أستعد للخروج مبكرًا؛ فإذا بجرس التليفون يدقُّ، وإذا بالأخ العزيز د. أحمد إمام مدير عام نقابة الأطباء يخبرني والدموع تخنقه ولا أكاد أتبيَّن كلماته بوفاة الأخ الحبيب صاحب البسمة الدائمة والسمت الهادئ الجميل والوجه الراضي باليقين أحمد بن عبد الحليم سعفان.

 

فاجأني الخبر ولم أصدِّقه فأعدت السؤال عدة مرات: أحمد سعفان، والجواب المختنق يأتيني كل مرة: نعم نعم، ويسارع بإخباري بموعد الجنازة اليوم عقب صلاة الظهر بمسجد رابعة العدوية ويغلق الهاتف، وأنا الذي دهمني الخبر لا أكاد أصدق وأسارع بإيقاظ زوجتي لإبلاغها لتستعد لأداء الواجب فلا تصدق هي الأخرى!.

 

زوج وفاء آدم.. نعم.. عديل أحمد إمام.. ابن الأب والمربي الشيخ عبد الحليم سعفان؛ الذي كنا نزوره ببيته في شبين الكوم لنتزوَّد؛ ليس فقط من علمه، بل من خلقه وثباته وصموده، وهو صاحب البصيرة الثاقبة، وعنده عرفنا أحمد وبقية العائلة الكريمة الصابرة.

 

لم يكن أحمد سعفان "أبو مصعب" ممن يشار إليهم بالبنان؛ بل كان من الذين يصدُق فيهم قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا"، ولكن كان- ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- من الذين يُرتجى دعاؤهم، وتُطلب مودتهم الصافية من كل شوب، وما أقلهم حتى بين الإخوان!.

 

أحمد سعفان.. الذي قضى ثلاث سنوات في القضية العسكرية المعروفة باسم قضية "أساتذة الجامعات" مع د. محمود غزلان وعبد المنعم البربري وطاهر عبد المنعم وآخرين، لم يشتكِ منه أحد، ولم يُسمع له ضجيج، ولم يعرِف أحد لماذا اختاره ضابط أمن الدولة ليضعَه بين الأسماء، ولماذا حدَّده الضابط العسكري الآخر ليضعَه بين المحكوم عليهم بثلاث سنوات؟! فهنا لا تعرف إلا عددًا محدودًا مقصودًا من الأجهزة السيادية، أما بقية الأسماء- أو على الأحرى قل كل الأسماء- فهي من اختيار الله؛ فالله هو الذي يصطفي ويختار لحكمة يعلمها وسر لا نعرفه.

 

أحمد سعفان.. الهادئ الوديع.. خافت الصوت وخفيضه.. الزاهد المتواضع.. سليل عائلة كريمة وصهر عائلة كريمة، ومع ذلك كان أرقَّ من النسمة، ولا يترك لديك أيَّ انطباع بعلوِّ شأنه ومكانته أو حتى علوِّ همَّته في علاقته بربه، ونحسبه كان من الأتقياء الأنقياء الأخفياء، ولا نزكِّيه على الله تعالى.

 

كانت لقاءاتنا قليلة أول قل نادرة، ولكنها كانت مؤثرةً، يغلِّفها الحب الصافي والود النقي وحرارة الشوق إلى اللقاء والذكريات الجميلة الطيبة للقاءاتٍ سابقةٍ وأيامٍ لم ينقضِ بعد ودُّها.

 

رحمك الله يا أبا مصعب رحمةً واسعةً، وأسكنك فسيح الجنات، وألهم "أم مصعب" وأولادك جميعًا وأسرتك وجيرانك وروَّاد مسجدك الذين تركتهم عقب صلاة الفجر ليفجعهم جميعًا رحيلُك المفاجئ، وهم لا يدرون أنك كنت تودِّعهم الوداع الأخير.. ألهمهم جميعًا الصبر الجميل والرضا بقضاء الله وقدره، ووفقنا الله جميعًا للاستعداد للقائه والتهيؤ للقدوم عليه.

 

إلهي.. إن أماتتني الغفلة عن الاستعداد للقائك فقد أنبهتني المعرفة بكريم آلائك.

إلهي.. نفسي أعززتها بتأييد إيمانك، كيف تُلقي بها بين أطباق ميزانك.

 

هذه من مناجاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.. لا أجد أفضل منها للتذكرة بها في هذا الموقف العصيب..

اللهم أحسن خاتمتنا أجمعين.