آلمني كثيرًا في غمرة أحداث غزة المنكوبة، ما قرأت في بعض الصحف، وما وقعت عليه عيناي من تحليلات بعض الكتاب، وما تشدق به الخطباء على المنابر مما يحز في القلب ويحزن النفس، ويحشد الجموع لحصار غزة فوق حصارها، وضربها فوق ضربها، وفعل ما لا تفعله مدافع العدو فيها.

مررت على المروءة وهي تبكي

فقلت علام تنتحب الفتاة

فقالت: كيف لا أبكي وأهلي

جميعًا دون خلق الله ماتوا

 

دخل عليَّ أحد الشباب بعد صلاة الفجر وهو متأثر يكاد يشرق بريقه، ويغالب لوعة في كبده ودمعة في عيونه، فلما استبينت ما به، وما السبب في أسفه وبلواه؟ قال: إن رجلاً من المصلين ممن عليه سيما التقى والوقار والانضباط الشرعي والالتزام قال بالأمس لبعض أصحابه من الشباب في معرض حديثه عن غزة وحربها مع الآلة الصهيونية: أتمنى أن تهزم حماس وأتمنى... وأتمنى... وراح الشاب ينقل لي بعضًا من كلام ذلك الملتزم المحتشم، ثم أتبع قائلاً: مع أني لا أنتمي إلى حركة حماس، ولا أنتسب إلى جمعية الإصلاح، ولم أخرج في مسيرة، ولم أندد في مظاهرة، ولكني كنت مع أهل غزة بقلبي وقالبي وجسدي وروحي، وكنت أدعو لهم في صلاتي، فلما انتهى من كلامه التقطت أنفاسي، واستجمعت أفكاري ألا تطيش، وصوابي ألا أفقده، وغضبي ألا يثور، فقلت له ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال له الحارث بن حوط: أظن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل فقال: يا حارث إنه ملبوس عليك، وإن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه (1).

 

قلت: وأنت هون عليك يا أخي، إن الحق لا يُعرف بفلان أو فلان مهما بلغ من التقى والصلاح، ولكن الرجل الحق والوقاف عند حدوده هو مَن يتبع الحق، فبالحق نُجِلُّه، وبالتزامه بالحقيقة والصواب نقدر له ذلك.

 

قال: أوَ أتبرأ من هذا الذي يدعو على حماس بالهزيمة ويتمنى لها خسارة معركتها المصيرية الحربية والسياسية، فقلت له: هون عليك، ودع عنك أولئك الذين يريدون أن يروا الأشياء كما يحبون، ويتصوروا الحقيقة كما يشتهون. أولئك أناس أقاموا أنفسهم على الناس مقام الرقيب الحسيب، وجعلوا الأمر بيدهم، وحكرًا عليهم، وراحوا يطلقون ألقاب البطولة والشجاعة على من يشاءون، والخيانة والجبن على من يكرهون. أولئك أقوام سموا الأمور بغير مسمياتها، فالغيبة عندهم نصيحة لله وإظهار للحق، وسموا البهتان والافتراء تعرية للمبطلين وإنقاء للصف، وسموا النميمة توضيحًا للحقائق وتعريفًا بالأعداء والمتربصين، وظلوا في غيهم سادرين، تشتعل قلوبهم حسدًا، وتتلظى صدورهم ظلمة حتى أمسوا طابورًا خامسًا من أجل حفظ العباد والبلاد!!!

 

وما أكثر هؤلاء في أمتنا اليوم الذين لا يزيدون الأمة إلا خبالاً، ويوضعون خلالها، ويخدمون الأعداء من حيث لا يشعرون، وتلك نعمة ومنة لهم على الأعداء، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
لقد كنا نتوقع من أمثال هؤلاء أن يقابلوا هذا التدمير الذي أنزله أعداء الأمة بالأمة بالتنديد والنكير، وهو أضعف الإيمان، وأقل ما يمكن أن يفعله مسلم قعد به إيمانه الضعيف عن مساعدة إخوانه.

 

الجهاد باللسان أيسر ما بالإمكان

قال ابن رجب الحنبلي: روي عن أبي جحيفة قال: قال علي: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله.

 

وسمع ابن مسعود رجلاً يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر؛ فقال ابن مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر. يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة. وقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.

 

واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل على رجاء ثوابه، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة، وتارة يحمل عليه إجلال الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهل أن يطاع ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال (2).

