الصورة غير متاحة

 الشيخ عبد الخالق حسن الشريف

 

قال تعالى ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3).

 

اليوم نعيش مع هذا المشهد المهيب، فقد نادى المنادي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سيحج هذا العام، ما أسعدنا سنحقق أمرين معًا، سفر للحج فنؤدي هذه العبادة العظيمة، هذا الركن الذي نحتاج فيه إلى سفر للبيت العتيق بعد أن منّ الله علينا بفتحه منذ عامين، وأزيل من عليه ومن حوله الأصنام، ومنع المشركون أن يأتوه أو يدخلوه بعد ذلك، لقد كان الكثير منا يحج إليه من قبل لأمور حرمت علينا وأزال الله عن قلوبنا الكفر، وزين- بفضله- في قلوبنا الإيمان، الحمد لله، وسنجمع في السفر أمرًا آخر نحن معاشر الأعراب وأهل البوادي والقرى والمدن البعيدة عن المدينة، حيث أسلمنا حين جاءتنا رسل الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- بالأدلة والآيات البينات على الوحدانية، وعلى الدار الآخرة، وشعائر الإسلام من صلاة وزكاة وصيام، ولكنا لم نشاهد الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-، ولم نسعد برؤية ضياء وجهه، ولم نستمع مباشرة إلى طيب كلماته، فيقول بعضنا وهل كوننا شاهدناه يمنعنا من مزيد الشوق إليه كأني بالصحب الذين شاهدوه والذين لم يشاهدوه، ساروا بالركبان لتحقيق الحج في صحبة الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم-.

 

وكأني بالقوم وقد وقفوا على غرفة، ثم ذهبوا إلى نَمِرة يستمعون إلى خطبته الجامعة في تحريم الربا والدماء، والدعوة إلى حقوق الإنسان، والوصية بالمرأة وغير ذلك، وفي هذا المشهد الرهيب قبل الخطبة أو بعدها، على جبل الرحمة، أو في أي مكان آخر، المهم هنا أمام هذه الآلاف السعيدة بالقبول والتوبة والمغفرة والعودة طاهرين من كل الذنوب.

 

في هذا المكان الذي سعت إليه الأرواح مع الأجساد، والنفوس مع القلوب، والعقول مع الجوارح، في هذا المكان المليء بالأحاسيس، الذي استيقظت فيه المشاعر وارتفعت الأيدي، وانهالت الدموع، وضج المكان بالدعاء، والذكر، والتسبيح تأتي هذه الكلمات يحملها جبريل الأمين، على قلب إمام المتقين، تحمل كل البشرى للأمة الخاتمة، للأمة الشاهدة، للأمة المختارة، يتنزل جبريل فيصير النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحال التي يكون عليها كلما جاءه الوحي، يحمل من شدته الشيء الكثير، دوي النحل، صلصلة الجرس، نعم قد اعتاد الأمر، لكن هذا الوحي هو القول الثقيل، والأمانة العظيمة، والحجة البالغة، والعهد السابق، إنه القرآن العظيم، وكأني بكل المسلمين يشاهدون الموقف، وقد سري عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخذ ينقل إليهم وحي ربه في يوم العيدين (كما سماه عمر بن الخطاب ( العيد الأسبوعي يوم الجمعة، ويوم المشهد يوم عرفة وسرعان ما تناقلت الألسن وتحركت الشفاه بهذا الخبر.

 

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، اللهم لك الحمد، اللهم لك الشكر، على ما رضيته لنا، رضيت لنا الكمال، والتمام، رضيت لنا الخير كله، ظاهره وباطنه.

 

اللهم أعنا على فهم دينك، والعمل بما أنزلت، واجعلنا من جندك المخلصين، اللهم أتمم لنا نورك، ولا تشغلنا عنه، أحينا عليه، وأمتنا عليه، واحشرنا في زمرة من رضيت عنهم، وتحت لواء نبيك- صلى الله عليه وسلم-، وأوردنا حوضه، وأدخلنا مدخله، وأجمعنا به في الفردوس الأعلى اللهم أمين.

