الشيخ عبد الخالق الشريف
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111)

ونحن نعيش مع منهج القرآن العظيم في تربية الأمة، ومع الأخذ في الاعتبار ما رواه الأئمة الأعلام عن أسباب النزول، لكننا لا بد أن نلحظ ما اتفق عليه الأئمة أيضًا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا ما كان السبب خاصًّا أو كاشفًا عن أساس التنزيل، أو له من الاعتبار في فهم الآية ما لا يمكن إدراك المعنى إلا به.
فإذا أضفنا لذلك البحث في مختلف الآيات لاستخراج المعاني كان الأمر إلى دلالة الألفاظ والعبارة.
ولكي ندرك المعنى في قوله تعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾، لا بد من البحث حول هذا المعنى، أعني كيف عبر القرآن عن ما يواجه الأمة، وما ينتظرها من أعدائها، وما كُتب عليها من الابتلاءات في هذا الشأن حتى يمكننا إدراك المراد، بدلاً من إفراد هذا الجزء من الآية ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ أو ينظر من يقارن بواقع ما يرى فيرتج ذهنه وتصيبه الدهشة بين ما يقرأ وما يرى.
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة بعد إعلام الأمة بأنها الشاهدة على غيرها، وتحويله سبحانه القبلة بما يفيد قوامة هذه الأمة على البشرية، وبعد بيان فضل بعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم- ومهمته فيهم، وإرشادهم إلى ما يعين على الطريق من الذكر والشكر، والصبر، والصلاة، بعد ذلك يكشف القرآن عن عقبات الطريق ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ (البقرة).
بل نقرأ أيضًا في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة)، وفي سورة آل عمران ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186)﴾ (آل عمران).
بل إن وصف القرآن لحال المسلمين يوم غزوة الأحزاب يلقي بظلاله على الصورة التي نبحث عنها ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)﴾ (الأحزاب).
ولكن آيات أخرى تكشف حقائق أهل الإيمان في هذه المواقف الصعبة ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)﴾ (آل عمران).
وآيات أخرى تبين مزيدًا من الحقائق ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾ (آل عمران)، وفي سورة النساء ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)﴾ (النساء).
من الدراسة نجد ما أوردناه يبين لنا الآتي:
1- الابتلاء سنة الحياة أخبر الله بها الأمة وكشف لها عن أعدائها الذين سيكون منهم ذلك.
2- بين لنا القرآن حال المؤمنين في مثل هذا الصراع، وثباتهم وعدم ضعفهم.
3- أما المجموعة الثالثة من الآيات فهي كاشفة عن سنة التداول، وأن الألم والقرح يمس الطرفين، طرف أهل الحق، وطرف أهل الباطل، ولكن هناك فارقًا كبيرًا أن أهل الحق يطمعون فيما عند الله من أجر الشهداء، وأجر المجاهدين، أما غيرهم فما هي إلا دنياهم.
في وسط هذا كله نفهم قوله تعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111)، على أن إدارك ذلك يحتاج منا إلى قراءة دقيقة لما سبق ولحق هذا النص القرآني حتى ندرك من السياق المراد.
- دعوة إلى تقوى الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾ (آل عمران).
- الاعتصام بحبل الله وعدم الفرقة وألفة القلوب التي هي من نعم الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).
- تقدم فريق من الأمة أو قيام الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران: 104).
- التحذير والنهي عن الفرقة والاختلاف ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (آل عمران: من الآية 105).
- بيان حال الناس يوم القيامة بين بيض الوجوه وسودها (106- 107).
- التأكيد على خيرية الأمة ما كانت آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر الآية (110).
- بيان حال أهل الكتاب لو آمنوا بالله الآية (110)
وتأتي الآية المراد الحديث عنها ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)﴾ (آل عمران).
ثم تكشف الآيات عما وعد الله به هؤلاء:
- ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: من الآية 112).
- ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 112).
- ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ﴾ (آل عمران: من الآية 112).
- ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 112).
الآن نقول حق لكل مشاهد للأحداث أن يندهش، هل هم الذين كتب عليهم الذلة أم نحن؟ هل هم الذين لا يضارون إلا أذى أم نحن؟ إن المقارن يجد نفسه في صعوبة بالغة في فهم الأحداث، ولكن هذه الصعوبة إنما تأتي بسبب فصل آية أو جزء من آية عما سبقها وعما لحق بها، وليس هكذا يفهم القرآن، إنه كل متكامل بعضه يشبه بعضًا، وبعضه يؤكد بعضه، وبعضه يتمم بعضه، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية 82)، ولكنه كتاب أحكمت آياته، ومعانيه متشابهة ولا لبس في ذلك فهو كتاب ﴿لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: من الآية 2).