 

قلت لذلك الشاب: أما وجد هذا الذي تمنى الهزيمة لحماس ومن على شاكلته شيئًا من هذه الغايات التي ذكرها ابن رجب حتى ينكر ما فعلته إسرائيل بالمسلمين في غزة؟.

 

ضرورة الوقوف إلى جانب المسلمين ضد الأعداء

إن نبينا عليه الصلاة والسلام أبى على المسلم أن يسعى في إيذاء أخيه المسلم بأي طريقة من طرق الإيذاء، ولو كان إيذاء بدون قصد، فكان مما قاله عليه والصلاة والسلام: "وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا- ويشير إلى صدره- ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (3).

 

فالمؤمن مأمور أن ينصر أخاه كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قال: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه" (4).

 

وأخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: "ما من امرئ مسلم يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وتنتهك فيه حرمته، إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته". وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من أُذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة".

 

وخرج البزار من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره الله في الدنيا والآخرة" (5).

 

بل راح النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبعد من هذا فاعتبر الإعانة على قتل مسلم وإزهاق روحه سببًا من أسباب استحقاق سخط الله والبعد عن رحمته ومغفرته ورضوانه، فقال عليه الصلاة والسلام: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله" (6).

 

فأين تذهبون؟ وبمن تتربصون الدوائر؟ أبإخوانكم المسلمين? ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)﴾ (التوبة) هل تتوقعون لنا إلا النصر أو الشهادة؟ وهل أشرف من أن تسقط قتيلاً في ساح الوغى وتقدم روحك رخيصةً في سبيل الله فتغيظ بذلك الأعداء والشامتين؟.

سأحمل روحي على راحتي          وألقي بها في مهاوى الردى

فإما حياة تسر الصديق              وإما ممات يغيظ العدى

 

حال المتربصين بالحركات الإسلامية المجاهدة

تحكي كتب التاريخ أن الفقيه المالكي أشهب بن عبد العزيز- وبحكم الغيرة التي كثيرًا ما تكون متوافرة في حياة الكثيرين من طلبة العلم والعلماء- إلا من رحم ربك- وقد قال ابن عباس: استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرًا من التيوس في زروبها.

 

أشهب هذا كان يدعو على الإمام الشافعي بالموت، ويتمنى له الزوال؛ نظرًا للمجد الذي تبوأه في مصر، وكاد يأتي به على مذهب الإمام مالك أو يضعفه في نفوس أهل مصر، فبلغ خبر دعائه على الشافعي الشافعيَّ فقال رضي الله عنه:

تمنى أناس أن أموت وإن أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى:

تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

فمات الشافعي ومات أشهب بعده بثمانية عشر يومًا.

 

وبمثل ما قال الإمام الشافعي نرد على من يتوقع الزوال، ويتمناه للحركات الإسلامية والمنظمات الجهادية التي تقوم على ثغر من ثغور المسلمين، وتذب عن بيضة الإسلام، وتدفع عنه.

 

يا لفرحتك يا إسرائيل اليوم!!!

وإني لأتصور كم هي عظيمة فرحة إسرائيل ومخابراتها بتلك الأقلام المسعورة المأجورة في بلاد المسلمين، والتي راحت تنهش في لحم حماس، وتؤلب عليها في المحافل وفي الصحف ناسية أو متناسية الظلم والقهر الذي عانى منه الشعب الفلسطيني في غزة في فترة التهدئة، فمات من مات من الجرحى في المستشفيات؛ لأن أبسط أدوات الجراحة وعلاجها لم تتوافر لهم، وجاع من جاع؛ لأن الماء والهواء والكهرباء قطع عنه وعن أولاده.

 

أليس هذا ظلم بيِّن وجور فاحش في أبسط الموازين العقلية والدولية؟ ألم يكن من الأجدر أن نقف مع المظلوم ضد الظالم ولو بأن نشجب ظلمه وندد به، وقد صرنا أمة الشجب والتنديد لا التهديد والوعيد.

 

من روائع الفوائد العملية التي نستفيدها من السيرة النبوية

لقد قرأنا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقف مع المظلوم وإن كان كافرًا في وجه الظالم الكافر.. كيف ذلك؟؟!! قال ابن إسحاق: وقد كان عدو الله أبو جهل مع عداوته رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبغضه إياه يذله الله إذا رآه.

 

حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي قال: قدم رجل من إراش بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل، فماطله بأثمانها، فأقبل الإراشي حتى وقف على نادٍ من قريش ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام؛ فإني غريب ابن سبيل، وقد غلبني على حقي.

