لا يختلف عاقلان في أننا نعيش هذا العهد، عهد الحكم المباركي والحزب المسمى الحزب الوطني الديمقراطي، حزب الأغلبية (!!)، نعيش- نحن المواطنين- تحت وطأة كوارث شاملة أصبحت أكثر من أن تعد، في مجالات السياسة، والاقتصاد، والإسكان، والصناعة، والمرافق العامة، ولم نجد من الحزب الحاكم واحدًا على مستوى الوزراء أو مجلسي الشعب والشورى يقول كلمة حق في نقد أي وضع من الأوضاع الساقطة، فكل ما يراه الحاكم الأعلى وحواريوه هو الحق المطلق، أما من ينقد بكلمة صدق فيعتبرونه عدوًّا من أعداء الوطن، يحاول أن يسيء إلى "أزهى عصور الديمقراطية" (!!!)، ويحاول أن يوقف مسيرة التقدم التي يقودها المحروس جمال مبارك ولجنة السياسات، وأصبحنا نسمع شعارات مهترئة تناقض الواقع تمامًا مثل: "مصر بتتقدم بينا، والعبور الأول، والعبور الثاني"، ويقف المواطن حائرًا مذهولاً أمام هذه الشعارات الغريبة.

 

وللأسف الأسيف نجد من الصفوتيين والعزيين والشهابيين من يتبجح ويدافع عن الفساد الضارب في أعماق الحياة المصرية، ويهمني في هذا المجال مسألة التعليم الذي سقط في كل المراحل، وأصبح مجالاً لإجراء تجارب فجَّة ساقطة حتى أصبحت الجامعات عندنا متخلفة بكثير جدًّا عن جامعات العالم الثالث.

 

*****

ومن العبث المؤسف المخزي أن يكتب (الأهرام) في الصفحة الأولى تحت عنوان: الحكومة تكسب دائمًا حتى في الرياضة..

 

".... أول عيد للرياضة كشف أمس عن أن رئيس مجلس الوزراء لاعب غير عادي في أكثر من رياضة‏.

 

قاد الدكتور نظيف فريقًا من الوزراء في مباراتين لكرة القدم‏,‏ والكرة الطائرة مع كبار مسئولي الاتحادات الرياضية‏,‏ وعدد من نجوم اللعبتين‏.‏ نتيجتا المباراتين جاءتا اكتساحًا لمصلحة رئيس مجلس الوزراء وفريقه‏، في الكرة الطائرة فاز فريق الدكتور نظيف‏ 2/‏ صفر؛‏ حيث تغلب في الشوطين 15/7  و15/11,‏ وسجَّل رئيس مجلس الوزراء وحده أكثر من عشر نقاط‏، وفي كرة القدم‏,‏ جاءت النتيجة 6/5 لمصلحة فريق الدكتور نظيف الذي أحرز هدف الفوز من ركلة جزاء، أما في الجري فحدث ولا حرج‏,‏ فقد قاد الدكتور نظيف الجموع في بداية الاحتفال بعيد الرياضة لأكثر من نصف ساعة تقدَّم خلالها جميع الصفوف‏". (الأهرام- الأربعاء 4 مارس 2009).

 

وكم كنا نتمنى أن يسجل "الكابتن" نظيف كسبًا واحدًا في مواجهة كارثة واحدة من الكوارث التي حلَّت وتحل في عهده "الزاهي النظيف"، وخصوصًا كارثة التعليم، وتخلف الجامعات المصرية، ولكن يظهر أن الكابتن لا وقت عنده.

 

وفي سياق التخلف الجامعي يقفز إلى ذهني وقعة الطالب الجامعي الذي كتب لإدارة الجامعة يطلب قرضًا يُقسَّط على أشهر العام الدراسي، ومما جاء في طلب القرض العبارات الآتية: "أرجوا من ادارت الكلية منحي قرد، يقصت على شهور العام الدرسي". وصحة ما سقط فيه الطالب (أرجو من إدارة الكلية منحي قرضًا يُقسَّط على أشهر العام الدراسي).