وهنا لا بد من الإجابة على السؤال:
* هل الأمة تربى الآن على تقوى الله؟
* هل الأمة معتصمة بحبل الله غير متفرقة فيما بينها؟
* هل تقوم الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
أم أننا نشاهد ما يحدث في فلسطين، والصمت هو السيد، ولا نملك سوى الدعاء ورفع الرجاء إلى اليهود الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمةً، نرجوهم أن يخففوا الحصار على أهل فلسطين، وأن لا يقتلوا منهم الأبرياء.
هل حقيقة هي حرب حتى يجوز القتلى فيها؟ هل عند أهل فلسطين سلاح؟ بل هي في الأراضي العربية التي يقولون إنها حررت ما يمكن أهلها من الدفاع عنها؟ هل ما نراه يمثل حقيقة نصرة المسلم لأخيه المسلم؟
أسمع وأرى وأشاهد الترسانات العسكرية الموجودة في البلاد العربية، ضد من ستستخدم؟ هل بعضنا ضد بعض؟ بينما نحن جميعًا سلمًا مع الدولة المغتصبة التي تستبيح أرض الإسراء.
هل أمتنا التي تسبح في بحور الربا، وتستنشق هواء الأغاني الخليعة، وتسير على خطى الأفلام السينمائية، إن معرفة الشباب بأهل الرياضة أكثر من معرفتهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ماذا عن أمة انتشر فيها زنى المحارم، والرشوة، والتعلق بالكفار، والراقصات، وصالات القمار، والإهمال في أداء الأعمال، وغير ذلك؟.
أمة تغلق فيها الكتاتيب، ويضيق فيها على أهل العلم، وتغلق المساجد، ويعتقل فيها أهل التقوى، ويؤذون، ويشردون.
هل الأمة التي تفتح ذراعيها لغير المسلمين ويضيق صدرها بالموحدين، هل هذا كله عندما يجتمع في الأمة فإن عدوها لا يضرها إلا أذى؟
إن الخبر القرآني معلق على ما قبله، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 40)، إنه أمر رباني، ولا يوجد مجاملة على حساب الحق ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7)، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: من الآية 51).
وهنا يأتي سؤال:
قال الله تعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: من الآية 112)، وفي آية أخرى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية 61).
نعم صدق ربي، فقد ضرب على هؤلاء الذلة في كل مكان، ولكن هذه الذلة مشروطة بقوله تعالى ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 112).
لكن ما هو حبل الله؟ يقول الطاهر بن عاشور: "والمعنى لا يسلمون من الذلة إلا إذا تلبسوا بعهد من الله، أي ذمة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولي بأس شديد، وأما هم في أنفسهم فلا نصر لهم، وهذا من دلائل النبوة فإن اليهود كانوا أعزة بيثرب وخيبر والنضير وقريظة، فأصبحوا أذلة، وعمتهم المذلة في سائر أقطار الأرض"، وقال الإمام ابن كثير: "أي بذمة من الله، وهو عقد لهم..... وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، وحبل من الناس: أي أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة.
وإلى هذا المعنى ذهب الأستاذ سيد قطب(1).
وهذا المعنى هو ما تظهره الآية الكريمة، وهو الذي يتسق مع التاريخ وأحداثه المنقولة إلينا، وهي طبيعة اليهود مهما علوا، ومهما تحقق لهم من انتصار جزئي، يقول د. يوسف القرضاوي: "فهذا يدل على أن الذلة مضروبة عليهم أينما كانوا إلا إذا اعتصموا بحبل من الله، فآمنوا حقًّا، أو بحبل من الناس يحمونهم كالأمريكان في عصرنا(2)".
إنني أريد فهم هذه الآية في ضوء قوله تعالى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251) وقوله تعالى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40)، إذن التدافع أمر خلقه الله وأوجده بين عباده لمنع الفساد في الأرض، وهو من فضله حتى لا يصبح ماء الحياة آسنًا، وحتى لا تخرب دور العبادة من الجاحدين لها والنصر في النهاية يتحقق لمن ينصر دين الله، إن كل كتب التفسير تتحدث عن المدافعة وأنها تبقى حقيقة الحياة، ولكن أتساءل: ماذا حين يتحول أهل الإسلام المطلوب منهم الدفاع عن الدين إلى هدم الدين، والتخلي عن تحكيمه، بل يحاكمون ويخلعون رداء الحياء، وتستباح في دور الإسلام المحرمات، ماذا يكون الحال؟ هل يتركون هكذا يفعلون ما يشاءون والدول حولهم ذليلة؟!
لن يرضى الله من المؤمنين عدم نصرتهم لدينه، بل وشيوع المخالفة للدين بينهم، ولن يرضى منهم أن يقيموا شريعة غير شريعته، ويضعوا مادة في دستورهم بأن الشريعة الإسلامية هي المرجع الرئيسي للقوانين وإذا بالقانون يجعل الزنى حقًّا شخصيًّا بالمخالفة الصريحة للقرآن العظيم، ولا عقوبة على الزنى إذا كانت بالغة غير متزوجة وتم ذلك برضاها دون عوض مادي، هذا هو القانون الفرنسي لا القانون القرآني.. نعم إن المدافعة(3) ستؤدي إلى نصرة المسلمين، لكن بعد الإفاقة للخير الذي تركوه، وللطريق الذي أهملوه، يقول د. عبد الستار فتح الله سعيد عن قوله تعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ (آل عمران: من الآية 112) الآية الكريمة أظهرت أمرين: (1) أن هذا الحكم قد ضرب عليهم في كل مكان يحلون فيه، أو في كل قتال يشتبكون فيه مع المؤمنين ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، (2) يحدث أحيانًا استثناء تقتضيه حكمة الله تعالى وعلمه المحيط، فيمدهم بأسباب منه، أو من بعض الناس، ليتم سبحانه وتعالى أمرًا ما في أرضه وخلقه!!، وهذا واقعهم المكرر رغم امتلاكهم المال، والنفوذ، وتلاعبهم بأسرار الأمم، وأسعارها، وأسواقها، فهم لا يرفعون رؤوسهم (إِلا بِحَبْلٍ ما، وقد رأينا مصداق ذلك في حماية دول الطغيان العالمي لهم مثل: إنجلترا، ثم أمريكا، وروسيا إلا أن يأتي وعد الله عز وجل، وإنه لآتٍ لا ريب فيه بإذن الله!!، وهو كما قلنا (استثناء) إلى حين، ولأمر حكيم، وأول حِكَمِه الظاهرة تأديب المسلمين الذين خانوا أمانة الوحي، واتخذوا هذا القرآن مهجورًا(4)".
في ضوء هذا كله ندرك قوله تعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111).
1- فإذا كنتم على حقيقة الأوصاف السابقة لهذه الآية، فلن يتمكنوا منكم لأنكم على الحق، ومعكم وعد الله بالنصر.
2- إذا تخلفتم عن ذلك، فاعلموا أنكم السبب في أن الذلة التي ضربت عليهم وإن كانت في قلوبهم، وفي حقيقتهم، لكن ظاهرًا سيتغير أمرها بسببكم معاشر المسلمين، وبدلاً من الحماية التي لكم حين تتمسكون بالحق، تجري عليكم السنن الكونية، وإذا بهؤلاء الذين كتب عليهم الذلة يجدون العون من أوليائهم، حتى إذا ما استيقظتم من غفلتكم، عاد لكم ما كنت عليه، وظهرت عليهم الذلة التي وصفوا بها.
3- وهم على كل حال ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ (آل عمران: من الآية 111)، فإذا أصابكم سبب تخاذلكم عن دين الله فهو إلى جوار ما كانوا يتمنونه ليس إلا أذى، ما كنتم على الحق وإن تكاسلتم، وما كنتم على الإسلام وإن خذلتموه في نفوسكم، فالكفر أمر آخر.
4- إن ما يحدث لكم من إيذاء هو أمر هين في سبيل الإفاقة، أشبه ما يكون بالدواء المر الذي يأخذه المريض لتعود له صحته، أو بالعضو الفاسد الذي أصابه آفة خطيرة، فيقطع ليبقى باقي الجسم صحيحًا.
5- ولنقرر هنا أن الأمور يختلف النظر إليها بحسب الرائي، ولكن الحقيقة التي يكشفها القرآن ويبينها ستبقى هي الحقيقة، فإذا تم الحصار على أهل فلسطين، تألمنا، وفي وسط ذلك تستيقظ أحاسيس الأمة، وينشط المفكرون، وتجتمع كلمة العلماء، ويحدث خير هو آت بإذن الله، ولن تضيع هذه الدماء الزكية، ولا هذه الدعوات التي ترفع إلى الله في جوف الليل وصدق ربي ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية 120).
اللهم أعد أمتنا إلى شريعتك، وانصر جندك المخلصين في كل مكان يا رب العالمين، وانصرنا على نفوسنا، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا.. اللهم آمين.
--------------------
المراجع:
1- في ظلال القرآن صـ449 للشهيد سيد قطب.
2- القدس قضية كل مسلم صـ99 للدكتور/ يوسف القرضاوي.
3- راجع في تفاصيل المدافعة د. عبد الكريم زيدان في كتاب السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية.
4- معركة الوجود بين القرآن والتلمود. د/ عبد الستار فتح الله سعيد صـ172
------------
* أحد علماء الأزهر الشريف