سبق لنا بيان أن السنة منهاج عملي واضح وتطبيق جلي ظاهر للإسلام، ورحم الله جيل الصحابة الذين أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وفهموا ذلك.

 

فقد كان صلى الله عليه وسلم يخالطهم في المسجد والسوق والبيت والسفر والحضر، وكانت أفعاله وأقواله محل عناية منهم وتقدير، حيث كان صلى الله عليه وسلم محور حياتهم الدينية والدنيوية منذ أن هداهم الله به، وأنقذهم من الضلالة والظلام إلى الهداية والنور، ولقد بلغ من حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يومًا بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يحدثنا عنه البخاري بسنده المتصل إليه، يقول: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد- وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك).

 

وليس هذا إلا دليلاً على نظر الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة اتباع واسترشاد برأيه وعمله، لما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه، ولهذا كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه صلى الله عليه وسلم بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين" د. مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 56-57.

 

ولقد تيسر للأمة الإسلامية أن تلقت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل الله تعالى ثم بهذه الروح وهذه الجهود التي بذلها الصحابة الكرام في استيعاب الكم الهائل من السنة والسيرة، ولقد نقلت إلينا هذه السنة المطهرة عبر أجيال خيرة أدت ما عليها من واجبات نحو السنة.

 

وقد وفق الله تعالى علماء الأمة أن يحافظوا على السنة "وقام في كل عصر حرَّاسٌ أيقاظٌ، يحملون علم النبوة وميراث الرسالة يورثونه للأجيال، مشاعل تضيء ومعالم تهدي، تصديقًا لتلك النبوءة المحمدية والبشارة المصطفوية "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" رواه ابن حاتم والبزار وغيرهما من حديث أبي هريرة وابن عمر مرفوعًا وهو حديث حسن بمجموع طرقه.

 

إن التاريخ لم يسجل لأمة في حفظ تراث نبيها ما سجل لهذه الأمة الخاتمة". د. يوسف القرضاوي: المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة ص 85.

 

وبقيت السنة المطهرة أمانة في رقابنا- نحن المسلمين- توجب علينا واجبات شرعية وفاءً لعهدنا وإبراءً لذمتنا. فما هي هذه الواجبات؟

 

والمقام هنا مقام تذكير، ومن ثم يناسبه الإيجاز والتركيز، وأجمل القول في النقاط التالية مرجئًا التفصيل لمقام آخر.

 

الواجب الأول: تعظيم شأن السنة:

من علامات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم شأن سنته، رحم الله الإمام أبا حنيفة حين قال: "لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن، ولم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث "السنة" فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا".

 

لقد بلغ تعظيم العلماء لشأن السنة المطهرة حدًّا عظيمًا يجعلنا نطأطئ الرأس خجلاً، كان الإمام مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وهذا سيد التابعين سعيد بن المسيب يذكر حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فيقول "أجلسوني" فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضجع، وذكر عن الأعمشي أنه كان إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم، وكان قتادة لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على طهارة.

 

هذه الروايات أوردها الإمام ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" ص 574.
بل كان الواحد من الصحابة الكرام يسافر من بلد إلى بلد ويقطع الصحاري والوديان مسيرة شهر أو أكثر ليتعلم حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا جابر بن عبد الله الصحابي الجليل يقول: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتعت (اشتريت) بعيرًا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري فأتيت منزله وأرسلت إليه جابر على الباب، فرجع إلى الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج إلى عبد الله بن أنيس فاعتنقته واعتنقني، قال جابر قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه أنا منه فروى له الحديث.

 

ومثل ذلك فعله الصحابي أبو أيوب الأنصاري حين رحل إلى مصر ليقابل عقبة بن عامر، فخرج إليه عقبة فقال له أبو أيوب: حدثنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، قال عقبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر مسلمًا على خزية ستره الله يوم القيامة"- والخزية هي الشيء الذي يستحيا منه- فأتي أبو أيوب راحلته فركبها وانصرف إلى المدينة وما حل رحله.

 

وكان عبد الله بن عباس يذهب إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينام على الباب حتى يخرج الرجل منهم إليه فيحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان سعيد بن المسيب يسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد، بل ورد عنه أنه سافر إلى بلد من أجل حرف واحد.
"جامع بيان العلم وفضله" ص 151 وما بعدها.

 

والأمثلة على هذا النحو أكثر من أن تحصى فماذا فعلنا نحن اليوم؟

إن أحدنا يوجد في بيته كتب حوت السنة ويستثقل أن يمد يديه ليفتح كتابًا يتعلم حديثًا فيعمل به.

 

إن أول الواجبات التي ننادي بها:

"عظموا شأن سنة نبينا صلى الله عليه وسلم".

 

الواجب الثاني: الاتباع:

من علامات محبة العبد لله تعالى إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران).

 

فاتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والسير على منهاجه دليل المحبة له وشارة العبودية الحقة، ودلت الآية الكريمة على اتباع السنة هي سبيل الوصول إلى أن يتفضل المولى عز وجل علينا بمحبته فيحببنا ربنا ويغفر لنا ذنوبنا.

 

اتباع السنة سبيلك إلى رحمة الله, قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)﴾ (آل عمران).

 

اتباع السنة سبب الفوز العظيم، قال تعالي:﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ (الأحزاب).

 

اتباع السنة طاعة لله تعالي، قال عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)﴾ (النساء).

