، فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير لما قدم، فاتقوا الله قبل القضاء، راقبوه قبل نزول الموت بكم، وأيم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سنن من الله عادلة أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، وأستغفر الله، ووضع كمّه على وجهه فبكى حتى بلّ لحيته فما عاد لمجلسه حتى مات، (وعشان كده إحنا اخترناك).
** لم يعط لأولاده ما ليس لهم وأوكلهم إلى الله، لما حلت به سكرات الموت جاءه مسلمة بن عبد الملك فقال له: إنه قد نزل بك ما نزل، وإنك تركت صبيتك صغارًا لا مال لهم فأوص بهم إليَّ، فجلس وقال: والله ما منعتهم حقًّا هو لهم، ووالله لن أعطيهم ما ليس لهم، إن بنيّ أحد رجلين: إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجًا، وإما مُكِبٌ على المعصية فلم أَكُنْ لأقويه على معصية الله، ثم أمر فقال: ادعوا أبنائي جميعًا فدعوهم، فجاءوا مسرعين اثني عشر ولدًا وبنتًا، شعثًا غبرًا، قد زايلت جسومهم الشاحبة نضرة النعيم، وجلسوا يحيطون به، وراح يُعانقهم بنظراته الحانية الآسية، وراح يودعهم بقوله: يا بني إن أباكم خُيِّر بين أمرين، أن تستغنوا ويدخل النار أو تفتقروا ويدخل الجنة، فاختار الجنة وآثر أن يترككم لله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين، انصرفوا- عصمكم الله-، فانصرف أبناؤه، فجعل يبتهل إلى الله في خشوع ويقول: رباه أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، رباه ما عندي ما أعُدُه إلا خوفي منك وحسن ظني بك وأن لا إله إلا أنت، ثم أمر الناس أن يخرجوا فكانوا يسمعونه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص)، (وعشان كده إحنا اخترناك).
ومات عمر رحمه الله ورضي الله عنه في رجب سنة مائة وواحد من الهجرة وكان عمره تسعًا وثلاثين سنة وأشهرًا وقيل أربعين سنة وأشهرًا، وتولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة من بعده بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك بعد عمر بن عبد العزيز، وقيل لعمر عند احتضاره: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بني عبد الملك، ثم كتب إليه: أما بعد فاتق يا يزيد، الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على الرجعة إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام.
رحم الله عمر بن عبد العزيز وألحقنا به في الصالحين، قال عنه الذهبي: (قد كان حسن الخَلْق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوّاهًا منيبًا، قانتًا لله حنيفًا، زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظَّلمة الذين ملُّوه وكرهوا مماقتته لهم ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُدَّ عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين).
ندعو الله أن يرزقنا حاكمًا ربانيًّا يخشى الله ويتقه، يحكم بشريعته، ويعمل لرفعة دينه، ويقودنا للجهاد في سبيله، حتى تتحرر مقدسات المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين.
----------------------