ودَّعت الإسكندرية شيخها وعالمها ومفتيها الداعية المُربِّي الشيخ المجاهد عبد رب النبي توفيق، واحتضن ثراها الطيب جسده الطاهر؛ وسط دموعٍ منهمرةٍ ما بين حزينةٍ على رحيل الشيخ وما يمثِّله من فجيعةٍ ومصيبةٍ، ودموع فرحةٍ بأن الله تعالى قد رحم الشيخ وأذهب عنه الأذى والمرض ووفَّاه أجله، إلى دار النعيم بإذنه تعالى.

 

 أسامة جادو

 

إنّ الآلاف الذين شيَّعوا الشيخ- والذين لم يتمكَّن أضعافهم من تشييعه- يشهدون له أمام الله تعالى، وأشهد معهم، أن الشيخ صدق في عهده، ووفَّى بوعده وصان الأمانة التي عنده؛ أمانة العلم والفتيا.. أمانة الدعوة وتبليغ الرسالة.. أمانة الجهاد في سبيل الله ونصرة الحق ونصرة قضايا الأمة.. أمانة الأُخوة والأستاذية حتى آخر عمره ونهاية أجله.

 

هذه الجموع شهود الله على صلاح الشيخ وتقواه وورعه وزهده وحب الناس له واعترافهم بفضله، وأحسب أنّ شيخنا الجليل بسيرته وبما علَّمَنا عنه- معايشةً وروايةً- يصدق فيه قول الله تعالى ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).

 

لقد كان الشيخ مدرسةً جامعةً؛ من اقترب منه تعلَّم وانتفع، ومن دنا منه تربَّى وانتمى، ومن كان عابر سبيل استفاد وارتوى؛ مجلسه تحضره الملائكة، وتتغشَّاه السكينة، وتتنزل عليه الرحمة، ويباهي به المولى العظيم ملائكته.

 

أجيالٌ كثيرةٌ تعرَّفت على الشيخ الجليل، فأحبَّته وجلست عند قدميه تتعلَّم منه، إن كنت أنسى فلا أنسى مسجده العامر (مسجد العمري) حين كنا نقصده لنتتلمذ على يدي الشيخ في الفقه والتفسير والحديث، وحين كان يخصنا بدروس أصول الفقه ودروس الدعوة والخطابة، رضي الله عنه وأرضاه.

 

الشيخ.. أستاذًا في مدرسة "نعم"

أشهد أنه كان لدعوته يحيا، ولنصرة دينه يعيش، وكان يسارع في الخيرات والدعوات، وأذكر أنه ما طُلب منه عمل إلا لبَّى، وما أخذ على عاتقه أمرًا إلا أنجزه.

 

كان صادق الوعد، وفيَّ العهد، لا يقول "لا" لعملٍ أو أمرٍ من أمور الدعوة ولو كان شاقًّا عليه، رغم ظروفه الخاصة التي كانت تتطلَّب مرافقًا له يصحبه، وأظن أن اعتذاراته معدودة، وبعذر صحي مقبول؛ فكان- رحمة الله عليه- نموذجًا متفردًا في مدرسة "نعم" التي تلبِّي النداء وتعشق العمل لدين الله.

 

الشيخ.. مجاهدًا في سبيل الله

كما عرفناه كان سبَّاقًا إلى الخير، يحمل بين جنباته قلب المجاهد الذي لا يعرف الكلل، وتملؤه روح الرجال الصادقين الذين يعيشون لدعوتهم، وينفقون في سبيل نصرتها ما يملكون من وقتٍ ومالٍ وصحةٍ وعافيةٍ وحريةٍ.

 

لقد خسرت فلسطين بموته سندًا عظيمًا؛ فمن ينسى مواقفه لنصرة قضايا الأمة الإسلامية؟!

من ينسى مواقفه لنصرة الشعب الأفغاني حين تعرَّض للاحتلالين السوفيتي ثم الأمريكي؟!

من ينسى مواقفه لنصرة شعب البوسنة والهرسك حين تعرَّض لحرب الإبادة على يد الصرب؟!

من ينسى مواقفه لنصرة الشعب العراقي في محنته حين تعرَّض للاحتلال الغربي الأمريكي؟!

من ينسى مواقفه لنصرة الشعب اللبناني في حربه ضد الكيان الصهيوني الغاصب المحتل؟!

من ينسى موقفه لنصرة الشعب الفلسطيني ومناصرته في انتفاضاته ضد الصهاينة؟!