 

فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل- لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يهزأون به؛ لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فهو يؤديك عليه، فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام غلبني على حق لي قِبَله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه يرحمك الله.

 

قال: "انطلق إليه"، وقام معه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع.

 

قال: وخرج رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ فقال: "محمد فاخرج إلي"، فخرج إليه وما في وجهه من رائحة، لقد انتقع لونه، فقال: "أعط هذا حقه"، قال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرًا، فقد والله أخذ لي حقي.

وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟

 

قال: عجبًا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم لا يبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه.

 

ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا: ويلك ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط!! قال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني (7).

 

غُلبت الروم

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يحبون- وهم في مكة- أن يظهر الروم وينتصروا على الفرس؛ بحكم أنهم أهل كتاب والمجوس أهل أوثان، قال الألوسي:

 

روي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى، فغلبوا عليهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة، فشق ذلك عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح الكفار بمكة، وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنَّ عليكم فأنزل الله تعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2)﴾ (الروم) الآيات، فخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟ فلا تفرحوا، ولا يُقِرنَّ الله تعالى عينكم، فوالله تعالى ليَظْهَرنَّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت، فقال له: أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنت أكذب يا عدو الله تعالى، أناجيك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، فناجه، ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايِِدْه في الخطر، ومادِّهِ في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أبيًّا فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا. تعال أزايدك في الخطر، وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال: قد فعلت، فلما أراد أبو بكر الهجرة طلب منه أبي كفيلاً بالخطر إن غلب، فكفل به ابنه عبد الرحمن، فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه كفيلاً، ومات أبي من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم، وظهرت الروم على فارس لما دخلت السنة السابعة (8).

 

موازنة عقلية ومنطقية

فاربأ بنفسك أيها الشامت بأهل غزة أن تتربص بهم الدوائر وتتمنى لهم الهزيمة والخذلان، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم انتصر للإراشي الكافر المظلوم من الظالم أبي جهل، وتمنى وأصحابه أن ينتصر الروم بحكم أنهم أهل كتاب على الفرس أهل النار المجوس، إذًا هي موازنة عقلية، واختيار الانحياز إلى جهة قد نجتمع معها في بعض النقاط ونتفق معًا على بعض الأمور التي تقرب وجهات النظر دون التنازل عن مبادئنا وقيمنا وأخلاقنا.

 

ولما كانت حماس عند البعض هي المظلومة والظالم متفق على ظلمه بنص الكتاب والسنة كان حقًّا علينا وواجبًا أن نقف إلى جانب أهلنا في غزة.

 

امرأتان ودرسان للتاريخ والشعوب

ثم إن الظلم اليهودي قد وقع على أناس حققوا العقيدة الصحيحة، لا كما حققناها نحن من خلال القرطاس والقلم والكتاب، ودرسناها في الفصول ومقاعد الدراسة ونحن ننعم بكل وسائل الراحة الأمريكية والأوروبية.. أولئك (أهل غزة وحماس) حققوها من خلال واقع سلوكي وعملي وتطبيقي، وإلا فبماذا نفسر قول تلك المرأة لإسماعيل هنية: لقد استشهد أولادي الأربعة، وبقي اثنان، وإني أدفع بهما إلى ساحة الشهادة، فإياك والتنازل عن الحق، وعليك بالثبات الذي أمرنا الله به.

 

أية تربية عظيمة ورثت هذا الثبات العظيم؟! (هذه القصة تناقلتها وسائل الإعلام، وليست من نسج الخيال، ولولا أننا سمعناها بآذاننا لظننا أنها من اختلاق القُصَّاص).

 

وتلك المرأة التي قيل لها: إن ابنك تعاون مع اليهود، وتجسس على إخوانه الفلسطينيين، وقد نفذ فيه القصاص فإن شئت فانظريه قبل الدفن، فذهبت مع كبر سنها حتى إذا أتته قالت:

رونيه، فكشفت على وجهه فوضعت قدمها على رأسه وقالت: هذا جزاء الخائن لدينه وأمته.

ولو كان النساء كمثل هذي            لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب         ولا التذكير فخر للهلال

--------

هوامش:

1- تاريخ اليعقوبي.

2- من جامع العلوم والحكم.

3- رواه مسلم.

4- حديث شريف.

5- من جامع العلوم.

6- رواه ابن ماجة والبيهقي.

7- الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء.

8- تفسير الألوسي 342/15

---------

* رئيس الحركة الدستورية بالكويت