د. إيهاب فؤاد

 

كتبتُ يومًا عن سيوفنا المكسورة، وأصواتنا المبحوحة، وما زلت أصرُّ على أن سيوفنا أطول من قاماتنا، وضجيجنا أعلى صوتًا من أعمالنا، نقاتل بمنطق الربابة، وننفخ الأوداج بالطنين، ونتسلق الأسوار بالنعيق والتصفيق، لا نكاد نفيق حتى تتوه عقولنا، ولا نكاد نُفكِّر حتى نفقدَ مساراتنا، ولا تكاد شموعنا تُضيء حتى تخبو أنوارنا، إنها مأساة أمتنا التي أطاحت بنا، وجعلتنا أثرًا بعد عين، تُهنا في دهاليز المشاكل، وتخبطنا في مسارات الحياة، وقادنا أقوام كنا من قبل نسوسهم، اختفت على خارطة العلم آثارنا، بصمتنا أصبحت باهتة بفعل التخلف الذي امتطينا صهوته، لم يعد لنا سوى صدى أصوات لا يُقاَم لها وزن ولا يؤبه لها، تعجبتُ من سؤالٍ حائرٍ أين المسلمون؟ سؤال لو سأله كل مسلم لنفسه وبدأ بها.. أين أنت؟ ماذا قدمت لهذا الدين؟ ماذا قدمت لأمتك، لوطنك، لإخوانك، لذويك؟ أين بصمتك في حياتك؟

 

لماذا تخلينا عن المسئولية وألقينا بها على أعتاق غيرنا؟ أين العامل المسلم في مصنعه، والتاجر المسلم في متجره، والطبيب المسلم بين مرضاه، والعالم المسلم في محرابه؟ أين الأم المسلمة في بيتها، والأب المسلم بين رعيته؟ والحاكم المسلم بين شعبه؟ لماذا نتهاون في وقفة الحساب، لماذا انتشرت بيننا رذائل الأخلاق، وتوارت خجلاً أخلاق كنا نتزين بها؟.

 

في كل عام يطلُّ علينا المستشار جودت الملط بحقائق كفيلة بأن تهزُّ ممالك، وتذهب بحكوماتٍ وهو يحصي ما ارتكبته يد الحكومة من أخطاء ومخالفات تظن معها أنها ستزول بمجرد أن ينتشر الخبر بين الناس، وأن تعرف الحقائق، يقف المجلس المُوقِّر على قدم وهو يناقش، والوزراء يذبون ويدافعون، والحقائق أوضح من الشمس في رابعة النهار، وبعدها تهدأ العاصفة وكأن شيئًا لم يكن، ولا يحاسب أحدًا، ولا يُقال وزير، ولا تسقط حكومة ويمرر المجلس كعادته، أتساءل لماذا كانت الضجة أصلاً، ؟ لقد انكشف المستور والمنطقي أن تتبعه إجراءات، لكن لا شيء من هذا القبيل يحدث، هذا الذي يجعل الناس يفقدون الأملَ في التغيير، ويعتبرون الإصلاح كمحاولةِ الإمساك بخيوط الشمس.

 

حين ينكشف الفساد، ويتعرى وجه المفسدين فإنَّ الطبيعي أن يُحاسب المسئول عن جريمته، وأن يحاسب المفسد على فساده، إنَّ مثل هذا إذا حدث كفيل بأن يغير دفة الشعب الطامح إلى أن يرى يومًا مسئولاً بعد انتهاء ولايته يحاسب على ما اقترفت يداه، إنها أمانة يستحق أن يُسأل عنها في الدنيا قبل أن تطول وقفته في الآخرة.

 

لهذا كله تخلفنا، وتأخَّرنا؛ لأننا ننادي بما لا نجده واقعًا ملموسًا في حياتنا؛ لأن المسئولَ يعيش في برج محصن بينه وبين الرعية بون شاسع، وسد منيع، يحميه القانون، وتمنعه السلطة، وترفف له أعلام المرتزقة والمتسلقين لكن العجبَ أن كل ذلك ينهار في لحظة حين يتغير مكانه، ويتبدل حاله، فلا أعلام، ولا وزفة، ولا مرتزقة، ولا يبقى على الجبين سوى ما قدَّم والتاريخ يحصي كل ذلك ولا ينساه.