عاطف عبد الهادي
صارت الدنيا هيِّنة وحقيرة على النفس، ليس لمقام الآخرة منها فحسب، وإنما لما اعترانا من أزمات طاحنة ومشكلات معقَّدة وعلَل مزمنة وأدواء عصيَّة وتخبُّط أعمى.. طال كل شيء في حياتنا فذهب بطيبات الحياة الدنيا وزينتها.

أخذت أرمق حال الأمة الإسلامية على كافة الصعُد.. شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا، فانقلب إليَّ بصري آسفًا حزينًا قليل الرجاء، دماء أدمت القلوب (إراقتها).. وأشلاء شلَّت الأعضاء (رؤيتها)، ونهب للثروات ذهب بالشعوب المسلمة إلى بحور الهاوية والهلاك.. فضلاً عن بغي ذوي القربى من حكام الأمة وسلاطينها وأمرائها على شعوب طالما استحقت الصدقة..
استبداد وصلف.. ظلم وإساءة.. فقر مدقع.. حرب علنية ضد الإسلام، بطريقة مباشرة كما أعلنها الجنرال الدموي بوش، وغير مباشرة كما هو لسان حال قادة العرب وحكام المسلمين الآن وصار حالنا:
أنَّى اتجهت إلى الإسلام في وطنٍ تجده كالطير مقصوصًا جناحاه
ورغم ذلك آنست بريقًا من الأمل، دعاني إلى دهشة منقطعة النظير.. فهذا العالم الإسلامي (حوالي 55 دولة).. ذلك المدّ الهائل الذي يكتنف أواسط الصين شرقًا إلى أعماق المحيط الأطلنطي غربًا، ومن البحر المتوسط شمالاً حتى أواسط القارة الإفريقية جنوبًا.. هذا المدّ يمتلك من مقومات النهضة والحضارة ما لم ولن يكون لعالَم آخر.
مدٌّ يتجاوز عددُ البشر فيه مليارًا وأكثر من ثلاثمائة مليون؛ بما يشكِّل حوالي ربع سكان الأرض كلها.. هذه القوة البشرية التي تأصَّل في قرآنها وجوبُ إعمار الأرض والمشي في مناكبها.. ما لي أراها أفقر الأمم، ليس كأي فقر بل هو ملتصق بالدعقاء؟!!
جميع مخازن المياه في الأرض.. من بحار وخلجان ومحيطات.. كلها يحتويها القطر الإسلامي.
أين الثروات المائية؟ بل أين حركات التنقل البحرية التي تستدعي وجود سوق إسلامية استهلاكية وملتقى للتجارة؟
أين التواصل الاقتصادي الذي ينتهي بمحو الفقر؟ ذلكم التواصل الثريّ؛ الذي ينشئ سوقًا إسلامية إنتاجية واسعة، تمثل ملتقى للتجارة داخليًّا وخارجيًّا.
أين التواصل السياسي الذي يحافظ على هذا المدِّ الإسلامي من أن يفتك به عدوُّه؟
أين التواصل الاجتماعي الذي يلغي الفوارق الحدودية البغيضة ويُعيد لحمة القلوب إلى سابق عهدها؟
أين التواصل العلمي الذي يرقى بالأمة إلى آفاق أرحب وينهض ليقود قاطرة العالم؟
أين التواصل الدعوي الذي يقضي على كل فتنة تؤجَّج نارها للقضاء على وحدتنا؟
أين التواصل الأدبي الذي يئِد الانحلال في مهده، وينتشل شباب الأمة وفتياتها من رجس الميوعة؟
أين كل هذه الألوان من التواصل، نهاية بالتواصل الوحدوي.. الذي يرفع شعاره
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
أضف إلى ذلك أن العالم الإسلامي مهد الحضارات وموئل الديانات ومستقر التاريخ.
صعَّدت النظر إلى الوراء قليلاً لأذكر يومًا كان العالم فيه حائرًا مضطربًا.. تميد به الفتن، وتتقاذفه موجات الاضطراب يمنةً ويسرةً.. باغيتان كبريان تتجاذبان أشلاء أمة ميتة.. يستبدُّ بالدنيا عقلان مغيَّبان عن الوعي.. أحدهما رومي والآخر فارسي، حتى من كان لهم سابق فضل من وحي السماء نسوا أو تناسوا ما حباهم الله به من فضائل.. فأصبح الحال شرَّ حال.. إساءة جوار.. وأد بنات.. تقطيع أرحام.. أكل للميتة.. فقر مدقع.. كما الحال الآن!!.
إلى هنا كان ضروريًّا وواجبًا- ولا يجب على الله شيء، بل رحمةً منه وتفضلاً- أن يأتي نور السماء ليضيء في الأرض كلَّ ظلماء.. وينتشر هدى القرآن في العالمين، فيفتح قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمَّا، وعيونًا عميًا، ويعمر الكون بمن يسبح بحمد ربه خالق الكون، وتتحقق القاعدة الإلهية الكبرى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ (الذاريات: 56).. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89).
وجاء محمد أهلاً وبشرى، ومنقذًا وهاديًا، ومعلمًا وقائدًا.. فحوَّل القلوب بقدرة الله إلى أوعية صافية، وحوَّل العقول الملوَّثة إلى عقول رائقة، كانت بؤرة رسالته هي إتمام الأخلاق التي هي مرسى الأمم.. "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فأين قادتنا ورؤساؤنا من هذا النبي؛ في خلقه وعدالته وسياسته وقوته وسعة أفقه ورحابة صدره وسرعة بديهته وحبِّه لمجتمعه وتقديره لحرية الآخرين حتى لو اختلفوا معه؟!