 

اليوم.. هل هو يوم عرفة، أم هو يوم دائم مستمر؟، أي من هذا اليوم صار الحال على ما سيوصف لكم.

 

يئس (واليأس- في الوصف الغالب- إذا كان في الدين، فمن الكفار.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)﴾ (الممتحنة) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23)﴾ (العنكبوت) ولذلك قال يعقوب- عليه الصلاة والسلام- لبنيه ﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)﴾ (يوسف).

 

واليأس هو انقطاع الأمل مما وقع عليه الفعل ولذلك تجد الآية الأولى ورد فيها قوله تعالى ﴿قَدْ يَئِسُوا﴾ ﴿كَمَا يَئِسَ﴾ والآية الثانية ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا﴾ أما الآية الثالثة فإن الوالد يرشد أولاده إلى عدم اليأس ﴿وَلا تَيْئَسُوا﴾ ثم بين علة ذلك أن اليأس من الله ليس إلا من صفات الكافرين.

 

ولكن قد يرد اعتراضان:

الأول: قوله تعالى في سورة الرعد ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (الرعد: من الآية 31) ويقول الطاهر بن عاشور "استفهامًا إنكاريًّا إنكارًا لانتفاء يأس الذين آمنوا، أي فهم حقيقون بزوال يأسهم وأن يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جيعًا".

 

الثاني: قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (يوسف: من الآية110)، وواضح من قوله تعالى ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أن هذا اليأس من أقوامهم وأول الآية كاشف عن ذلك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109)﴾ (يوسف).

 

ولذلك فأهل الإيمان لا يصيبهم اليأس فهم في عون الله، ونصر الله، وفضل الله، فهم يعملون آخذين في الأسباب، ونصر الله قادم، ومهما حدث في فلسطين، ومهما ظهر غطرسة القوى الكافرة على أرض الإسراء، فإن اليأس لا يتطرق إلى قلوب الموحدين، الذين آمنوا بوعد الله بنصرهم إن هم نصروه في نفوسهم، وأفعالهم، وكذلك الذاكرين لله لا يصيبهم اليأس لثقتهم أن الله يذكرهم.

 

الذين كفروا: سواء من أهل الكتاب أو المشركين، وكل من لم يؤمن برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبالقرآن فهو كافر لأنه يغطي هذه الحقيقة الإيمانية التي خوطب بها الناس جميعا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: من الآية 158) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾ (البقرة).

 

يحلوا لبعض الباحثين والمتكلمين أن يتحدثوا عن بعض أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله إيمانًا بوحدانيته ويتلون القرآن وأنهم بذلك من المسلمين، وهذا حكم أخروي ليس على مثله تقام أحكام الدنيا، إننا في الدنيا لا نعرف إلا ظواهر الأفعال والأقوال والله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب عباده.

 

إنني أتعجب جدًّا عندما أستمع إلى رجل مثقف يسأل هل النصارى كفار؟ مع أنه يخبر عن نفسه يقرأ القرآن في رمضان على الأقل مرة واحدة، ألم يقرأ في سورة المائدة ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: من الآية 17)، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة: من الآية 73).

 

كنت يومًا أركب حافلة، وفيها شاب مسلم، وآخر نصراني، هما زميلان بعضهم لبعض فقال النصراني لي سائلاً: أرتضى أن فلانًا يقول عني أنني كافر؟، فقلت له الحقيقة أن كلاكما من وجهة نظر الآخر كافر.

 

أما فلان هذا المسلم: فهو كافر بكون عيسى إله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، أو أن الله حل في جسده، أو غير ذلك مما يخالف عقيدته.

 

وأنت (أعني النصراني) فكافر بوحدانية الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكافر بالقرآن، وكافر ببعثة الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم-.

