طرح قديم يتجدَّد كلما مرت الجماعة بمناسبة أو ذكرى تتعلق بها على مستوى الفكرة أو التنظيم، وهو طرح تختلط فيه النوايا الحسنة بغيرها، تم تناوله هذه الأيام في ذكرى استشهاد الإمام البنا بعرض السؤال: لماذا لا تقوم الجماعة بمراجعات على مستوى الفكر والممارسة على غرار المراجعات التي قامت بها التيارات الإسلامية الأخرى؟
خلاصة ما يريده البعض هو جلوس الجماعة على كرسي الاعتراف السياسي، واستدعاء- بل انتزاع- أحداث بعينها بعيدًا عن ظرفها العام وسياقها التاريخي، ثم إعلان التبرؤ منها في مشهد يفتقد المنهجية والدقة العلمية بل يخضع للإرهاب الفكري والابتزاز السياسي تحت عناوين المواطنة والمساواة، وغيرها من القيم الإنسانية الراقية التي توظَّف حسب الأهواء، ومشاركةً في تناول هذا الموضوع المهم أعرض بعض النقاط:
منطلقات لا ردود
* هناك فرق شاسع بين ما ارتكبته التيارات الإسلامية "التي اعتمدت العنف والنمط الانقلابي وسيلةً للتغيير" من تجاوزات عقَدية وفكرية وعملية خالفت صحيح ووسطية الإسلام فاستوجبت الرجوع والمراجعة، وبين أخطاء في الممارسة رغم صحة وقوة مرجعيتها العقَدية والفكرية، فالأولى تقع في مربع الحلال والحرام، والثانية تقع في مربع الصواب والخطأ، أو اختلاف وجهات النظر.
* اعتدال ووسطية الجماعة على مستوى الفكر والممارسة رغم المناخ العام "المتطرف والمتشنِّج"؛ الذي يسوده الإقصاء السياسي والتربُّص الأمني والتحريض الإعلامي والاستنزاف البشري والمالي والمعنوي.
* النقد الذاتي مقوِّم أساسيٌّ في العمل الإخواني عبر مؤسساتها الشورية المعتمدة، ولكنَّ هناك فرقًا بين النقد البنَّاء وهدم البناء، وبين النصح والتشهير، المهم هو تحقيق الهدف والمردود؛ حيث التصحيح والتجويد والتطوير في ظل مرجعية الجماعة وثوابتها.
* الجماعة فصيل سياسي وشعبي له مرجعيته الإسلامية التي ارتضاها لنفسه، فعندما يطرح تصورًا فكريًّا أو برنامجًا سياسيًّا فهو لا يضع دستورًا للبلاد، لكنه برنامجٌ لحزب لا يفرضه على أحد؛ فمن قبله أخذه، ومن رفضه تركه "الخيار للشعب"، ولكن في جميع الأحوال ليس من حق أحد أن يفرض على الجماعة رؤيةً أو يمارس عليها ابتزازًا حتى ولو تحت عناوين المساواة والمواطنة؛ فنحن أحرص الناس عليهما في ظل مرجعيتنا.
* المواطنة مبدأٌ إنسانيٌّ راقٍ، نأخذ منه ما لا يتعارض مع ثوابت الأمة، ولسنا مطالَبِيْنَ باقتفاء أثَرِ الغرب في كل ما يستحدثه، وإلا فالدولة الحديثة تفصل بين الدين والدولة؛ فهل علينا حتى نطبِّق المواطنة ونكون عصريِّين أن نكون علمانيين؟!
* مبدأ المساواة المطلقة أمرٌ مستحيلٌ، لا تقرُّه حتى الدساتير التي تنص على أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات؛ فمثلاً الدستور المصري يضع شروطًا لمنصب رئيس الدولة، منها أن يكون عمره أربعين سنة, فهل معنى هذا أن من كان عمره تسعًا وثلاثين سنةً وأحد عشر شهرًا يكون مظلومًا؟! وهكذا.. فلماذا عندما نشترط أن يكون الحاكم مسلمًا من الأغلبية المسلمة نكون ظالمين؟ مع أن كثيرًا من الدول- كما ذكرت في مقال سابق-تشترط ديانة الرئيس، بل والطائفة، كما في أمريكا وإنجلترا وإسبانيا والدنمارك واليونان (راجع بحث الدكتور محمود غزلان في هذه المسألة).
أخيرًا ورغم أن غالبية النخب الفكرية والأحزاب السياسية- التي أعلنت انزعاجها من بعض مواقف وآراء الجماعة، وهدد بعضهم بالهجرة من مصر لو حكم الإخوان- لم ينطقوا بكلمة واحدة عندما انتهك النظام كل الأعراف والمواثيق والحقوق، وأحال قيادات الجماعة للمحاكم العسكرية، وصادر ممتلكاتهم، كما لم تنطق بكلمة عندما وظَّف النظام المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية لإصدار الفتاوي التي تحرِّم وتجرِّم الانتماء لجماعات لها برنامج سياسي، بل راح بعضهم يحرِّض ضد الجماعة ويمنعها ممارسة حقوقها؛ هل لأن هذه القيم "المواطنة والمساواة" ما زالت تخضع للأهواء والكيل بأكثر من مكيال، عمومًا رغم كل ما سبق فعلى الجماعة ألا تحرم نفسها من نصح المخلصين إعمالاً للقول المأثور "الحكمة ضالة المؤمن".
------------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية.