رغبة جامحة للكتابة قد تملكتني فلن ألقي هذا السلاح ما دام هذا الجهد لله، ولعله مع جهد الآخرين يصنعُ شيئًا.

 

وأحمد الله أن منحني نعمة التعبير عمَّا يجول بخاطري، وأدعو الله أن تكون هذه الخواطر والمعاني مفتاحًا لمغاليق القلوب وهدايةً للنفوس السقيمة المحرومة من نبع القرآن ورحيق السنة النبوية الشريفة والمحجوبة عن الفهم الصحيح لهذا الدين.

 

ترددت صيحات عالمية وداخلية بأهمية الاحتفال بذكرى يوم المرأة العالمي الموافق 8 مارس، والتي جاءت في صورة مؤتمرات واحتفالات جمعيات تخدم المرأة، ورغم ذلك إلا أنني وجدتُ أن كثيرًا من النساء حولي لا يعلمن شيئًا عن هذا اليوم.

 

فقررتُ أن أسوق إليهنَّ بعض المعلومات من خلال قراءاتي في وسائل الإعلام المختلفة المكتوبة منها والمرئية.

 

وبحكم أني امرأة حظيت بهذا التكريم هي وبنات جنسها قررتُ أن أشارك في هذا اليوم بكل ما أملك من فهمٍ لهذه القضية.

 

قد يتساءل القارئ ما الذي أقصده؟ هل أنا ممن يعترض على هذا الكلام أو ممن يؤيده؟.

 

الحقيقة أن فهمي عن التكريم بحقٍّ هو التكريم الإلهي أولاً؛ فقد كرَّمنا الإسلامُ فجعل لنا حق في الحياة منذ عاب على الجاهلية وأد البنات وإقرار الاسلام لمبدأ منع إكراهنا على الزواج بمَن لا نرضاه وبمن ليس كفئًا لنا، وغيرها من حقوقنا الاجتماعية.

 

أما من الناحية الاقتصادية فقد أعطانا- نحن النساء- الإسلام حقَّ الاكتساب للحقوق المالية كالرجل والتصرف فيها مثله، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء: من الآية 32).

 

كما أعطانا الله حقَّ التملك بالشراء والإرث أو الهبة أو الوصية، وقد جعل لنا نصيبًا في الميراث يعدل نصف الرجل ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: من الآية 11)، ولم يُكلفنا بالإنفاق على الأسرة مهما كنا غنيات.

 

وقد كرَّمنا الله حين ساوى بيننا وبين الرجال في أمور عدة منها مثلاً في الحساب عقابًا وثوابًا بلا تفريقٍ ولا تمييز.. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: من الآية 195).

 

أما أعظم تكريم لنا، فهو عندما قال- صلى الله عليه وسلم-: "يا أنجشة، رفقًا بالقوارير"، وهذه دعوة للرجال بالعطف على النساء واللطف بهنَّ والرفق بهن.

 

والآن نجد أن المرأةَ هي الشغل الشاغل للعالم كله، فكان عام المرأة تذكيرًا بشأنها وبحثًا عن حقوقها وواجباتها، وسعيًا لإنصافها.

 

بل أنا التي أتساءل: هل هم يكرمون المرأة كما يزعمون أم يهينونها؟ هل هي تفتقد حريتها وكرامتها لسيطرة الرجل كما يدَّعون عليها؟ أم هل يريد المفسرون لنظام الفطرة أن تكون المرأة رجلاً باسم المساواة بين الجنسين، وبالتالي تنسلخ من فطرتها الرقيقة لتتطبع بطبعهم وتعمل بعملهم وتلهو للهوهم.

 

الإعلام الحكومي وغيره اهتمَّ بهذا اليوم 8 مارس، ووجَّه للنساءِ في العالمين الغربي والعربي تهاني قلبية وورود شفوية للاحتفال بذكرى حصولها على حقوقها أو ذكرى نضالها، وقد قرأتُ من قبل أن هذا التكريم قد بدأ منذ 1913م، وأن هذا اليوم كان رمزًا لنضال المرأة سواء في حقِّها في خفضِ ساعات العمل ورفع المعاش أو حق الاقتراع وقد كان ذلك في الولايات المتحدة.

 

وكان من قبل ذلك المؤتمر الاشتراكي في ألمانيا عام 1906م وفيه وجَّه نداءً للنساء الاشتراكيات في كل أنحاء العالم للاحتفال بيوم المرأة العالمي كل عام، ثم توالى جهاد المرأة في الغرب- كما يقولون- للحصول على مكاسب مادية وعُقدت مؤتمرات لقضايا المرأة من أجل نيل حقوقها وتحررها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو شيء مفرحٌ ومبهجٌ أن تُكرَّم المرأة من قِبل الغرب والشرق، ولكن المؤسف والمحزن هو مفهومهم لهذا التكريم.

 

وقد تساءلتُ في نفسي: هل تكريم المرأة أن تكون كالرجل سواءً بسواء، تتطابق معه في المهام والوظائف والحقوق وكل ما يريدون من غير مراعاةٍ لما كلَّفها به الله سبحانه وتعالى من واجباتٍ وحقوق وضعها الخالق الذي يعلم ما يُصلح لها وما يكون سببًا في سعادتها في الدنيا والآخرة؟!!.. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).

 

وهل الترويج لهذه الدعوة المستحيلة مع الرجل طبيعيًّا وشرعيًّا؟ وهل بإفساد فطرتها وتعطيل وظيفتها وتشتيت أسرتها أشياء تُكرَّم عليها المرأة؟!!.

 

فالإسلام لم يظلم المرأةَ ولكن أعطاها حقوقها كاملةً، كما أن الإسلامَ ليس سببًا في تخلفها وتقيد حريتها بل هو سبب في تعلمها ورقيها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".

 

وهنا يكون السؤال: هل هذه المنظمات الدولية التي تنادي بحقوق المرأة تمنح هبات ومنح لكلِّ مَن يُهاجم الإسلام وحضارته وشريعته، وإلا فأين الحقوق التي يتكلمون عنها بل أين حقوق الإنسان الخاصة بالمرأة في الغرب، وألا يعد منع المسلمات في الغرب مثل فرنسا من ارتداء الحجاب بدعوى علمانية الدولة وعدم احترام القانون رغم أن المشروعَ الفرنسي يقرُّ بحرية الاعتقاد والتدين، وهم الذين ينادون بالحرية وحقوق الإنسان في بلادنا، ولكنهم يحاربونها عندهم، فالغرب يكيل بمكيالين في قضايا النساء.

 

إنني أطالب وأدعو المرأة أن تعلم دورها التي خُلقت من أجله، وأن تشارك في حلِّ مشكلاتها الصحية والاقتصادية، وتهتم بالجانب الأخلاقي والروحي وتسعى لمعرفة حقِّ زوجها وأولادها حتى تجد التكريم الحقيقي، كما أطالبها بأن تنبذ العنف الذي تمارسه ضد الرجل بمحاربة القوامة، فالقوامة شُرِعت لأجل رعايتها وتفريغها لرسالتها، وهذه القوامة لا تخل بحقوقها، ولا تحرمها من كرامتها، ولا تنقص من إنسانيتها.

 

وفي النهاية على المرأة أن تعود إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ (النحل).

----------

* باحثة مهتمة بشئون الأسرة المسلمة