 

أمور الإيمان لا بد أن تكون واضحة جلية، ومع ذلك فالإسلام أمرنا بحسن معاملتهم وعدم ظلمهم، وأداء ما لهم من حقوق، وأعلن المؤاخاة بين البشر في سلام ولكن لا تلبيس في العقائد والإيمانيات، أما هم فالله أعلم بقلوبهم وصدق ربي إذ يقول ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران):

﴿مِنْ دِينِكُمْ﴾  (المائدة: من الآية 3)، فهل هو يئس من تحريفه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)، أو من تبديله، أو من إبطال حقائقه، وإنقاص شعائره، أو من بث الشبه حوله، وحول مبادئه، أم من تحويلكم عنه.

 

من المشاهد أن أهل الكفر لم يتوقفوا لحظة عن محاولات الهجوم على هذا الدين بكل الطرق والوسائل، ولهم من بني جلدتنا الذين يتسمون بأسمائنا، ويتكلمون بلغتنا أبواق.

 

1 - محاولات تحريف القرآن العظيم.

2 - محاولات الطعن في السنة.

3 - محاولات الطعن في الصحابة.

4 - إثارة الشبه عن عدم مناسبة هذا الدين للأزمنة والأمكنة المختلفة.

 

وما يثيرونه عن القسوة في التشريعات الإسلامية  (الحدود)، والادعاء أن التشريعات الإسلامية ضد الحرية (حد الردة، تحريم زواج المسلمة من الكافر، الحجاب).

 

وأن التشريعات الإسلامية ضد المساواة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: من الآية 11)، وغير ذلك.

 

ولكن الله قيض لهذه الأمة من العلماء والفقهاء من يدافعون عن حقيقة هذا الدين، الذي يدخله كل يوم أفواج، رغم كل هذه الأنواع من الهجوم.

 

﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: من الآية 3)

ويتكرر هذا المعنى، بهذه المقابلة عدة مرات في القرآن بتلاوة على هذه الآية ورد الآتي:
﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية 150)، ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 13).

 

إنها مقابلة تدفع في قلب المؤمن إحساسًا رهيبًا حينما يجد نفسه واقفًا في هذه المقابلة، كيف، وما الذي هوى به إلى هذه الدرجة؟

 

إن الدعوة إلى خشية الله وردت في آيات كثيرة، ومدح أهل الخشية كذلك ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (يس: من الآية 11)، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: من الآية 28)، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)﴾ (ق).

 

يقول ابن قيم الجوزية عند الحديث عن منزلة الخوف: "الخشية أخص من الخوف فالخوف حركة، والخشية انجماع، وانقباض وسكون، والخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، فصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم".

 

فالخشية مناسبة للمقام فإنه إذا وقع اليأس في قلوب الكفار من هذا الدين، فإن العلماء يعتصمون بالعلم ليظهروا الحقائق ويردوا الشبهات، وإذا انحرف العلماء عن ذلك، بمجاملة أصحاب السلطان، أو اتباع الهوى، أو البعد عن أسس الدين وحقائقه، والدخول في مجادلات وعصبات وتقاذف بينهم، حينئذ يفتحون الباب أمام عدوهم، يقول صاحب الظلال "فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدًا، وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه، فلا يكونوا هم الترجمة الحية له، ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته، ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه".

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾  (المائدة: من الآية 3) في المعجم الوجيز  "كَمُلَ- كمالاً: ثبتت فيه صفات الكمال، أكْمَلَ الشيءَ: أتَمَّهُ، وفي القرآن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، تَكَامَلَ الشيءُ: كَمَل شيئًا فشيئًا، الكَامِلُ من الرجال: الجامع للمناقب الحسنة".

 

وفيه أيضًا: تمَّ، وتمامًا: كَمُلَ، وتم: اشتدَّ وصَلُب: فهو تامٌّ، أَتَمَمَّتِ الحاملُ: أكملت أيام حملها، تَمَّم على الجند والطلاب ونحوهم: أحصاهم ليعرف الحاضر منهم والغائب"،
إذن فهو كمال في الأوصاف وتمام في المفردات.

 

الدين الكامل: فهو دين الإنسانية كلها، للأزمان كلها، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: من الآية158)، دين الحرية، والعدل، والمساواة، واحترام الإنسانية، والتسامي بالنفس البشرية، والمؤاخاة بين البشر، مع دقة الحفاظ على قيم الإسلام، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30)﴾ (الروم)، دين يشمل جميع المفردات في حياة الإنسان: الإيمان والعقائد، والأخلاق، العبادات، النكاح وما يتعلق به، المواريث، والمعاملات المالية، والدولية، في الحرب والسلم،...،..، ولذلك نطق اليهودي لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- عن أن هذه الآية لو أنزلت عليهم لجعلوا يوم نزولها عيدًا، وحق ذلك لكل من يدرك، أنها الشهادة العلوية القدسية، الشهادة الإلهية بإكمال الدين وإتمام النعمة.

 

إذن ما دام هذا الدين هو التام والكامل لربانيته، وواقعيته، ومرونته، ولعدالته، ولسماحته، ولتوازنه، وغير ذلك من الخصائص والصفات، إذن فكل دين غيره، كان في أصله كتابًا سماويًّا انحرف به أهله، أو حتى لم يحرف ولكنه لزمان معين أو مكان معين، وكل دين غيره من أهواء البشر أو من عقولهم القاصرة.

 

لننظر حولنا:

- هذا بهائي يعبد البهاء من دون الله، يجعل قبلته بلد هذا الإنسان، مبادئهم ضلال وتصرفاتهم زور وبهتان على الله.

- هذا هندوسي يعبد البقر من دون الله.

- هذا عابد للشيطان.

- هذا يعبد بوذا، هل بوذا للفقراء، أم هو للمتوسطين، أم بوذا للأغنياء؟

- الفراعنة يمجدونهم، وهم أصحاب ديانة يعبد فيها الحاكم، لقد جعلوهم آلهة فهذا فرعون يقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ (النازعات: من الآية 24)، الفرعونية دين كافر، وإن احتوى مفهوم البعث بعد الموت ولكنه لإيزيس وأوزوريس، إخناتون لم يكن يومًا ما موحدًا بل كل الذي فعله أنه وحد آلهتهم تحت إله أكبر هو الشمس، إذن هو من عبدة الكواكب، المعلومات الضالة تصب في الأذهان وفي عقول الأبناء.

- وغير ذلك كثير.

 

أقول: طالما هذا الدين هو التام والكامل، فأين أهله؟ أين علماؤه؟ أين الدول التي تقوم على أساسه لتبينه وترشد الناس إليه وتنقذ البشرية مما هي فيه؟

﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)، في سورة البقرة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية 143)، وفي سورة آل عمران ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: من الآية 85)، وفي سورة النساء مرتان ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: من الآية48 والآية116)، وهنا في سورة المائدة ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾، بذلك تم الرضا على هذا الدين الذي به نكون شهداء، ولا يقبل الله سواه، ولا يغفر لمن يشرك بمن أنزله وبينه.

 

أيتها الأمة الشاهدة حق لك أن تجلسي مجلس الأستاذ من البشرية لتعلميها كيف تحقق في نفسها العبودية لله، ولتنقذوا البشرية من المادية وجهالتها، لتحيوها من موات ما هي فيه، لتكبحوا الشهوات المسعورة المدمرة، والربا المهلك، من لذلك سواكم يا من ارتضى الله لكم هذا الدين القيم.

 

قد يقول قائل الأدلة محدودة والأحداث والوقائع متجددة فكيف الادعاء بأن الدين كمل وتم، ونحن كل يوم ننشأ حكمًا جديدًا، والإجابة سهلة ميسورة بإذن الله، فالقرآن شمل الأسس والقواعد الكلية، والسنة كذلك، كما اشتملا على بعض الأحكام الفرعية التفصيلية فيما لا قدرة للإنسان على معرفته، والحوادث فيما يدركه الإنسان تستقي أحكامه من القواعد الكلية فهي الكاشفة لذلك ولعلنا في حديث الأمس قد كشفنا عن هذا الأمر.

والله ولي التوفيق..