*****

وأخطر ما نراه الآن في ساحة التعليم أن القائمين عليه يفسدون طبيعته التربوية، والتعليمية، والسلوكية، والفكرية، بدفعه إلى أداء رسالة في النفاق الخسيس، مما يهدد أخلاقياتنا، ورصيدنا العَـقَـدِي بالخطر الماحق، ففي امتحان الصف الأول الثانوي في مادة التربية الفنية بمحافظة شمال سيناء- مدرسة العريش الثانوية للبنين- في امتحان نهاية الفصل الدراسي الثاني 244/2005م، جاء سؤال التعبير الفني بالنص الآتي:

 

أولاً- التعبير الفني:

تشهد الأيام القليلة القادمة منعطفًا خطيرًا في مصر للرؤية المستقبلية للشعب المصري لتحديد الأهداف والأولويات لتحسين حياة الفرد، والرئيس حسني مبارك قائد له تاريخ مستمر،
واستطاع أن ينقل مصر نقلات حضارية في الاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والثقافة، والزراعة، والاستقرار، والأمان، وحرص على عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود، وسعى لتحسين أحوال المعيشة ووضع خططًا خمسية متتالية لازدهار التنمية، وحرص على إقامة مدن جديدة، ومشروعات ضخمة مثل: (توشكى- شرق العوينات- وترعة السلام) لرفع معيشة أبناء الوطن فلا يحتاج الرئيس لدعاية انتخابية والكل سيقول كلمته (نعم) يوم الانتخابات للرئيس مبارك.

 

عبِّر بقلمك وألوانك عن أحد المشاهد التالية:

1- مشهد من مشاهد التأييد للرئيس مبارك في الشوارع، أو داخل اللجنة الانتخابية.

2- مشهد من مشاهد الإصلاح، والخدمات في مصر على يد الرئيس مبارك.

 

ثانيًا- التصميم الابتكاري:

داخل مستطيل مساحة 30 سم × 15 سم.

- صمم شعار تأييد للرئيس مبارك في الانتخابات القادمة مستخدمًا الرموز المناسبة.

- على أن تكتب عبارة "نعم لمبارك" داخل التصميم.

(استخدم الألوان التي تناسب الشعار).

******

ونمضي بعد ذلك بثلاث سنوات لنرى فضيحة عاتية جديدة من فضائح حكومة أحمد نظيف، إذ قامت الإدارة التعليمية بمنوف بمحافظة المنوفية بالدعاية والترويج لأفكار الحزب الوطني، وذلك من خلال وضع سؤال إجباري في سؤال التعبير بمادة اللغة العربية للصف الأول الإعدادي بامتحانات نصف العام؛ حيث كان نص السؤال: اكتب لأستاذك برقية تهنئة لفوزه بأمانة الحزب الوطني عن دائرته.

 

******

وحتى يسلم معروضي وحكمي, أتحدث عما سرته, وعشتُهُ بنفسي, فهو تصوير لحالات عامة, وإن اتخذ الذات منطلقًا: بعد قضائي ثلاث سنين في المدرسة "الإلزامية" التحقت بالصف الأول من المدرسة الابتدائية الأميرية (وهو وصف يلحق كل مدرسة حكومية أي غير خاصة (في بلدتي "المنزلة- دقهلية", بعد نجاحي في اختبار تحريري, من لم يوفق فيه يلتحق بالمدرسة الخاصة الوحيدة في البلد.

 

كان ذلك عام 1945, وكانت المرحلة الابتدائية أربع سنين, حصلت بعدها على "الشهادة الابتدائية", وبعدها التحقت بالمدرسة الثانوية الأميرية لأحصل بعدها على شهادة اسمها "الثقافة العامة" ويبدأ التخصص في السنة الخامسة, فاخترت شعبة (الأدبي) لحبي الشديد للأدب واللغة العربية. مع أن والدي كان حريصًا على أن ألتحق بالشعبة العلمية حتى ألتحق بكلية الطب, وأتخرج طبيبًا, فلم يكن في البلد إلا طبيب واحد هو الدكتور يوسف باشا رحمه اللّه.

 

لقد بدأت دراستي الابتدائية في العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية وانتهيت من دراستي الثانوية بعد قيام "الميمونة" بعام واحد, وكانت عيني على "دار العلوم" التي بدأت تقبل الحاصلين على الثانوية العامة (وكان يطلق عليها التوجيهية) زيادة طبعًا على الحاصلين على الثانوية الأزهرية, ولا قبول إلا بعد امتحانات تحريرية وشفوية قاسية, اجتزتها بحمد اللّه, مع أنه لم يوفق إلا نصف العدد المتقدم.