 

اتباع السنة سبب دخولك الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قيل ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.

 

الواجب الثالث: الاحتكام إلى السنة:

فرض الله تعالى على الأمة الإسلامية طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوجب عليهم أن يحكموه فيما اختلفوا فيه وأن يرضوا بحكمه ويسلموا تسليمًا، بل أقسم الله تعالى بذاته القدسية أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم من خلافات ومنازعات ويرتضون حكمه، قال تعالي: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).

 

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾ (النساء).

 

وحين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن قال له: "بم تقضي؟" قال: أقضي بكتاب الله، قال- صلى الله عليه وسلم: "فإن لم تجد؟" قال معاذ: أقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فإن لم تجد؟" قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله" رواه أحمد والترمذي وابن عبد البر.

 

كما أن الله تعالى لم يجعل لمؤمن ولا مؤمنة حرية الاختيار إذا قضى الله ورسوله أمرًا، ولا يسعهما إلا أن يقولوا سمعنا وأطعنا بحكم الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)﴾ (الأحزاب).

 

"وكتب أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- إلى شريح- لما ولاه قضاء الكوفة- (انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح)، وكذلك استمر الصحابة ومن تبعهم بإحسان في الرجوع إلى السنة بعد القرآن لمعرفة ما تعبد الله به عباده من الحلال والحرام وسائر الأحكام في العبادات والمعاملات، واستمر من بعد الصحابة والتابعين فقهاء الأمصار، وأئمة المذاهب المتبوعة وأصحابهم وتلاميذهم، وغدت السنة للجميع المصدر الغني الخصيب في كل أبواب الفقه، والحق الذي لا مراء فيه أن جل الأحكام التي يدور عليها الفقه في شتى المذاهب المعتبرة فقد ثبت بالسنة" د. القرضاوي- المرجعية العليا في الإسلام ص 69.

 

الواجب الرابع: حماية السنة والدفاع عنها:

تتعرض السنة المطهرة- ولم تزل- لمحاولات عديدة تهدف إلى زعزعة الإيمان بها وخلخلة اليقين فيها لدى جموع الأمة الإسلامية، ومع قيام الأدلة على حجية ومكانة السنة النبوية في الشريعة الإسلامية إلا أن شراذم البغي- قديمًا وحديثًا- سددوا إليها المطاعن وأثاروا الشبهات لمرض في صدورهم وخلل في تفكيرهم وشطط في عقيدتهم وما حالهم إلا كحال من نوه القرآن عنه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)﴾ (الصف).

 

وما شأنهم ومحاولاتهم العبثية إلا كشأن من قال عنه الحكيم:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها    فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

د. أحمد محمود كريمة: السنة النبوية الشريفة ص 3.

 

هؤلاء المتطاولون على السنة المطهرة ينفثون سمومهم بين الحين والآخر، فتارة يشككون في رواة السنة ويثيرون الشبهات حولهم، وتارة يعمدون إلى وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرجون لها، راغبين في إشاعة الشك ونشر البلبة الفكرية وإفقاد السنة مصداقيتها حين تطرح هذه الأحاديث المكذوبة.

 

وتارة أخرى يعلن المتطاولون إنكارهم للسنة وعدم الحاجة إليها، وبعضهم يدعي الاكتفاء بالقرآن والبعض الآخر رد السنة كلها ورفض الاحتكام إليها، ولم تسلم السنة من هجمة أخرى استهدفت بعضها للقضاء عليها بالكلية، فهؤلاء يقولون نأخذ ببعض السنة دون بعض، ويردون من صحيح السنة ما يتعارض مع أهوائهم وضلالاتهم فجعلوا هوى النفس حكمًا وقاضيًا على السنة المطهرة، ولم تنته حملات التشكيك في السنة رغم أن علماء الأمة انبروا لمواجهة الحملات الظالمة ودافعوا عن السنة وأبلوا بلاءً حسنًا.

 

وأحب أن أؤكد على أمرين:

الأول: أن حماية السنة المطهرة والدفاع عنها واجب شرعي تأثم الأمة إن تقاعست عنه وتكاسلت، ومن ثم فالجميع مدعو اليوم ليشارك- بقدر استطاعته- في حماية سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراءات والدفاع عنها في وجه الأكاذيب.

 

الثاني: لنا عودة- بإذن الله تعالى- لتلك القضية نفصل فيها الأمر ونجليه وعسى أن يكون قريبًا.

 

الواجب الخامس: نشرها وتعليمها للناس:

ونختم الحديث عن واجبات الأمة نحو السنة بالواجب الإعلامي الدعوي، فالأمة مكلفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبلاغ ونشر السنة، قال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية" رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

 

وعن زيد بن ثابت- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه" رواه الترمذي.

 

ولم تزل أصداء خطبة الوداع تتردد في جنبات الكون تذكر المسلمين بوصية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب عشرات الآلاف من الأمة بعرفات ويوصيهم بقوله: "ليبلغ منكم الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه" رواه البخاري.

 

ولقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يقوم بهذه المهمة الجليلة فيما أخبر به عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- "نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع" رواه الترمذي.

 

إنها دعوة كريمة لكل من أحب النبي صلى الله عليه وسلم ورغب في جواره في الفردوس الأعلى وحَنّ لصحبته في الجنة أن يشارك- قدر استطاعته- في نشر السنة المطهرة، وإعانة الناس على تعلمها ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" رواه مسلم من حديث أبي هريرة.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.

 

---------------

** عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين