صلى الله عليك..
تسلِّمُ عليك البشرية وتقول:
رأيتُ بك بدرًا على الأرض ماشيًا ولم أر بدرًا قطّ يَمشي على الأرض
علمتَنا كيف تتحول الأخلاق من سطور الكتب إلى صفحات الحياة، فكنتَ قرآنًا يمشي على الأرض؛ جاء ليتمم مكارم الأخلاق، فيُحيي ما مات منها، ويجدد ما بلي منها، بل كنتَ المعجزة الأخلاقية التي تتحرك بين الناس، إذْ اشتملت بين جوانحك جوامع الأخلاق الكريمة، والسجايا العظيمة، والشمائل السجيحة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).
صلى الله عليك..
المعجزة الأخلاقية تلك المتمثلة في شخصك الكريم، التي لم نرَها في أي سيرة من سير العظماء عبر التاريخ، فإذا ما درسنا سيرة أحدهم رأينا التفوق في جانب والتقصير في جانب آخر، بَيْدَ أن سيرتك يا خاتم الأنبياء- صلى الله عليك- أبانت صفتي "التكاملية" و"الشمولية"؛ التكاملية من حيث كون كل خُلقٍ من أخلاقك كاملاً ومتسقًا؛ يعني بلغتَ الذروة في كل خلق على حدة.. يعني- مثلاً- بلغت صلى الله عليك قمة الرحمة وفي نفس الوقت بلغت قمة العدل، علمًا أن خلقي الرحمة والعدل من الصعب أن يجتمعا في نفس إنسان بالتمام والكمال، والشموليةُ؛ من حيث اجتماع جماع الخير فيك- صلى الله عليك- فنجد فيك كل خصلة كريمة، وكل خلة طيبة، وكل صفة حميدة.
صلى الله عليك..
استطعت- على سبيل المثال- أن تضرب المثل الأعلى؛ كزوج ناجح تجمعُ بين الرحمة والعدل بين تسع نساء؛ فيهن البكر والثيب، والكبيرة والصغيرة، والجميلة وغير الجميلة، والقرشية وغير القرشية، والخزاعية والكندية والكلابية، وابنة اليهودي وابنة النصراني، وابنة الوثني وابنة صديقك، كعائشة وابنة عدوك كصفية بنت حيي بن أخطب.
استطعت- صلى الله عليك- أن تُقيم العدل والرحمة في بيتك الطاهر على الاختلاف الشديد والتباين الشاسع؛ في طباعهن وأصولهن وخلفياتهن الثقافية رضي الله عنهن.
صلى الله عليك..
رأينا في سيرتك الكريمة مثال المصلح الاجتماعي؛ الذي تهفو إليه أفئدة المجتمع من حوله، يهرع الناسُ إليه يكشف عنهم كرباتهم، تصل الرحم، تحمل الكل، تقري الضيف، تُحسن الجوار، تفك العاني، تطلق الأسير، تضاحك المسنّ، تكفل اليتيم، تسعى على الأرمة، تصلح بين المتخاصمين، تُعين على مصائب الأيام، تسعى في حاجات الإخوان، وفوق ذلك أكرم الناس، وأشجع الناس، وأحلم الناس، وأصدق الناس، وأفصح الناس، وأعلم الناس.
صلى الله عليك..
رأينا في سيرتك الميمونة أنموذج الحاكم المسلم، العادل، الشجاع، والفقيه السياسي، والعالم الاجتماعي، والمقتل الهِبْرِزِيُّ، ويكادُ الباحث أن يجزم أن السمة الغالبة على سيرتك بعد سمة النبوة هي سمة الحُكم، والحُكم الرشيد؛ الذي يستنير بنور النبوة.
وجعلت من سيرتك- يا عَلَم الهدى- باقةً من المواقف التي تؤكد أن الدين والدولة صنوان، وأن العقيدة والشريعة أخَوَان، وأن الإيمان والحُكم هما شعاعان من قبس واحد، بل من مشكاة واحدة، في كوة واحدة.
صلى الله عليك..
غابت سير العظماء وبقيت سيرتك، فهي سيرة النبي الخاتم، وهي سيرة المسلم الأول، والمصلح الأعظم، والحاكم الأعدل.. رأينا في سيرتك الأنموذج الأمثل للجماعة الدعوية الناجحة، والصورة الكاملة للدولة الإسلامية الناجعة.. صلى الله عليك.
في سيرتك المنهج القويم لإعداد الرجل المسلم والمرأة المسلمة والطفل المسلم.
في سيرتك المنهج السديد لإعداد الأسرة المسلمة والبيت المسلم والعائلة المسلمة.
في سيرتك المنهج الحكيم لإعداد المجتمع المسلم والشَعب المسلم والأمة المسلمة.
في سيرتك المنهج السليم لإعداد الحكومة المسلمة والدولة المسلمة والتحالف الإسلامي.
في سيرتك المنهج الحصيف لإعداد الخلافة الإسلامية والقانون الدولي الإسلامي والحضارة الإسلامية الرائدة الظاهرة.. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).
صلى الله عليك..
ما أطيب سيرتك! وما أطهرها تلك التي طهَّرتْ نفوسنا، وأحيَت قلوبنا، وحرَّكت جوارحنا، وأرسلت هداها؛ تنثره، أراجيزَ وأزاهيرَ، هنا وهنالك وهناك.. أرجوزة في التربية، وأرجوزة في الجندية، وأرجوزة في الحاكمية، وأراجيز وأراجيز..
صلى الله عليك، وجزاك الله عن البشرية خير الجزاء، قدر ما علَّمتها العلم والأخلاق والحضارة!.
--------
* كاتب وداعية مصري، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، المشرف العام على موقع (نبي الرحمة)- yakoote@gmail.com