ومن ينسى خطبه ودروسه وفتاواه بوجوب مناصرة أهل فلسطين ودعمهم بالمال وما يحتاجون إليه ومقاطعة المنتجات والبضائع والشركات والدول التي تدعم الكيان الصهيوني وتدافع عنه؟!

من ينسى ذلك؟!..

 

حقّ لهذه الشعوب أن تبكيَ هذا العالم الجليل، وأن تشاطر أهل الإسكندرية حزنهم؛ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

 

الشيخ.. قمة شامخة من الآداب العالية الرفيعة

تحلَّى الشيخ- رحمة الله عليه- بصفات المؤمنين "الكُمل"، بأخلاقه وحسن أدبه امتلك قلوب من حوله، سواءٌ أقرانه من الدعاة الأفاضل وشيوخنا الأكارم، أو تلامذته ومريدوه، أو العاملون معه، أو جيرانه وأقاربه ومعارفه؛ ساقهم بسلوكه القويم وأدبه الرفيع، لانوا له كما لان الحديد بين يدي سيدنا داود عليه السلام.

 

حباه الله فطنةً وألمعيةً وفراسةً أعانته على التعامل الأمثل مع الجميع؛ فلم يُخدَع كما خُدع غيره، ولم يسقط كما سقط غيره، بل حفظه الله لدينه ودعوته.

 

التواضع شيمته، وخفض الجناح صفته، والصبر سبيله، والحجة والبرهان منطقه، وابتسامة على وجهه لا تفارقه؛ تسمع له كأن العلم ينساب من فمه كماء السماء، وإن سكت أيقنت أنه مليء بالحكمة والمعرفة، ليس كأدعياء العلم المتشدقين المتقعرين، بل علمه راسخ كالجبال، ومع هذا حباه الله تعالى أسلوبًا في الدعوة سهلاً يسيرًا؛ يسع المثقف المتعلم والأميّ الجاهل، كان الحضور عنده أخلاطًا من الملتزمين ومن العامة.

 

يمزج حديثه بالقصص المشوقة والأمثال الواضحة التي تُعين السامع على تفهُّم المراد من الكلام، ويُحسن الاستشهاد بالمأثور من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح وأئمة الإسلام الأعلام، كما كان أستاذًا في فن الفكاهة واللطافة- كعادة علماء الإخوان السكندريين ودعاتهم- دون أن يُخل بوقاره أو مكانته في نفوس تلامذته ومريديه.

 

داعية له في كل ميدان للدعوة حظٌّ وافر

أسهم بعلمه وعمله في نشر الدعوة الإسلامية، وفي كل مكان نزل فيه ترك أثرًا صالحًا، وخلف فيه علمًا نافعًا.

 

له تلامذة نجباء، وأحباب علماء في بلاد كثيرة؛ ليس في الإسكندرية وحدها، بل سل عنه ربوع اليمن وما حولها، والبلدان التي زارها والمؤتمرات التي حضرها.

 

له إسهامات عديدة في تأليف الكتب التي أثرت المكتبة الإسلامية وأضافت إليها، وله مشاركات حميدة في التفاعل الإيجابي مع الأحداث والظواهر الاجتماعية والمناسبات؛ فحين اتخذ الإخوان المسلمون بالإسكندرية قرار خوض انتخابات مجلس الشعب (البرلمان المصري) عام 1987م كان فضيلة الشيخ- رحمة الله عليه- على رأس المتقدِّمين بالدائرة الثالثة غرب إسكندرية، وإذا كانت فعالية عامة وحضر الشيخ كانت له كلمة أساسية؛ فهو ممثِّل الدعاة وصوت الأزهر الشريف وعلم من أعلام الإخوان المسلمين.

 

لم يكن قط من علماء الفتنة، بل كان يصب بعلمه على الفتن ليطفئها، ويعالجها بحكمته ليخمدها.

 

ولم يكن يومًا من علماء السلطة أو شيوخ السلطان، بل كان للإسلام فحسب؛ يدور مع الإسلام حيث دار، يده في يد الدعوة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربط مصيره بمصير دعوته، وظلّ وفيًّا ببيعته، حريصًا على الوفاء بأعباء دعوته، ونحسبه مات على ذلك ولقي ربه فوفَّاه حسابه بالحسنى، بعد أن رزقه حسن الخاتمة، وتلك منقبة لا يُرزَقها إلا أصحاب العهود الأوفياء، الذين صدقوا مع الله فصدقهم الله فأورثهم عز الدنيا وحسن ثواب الآخرة، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

رحم الله شيخنا، وتقبَّل منه جهاده وعمله، وأنزله منازل الشهداء والصالحين، ورزقه الفردوس الأعلى، وجمعنا به مع نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

---------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.