د. إيهاب فؤاد

قد يكون الحسد سمةً من سمات البشر الذين ضَعُفَ إيمانُهم، وقَلَّ اعتمادُهم وتوكُلُهم على خالقهم، لكن أن يمتدَّ إلى حسد الكائنات فهذا لعمري قد يكون عجيبًا.

 

نعم إنني أحسد ذلك العصفور الذي يحلِّق في السماء، ضاربًا بجناحيه، متحللاً من كل القيود الأرضية، ومُعلنًا عن حياة يعيشها لا يقاسمه فيها أحد، ولا ينغصُّ عيشه حبس للحرية التي يعشقها، يحلق فوق هامات البشر، بل وربما سَخِرَ من أولئك الذين فصَّلوا القوانين، مُدَّعين زورًا وبهتانًا أنها من أجل البشر، وإذْ بالقوانين أغلالٌ تقيد الحرية، وتُجرِّد الإنسانَ من إنسانيته التي أرادها الله تعالى له، وتحرمه من أبسط حقوقه في أن يعيش حرًّا طليقًا، حيث كون الله الفسيح، وفضاء الله الرحب الذي يتسع للقاصي والداني.

 

نعم أحسد ذلك العصفور الذي لم تمتد إليه يدٌ لتغلق عليه بابًا، أو تضع في يديه قيدًا، يسعى في أرض الله، وينعم في ملكوت الله، ربما كانت الحرية معنًى لا يفهمه البشر كما تفهمه الكائناتُ الضعيفة من الطيور، فبعضها قد تموت بسبب حبس حريتها، وبعضها قد يموت بسبب التفريق بينه وبين إلفه، أمَّا في دنيا البشر فحرية الإنسان وفق الأهواء والمصالح العامة.

 

الحرية لا يفهمها إلا أصحابُ النفوس الحرة، الذين يأنفون العيش دون مستوى بشريتهم، إنهم أصحاب نفوس عزيزة يرون الحياة في الحرية والعزة، ويرون أنَّ راحتهم رهنٌ لراحة أمتهم، إنهم أصحاب قضايا، يرون الحرية أثمنَ من الطعام وأعزَّ من الشراب حين تجدب الأرض وينقطع المطر، يرون القوةَ في اللجوء إلى الله وفي تحقيق الحرية لأمتهم وسيادتها، فالحرية أن نعيش أحرارًا؛ حيث لا رقيبَ يحصى تحركاتنا؛ وحيث لا سجان يغتصب أوقات راحتنا، ويسرق أثمن ما وهبنا الخالق، إنها غالية ولهذا فهي تستحق أن نضحي من أجلها، وأن نقدم في سبيلها كلَّ غالٍ ورخيص، فالحر يستطيع أن يفعل الأعاجيب.

 

نريد لأمتنا أن تسترد مجدها السليب ولن يكون ذلك إلا بالحرية، وكل أمة تريد أن تحيا، وأن تحافظ على بقائها لا بد لها من الحرية التي تصنع الأسوياء؛ لأن الديكتاتورية لا تولد إلا تخلفًا، ولا يجني أصحابها إلا مقتًا وكراهية، ولعنات تصحبهم حتى في قبورهم، فإما أن نحيا أحرارًا ونعيش حياة الأحرار وإلا فباطنُ الأرضِ خيرٌ لنا من ظهرها، إنني أتعجب من أولئك الذين يطأطئون الرءوس، ويحنون الجباه لغير الله، ويبيعون حريتهم بطعامهم، ويُفرِّطون في سيادتهم ليحافظوا على كراسيهم، ويفرطون في بشريتهم بثمنٍ بخس، وما هي إلا أيامٌ وينفض العرس، فالمقام في الدنيا قليل وإنْ طال، ومحدودٌ وإن اتسع.

 

لقد جعل الإسلام الحرية حقًّا من حقوق الإنسان الطبيعية وبدونها لا قيمة لحياته وإنْ بدا أنه من الأحياء، فالتنفس، والطعام، والشراب، والزواج، والكلام لا يعنى أنَّ الإنسانَ حيٌ، فكثيرون يدبون الأرض وهم من الأموات، وكثيرون تركوا الأرض وما عليها لكنهم بيننا أحياء، فحين تُسلَب الحرية من المرء يفقد حياته؛ لأنها ببساطة تعني وجود الإنسان، وتعني أن للإنسان قيمةً، ولقد منحها الإسلام للإنسان، منحه حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية التملك، وحرية الحركة، ومَن يُعطلون تلك الحرية إنما يحرمون أصحابها من الحياة.