 

نظرة.. للاعتبار

وفي السطور الآتية ألقي بعض الضوء على طبيعة المرحلتين الابتدائية والثانوية, وأبعاد واقعهما, وآلياتهما اعتمادًا على نظرة, بل معايشة ميدانية فعلية كما أشرت آنفًا, وذلك قبل قيام "الميمونة":

 

1- كانت المدرسة تشغل مبنى أُسس, وبُني ليكون مدرسة, وكان الملعب الواسع, من أهم مرافق المدرسة, وفيه تعقد المباريات, والحفلات, ويصطف فيه التلاميذ.

 

2- كان الطالب يدفع في بداية كل عام "مصروفات مدرسية" ضئيلة, ويعفي منها الفقراء من الطلاب, وكان ما يدفعه الطالب أقل بكثير جدًّا مما يدفعه الطالب حاليًا مقابل "حصة واحدة" في درس خصوصي.

 

3- كانت الإنجليزية تدرس ابتداءً من السنة الأولى في المرحلة الابتدائية. أما الفرنسية فتدرس ابتداء من المرحلة الثانوية.

 

4- كان المدرس معلمًا, أستاذًا, عالمًا بكل معنى الكلمة, فالمرحلة الابتدائية يتولى التدريس فيها الحاصلون على مؤهلات عالية من خريجي دار العلوم والأزهر, والجامعات.

 

 - وكان العصر, هو عصر "النُّظار العظام" بحق: كان ناظر المدرسة "شخصية" ذات هيبة, وعلم, ومكانة وثقل في كل الأوساط, ولا يخاطَب إلا بـ"فلان بيه"، وأذكر من هؤلاء الأساتذة: السيد الخباطي, ومحمود الهجرسي, وأحمد السلكاوي, وإمام ناصف.

 

6- لم نكن نعرف- في كل المراحل- ما يسمى بالدروس الخصوصية, ولا حتى مجموعات التقوية المدرسية, فالعملية التعليمية كانت تسير في طريقها السوي الطبيعي السديد.

 

7- كان الشعور الجاد الصادق بالمسئولية يسيطر على المدرسين, فيؤدون أعمالهم بإخلاص وحماسة, وامتد هذا الشعور إلى الطلاب, فلم يكن هناك وقعات غش إلا نادرًا.

 

8- كانت نتائج الامتحانات تمثيلاً صادقًا لقدرات الطلاب وتحصيلهم؛ لأن الأساتذة كانوا يلتزمون الدقة في "تصحيح أوراق الإجابة", زيادة على إخلاصهم في العطاء والعمل.

 

9- كانت أيام الامتحانات- بصفة عامة- وامتحانات الشهادات (الابتدائية- الثقافة- التوجيهية) بصفة خاصة- تمضي كبقية الأيام, دون رهبة أو "طوارئ" أو حرق أعصاب.

 

بين الأمس واليوم

تلك كانت أهم ملامح الواقع التعليمي قبل الميمونة. فما ملامح هذا الواقع بعد قيام الميمونة (1952م) وأسهّل الإجابة على القارئ, وأطلب منه أن يسجل عكس الملامح التسعة السابقة ليفوز بملامح هذا الواقع التعليمي الذي نعيشه الآن:

 

- فالمدارس أُلغي منها الملعب لتزرع بحجرات الأسمنت, وكثير من المباني مهترئ يهدد حياة التلاميذ. وأصبحت الدروس الخصوصية هي الأساس, والمدرسة هي الاستثناء, والطالب يكلف أسرته آلاف الجنيهات لهذه الدروس, وعليها أن "تحجز" لابنها مكانًا عند الأستاذ قبل بداية العام بأشهر, وبعض الأسر تستدين أو تبيع بعض الأثاث أو "حلي" الزوجة أو البنات من أجل الدرس الخصوصي، و"الأستاذ" يرفض دائمًا أن يُعطي الدرس إلا "لمجموعة", وانتهت أيام الدرس الخاص لطالبٍ بمفرده لأن الحصيلة تكون تافهة, لا تقنع الأستاذ, وكأنه المقصود بقول الشاعر:

كالحوت لا يرويه شيء يَطعمهْ = يصبح ظمآن وفي الماء فمهْ

 

