لا يشك مسلم عاقل شهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة أن هذا الكون بخيره وشره، وعدله وظلمه، وتوحيده وشركه يسير وفق سنن إلهية وقوانين ربانية الأصلُ فيها انتصار الإيمان والحق واستقرار العدل والخير ولو بعد حين.. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر).
قد يأخذ الأشرارُ في أي عصرٍ من العصور بمقومات وأسباب العلو في الحياة الدنيا مثل أسلافهم من قوم عادٍ وثمودٍ وفرعون، ولكنه علو هش ليس له جذور وأصول ثابتة شاءت حكمة الله وعدله له بالظهور المؤقت ولكن سرعان ما يتهاوى وينهار هذا العلو الذي افتقد أسباب الصمود والديمومة؛ افتقد الإيمان والتواصي بالحق، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)﴾ (إبراهيم).
ويأتي العام الهجري من كلِّ عامٍ ليذكِّرنا بهذه السنن الإلهية والقوانين الربانية، ويبث فينا روح الثقة بنصر الله وينهانا عن اليأس والاستسلام.. قال تعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران).
من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد أن ارتدَّ الكثير من أحياء العرب بالجزيرة بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى وُجد من المسلمين من قال لأبي بكر رضي الله عنه: "يا خليفة رسول الله، أغلق بابك، والزم بيتك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين- أي الموت-"، ولكن أبا بكر رضي الله عنه لم يعتره اليأس ولم يستحوذ عليه القنوط، وإنما واجه هذه الأحداث بإيمانٍ راسخ، وعزيمة ثابتة، وتفاؤل عظيم حتى استطاع أن يعيد للمسلمين عزتهم، ولليائسين تفاؤلهم، وللإسلام دولته، وللخلافة هيبتها.
مَن كان يظن أن يحرر صلاح الدين الكثيرَ من البلاد الإسلامية والمسجد الأقصى بعد أن استولى عليها الصليبيون ما يقارب قرنًا من الزمان؟.
مَن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد الخراب الذي أحدثه المغول والتتار للعالم الإسلامي ثم يأتي البطل المقدام "قطز" ليعيد للمسلمين مجدهم؟.. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).
لقد أذن الله لرسوله بالهجرة لتوضع أول لبنة في بناء دولة وحضارة الإسلام العريقة.. تلك الدولة التي تكفلها الله برعايته وأخذ على نفسه سبحانه وتعالى عهدًا بنصرتها فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172)﴾ (الصافات).
فاختار سبحانه وتعالى المكان المناسب لإقامة هذه الدولة وأمر رسولَه وصحبَه بالهجرة إليها وشرع لهم المنهج الذي يضمن لهم ولغيرهم العدل والسماحة والسلام فقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾ وقال تعالى : ﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).
ثم امتدح الله سبحانه وتعالى هذه الأمة- الدولة- فقال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).
وعلى النقيض من هذه الدولة يأخذ الأشرارُ في العصر الحديث بالأسباب المادية للبناء، ولكنه بناء فاسد وباطل فتقرر عصبة الأمم اختيار أرض فلسطين لتقوم عليها عصابة صهيون ويولد وعد بلفور المشئوم ويأمر الأشرارُ اليهود بالنزوح إلى الأرض الجديدة، ويستخدمون أساليب الترغيب والترهيب لتهجيرهم ويضع حكماء هذه العصابة المنهج الفاسد والظالم والباطل المسمى بـ"بروتوكولات حكماء صهيون"، وتناست هذه العصابة أن مقادير هذه الكون بيد خالقه سبحانه وتعالى فلم تأتِ هذه العصابة إلى هذا المكان إلا بمشيئته وحكمته قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) .
يذم اللهُ هذه العصابة منذ أن قتلوا الأنبياءَ وسعوا في الأرض فساداً فقال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾ (المائدة).
إن حكمةَ الله وسننه وقوانينه لن تسمح لهذه العصابة الظالمة والفاسدة أن تسود، فالفرق شاسع بين رعاية الله لأمة مؤمنة وموحّدة ورعاية عصبة الأمم لعصابة ظالمة وفاسدة.. روى البخاري ومسلم من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم مَن جابههم، ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس".
فليعتبر الذين يسارعون إليهم بحجةِ الخوف من البطش والجوع بما حدث لهم من أزمات وانهيارات مادية واقتصادية طاحنة- لم تكن في حسبانهم- طالت الأخضر واليابس فتهاوى الصرح الهش.. الظالم.. الفاسد والمتكبر بأمرٍ ممن يقول للشيء كن فيكون- سبحانه وتعالى-وفقاً لسننه التي لا تتغير ولا تتبدل حتى قيام الساعة.. قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ (المائدة)، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (23)﴾ (الفتح)، وقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8﴾ (الإسراء).