******

ومن الصعب علي أن أنسى ذلك اليوم من شهر يونيو, كان الجو حارًّا خانقًا, والرطوبة تكتم الأنفاس, وأنا في مكتب موظف كبير بالجيزة لإنجاز عمل خاص بي يتطلب إجراءات معينة, وفجأة دخل علينا واحد من أصدقاء- أو زملاء- الموظف الكبير, ودار بينهما الحوار التالي:

- هيه.. عملت إيه يا "فلان"؟

- ولا حاجة.. مفيش فايدة.. عجزت تمامًا عن "الحجز".. قال لي: لقد تأخرت كثيرًا.. ولا مجال للحجز.. العدد "فُل".. كامل، لا يحتمل أي زيادة..

- طيب يا أخي حاول معه مرة ثانية.

- وثالثة ورابعة، لعل وعسى، حتى لو أدى الأمر أبعت له طوب الأرض..

- ربنا معاك.

وانصرف الضيف.. والفضول يستبد بي, ووجدتني تلقائيًّا أتوجه بالسؤال إلى الموظف الكبير الذي كان يتحدث إلى ضيفه والأسى يغمر وجهه ونبراته:

- هيّ الشقق دي موقعها فين؟ وإيه مزاياها حتى يحزنك عجزك عن "حجز" إحداها؟

- شقق إيه يا سيدي؟ لا شقق، ولا عمارات، أنا بتكلم عن "درس خصوصي" في الرياضيات عند الأستاذ (.....)

- درس خصوصي؟!!

- نعم.. وإحنا في شهر يونيو.. وبنتي ستكون في العام المقبل في السنة النهائية من المرحلة الثانوية، والأستاذ معروف بشهرته وتمكُّنه من مادته، وجداوله المستقبلية كلها كاملة العدد.

 

وقصَّ على صاحبنا أن هذا الأستاذ "ماشي" في دروسه الخصوصية بطريقة "المجموعات"؛ المجموعة من عشرة طلاب، والدرس لا يزيد على "ساعة", وعلى كل تلميذ أن يدفع بعد انتهاء الحصة مباشرةً "ثلاثين جنيهًا"، يعني ساعة هذا الأستاذ بـ"ثلاثمائة جنيه"، وتخرج هذه المجموعة لتأتي مجموعة أخرى، وهكذا، والعمل من الرابعة مساء إلى الثانية من صباح اليوم التالي.

- ومكان الدروس الخصوصية؟!

- الفيلا التي يملكها سيادته.

- وعيون المسئولين..؟!!

- قلبك أبيض، أبيض قوي.

- على كل حال، ربنا معاك، ويمكّنك من "الحجز" قريبًا إن شاء الله.

 

*****

- أما مستوى المدرس فالحديث عنه أصبح من قبيل إهدار الوقت والكلمات.

- وكارثة الكوارث نراها في "تطويع" المناهج تبعًا للإرادة والهيمنة الأمريكية. ونحن نعلم أن الإمبراطور بوش هو صاحب نظرية "تجفيف المنابع", وهي حقيقة لا تحتاج إلى شرح وتوضيح.

- ومن فضول القول كذلك أن أتحدث عن المستوى العلمي للطلاب والمتخرجين.

 

ولا تسألني عن العلاج.. فعرض بعض خطوط العلاج لا يتسع له مقال, ولا أكثر من مقال، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

*****

وما قدمته يعتبر مجرد إلماع إلى كارثة نعيشها في مجال التربية والتعليم، وأكرر القول بأنه مجرد إلماع للسقوط الذي هوى إليه أهم مرفق من مرافق الدولة وهو التربية والتعليم الذي أصبح يحتاج إلى تربية وتعليم، ولم يعد بالغريب أن تصبح الدروس الخاصة في بيوت الأساتذة هي الأصل، أما المدارس فأصبحت هي الاستثناء. وقد اقترحت في مقالٍ سابقٍ أن تُغلق الدولة المدارس، وتوزع الطلاب على بيوت الأساتذة ليتلقوا تعليمهم، وأنا أؤكد أن النتيجة ستكون أفضل، أو أقل سوءًا من الوضع القائم الآن، وآمل أن أبسط هذه الفكرة مفصلةً في مقالٍ قادم بمشيئة الله.

----------

* Komeha@menanet.net