![]() |
|
د. حسن يوسف الشريف |
واقعنا العالمي المعاصر يجمع الكثير من المتناقضات؛ حيث ترى قمة التقدم العلمي والتقني مع قمة التخلف الروحي والأخلاقي.. ترى القوة فوق الحق بدلاً من أن يكون الحق فوق القوة.. ترى ديمقراطية يكثر عنها الحديث، ولكنها في حقيقتها ديمقراطية ظالمة؛ لأنها تركز الثروة والسلطة في أيدي القلة.. ترى شركات عملاقة متعددة الجنسيات وعابرة للقارات وترى عالمًا يشكو من التصحر الاقتصادي.. ترى هيئة الأمم المتحدة، والتي أُنشئت لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وترى عالمًا يشكو من نقص الديمقراطية وتدهور حقوق الإنسان.. ترى مجلس الأمن الدولي الذي يزعم أنه يعمل لفرض الحق والعدالة في العالم، بينما ترى الدول العظمى فيه تملك حق النقض (الفيتو)، وهو يعطي الحق أية دولة عظمى في أن تبطل أي قرار مهما كان عادلاً وحقًّا، وإن أجمعت عليه كل دول العالم.
إنه عالم مليء بالمتناقضات، وهو في أشد الحاجة إلى إحلال التوافق محل التناقض، وإلى أن يكون الحق فوق القوة، وإلى إحلال الحرية محل الإباحية؛ فالحرية هي حرية فعل الصواب، بينما الإباحية هي حرية فعل الخطأ (1).
إن كل عاقل حر يعيش في عالمنا المعاصر هو وحده الذي يرى الحريق الهائل الذي يشتعل في العالمين المتقدم والمتخلف على السواء.. هو وحده الذي يعتصر قلبه على كوكبنا ومسيرتنا نحو الفوضى والانتحار.
إن المفكِّر الصادق هو هذا العاقل الحر أو هذا الفاهم الشجاع، والشجاعة عند "جان جوريس" هي: أن تبحث عن الحقيقة وتقولها، وهي ألا تترك للقوة أمر حل النزاعات عندما يكون بوسع العقل أن يحلها (2)، وكل شجاع هو الحر الحقيقي؛ لأن الحر هو الذي يرفض الذل والظلم فيتحرَّك لمقاومته.
وتبدأ حرية الإنسان الحقيقية من داخل نفسه، فتحرره من ضغط الرغبات والمطامع، وما تجلبه عليه من حاجات ومخاوف، وتخلِّصه من الاستعباد الروحي والنفسي الذي يحدث له من طغيان الرغبات والمطامع وسيطرتهما على فكره وسلوكه وتحكُّمهما فيه وفي مصيره، وضياع هذه الحرية الداخلية النفسية أو تزعزعها هو المقدمة الضرورية لكل شر وضلال، وما من ظالم إلا وأداته إنسان تستعبده مطامعه وشهواته، وما من استبداد أو طغيان اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي يمكن أن يوجد إلا إذا كانت النفس قد فقدت حريتها الداخلية وصارت ناضجة لكي تستعبد أيضًا من خارجها (3).
إن هذه الحرية الداخلية هي التي يتحدَّى بها المفكر كل الصعاب؛ فلا يهزمه الفقر لأنه حر، ولا يخيفه السجن لأنه حر، ولا يحقد على الناس لأنه حر، ولا يبحث عن الشهرة ويعبدها لأنه حر، وهو يشعر دائمًا بأنه الأسعد والأغنى والأقوى؛ لأنه يؤمن ويشعر بأن الله معه، فيظل ثابتًا على الحق وشهادة الحق والعمل بالحق، فلا يخيفه سيف المعز، ولا يغريه ذهبه وماله.
هذه هي صفات المفكِّر ووظيفته؛ فليست وظيفته تحصيل المناصب والمكاسب بكل وسيلة، نظيفةً كانت أو خسيسةً، ولا وظيفته أن يكون من أنصار كل غالب من أصحاب السلطة، بل وظيفته أن يعمل في صالح الحق والحقيقة، وفي نصرة العدل والعدالة، فيقوِّي كل ما هو حق، وُيضعف كل ما هو باطل وظالم، دون النظر إلى المغانم أو المغارم؛ لأنه يعلم أن الفكر جهاد وتضحية، وهذا هو المفكِّر الفاعل الذي يؤثر في الآخرين.
إن فاعلية الفكرة لا تنبع من نوع المداد أو الورق الذي تُكتَب عليه، إنما تنبع من استعداد صاحبها لأن يدفع روحه ثمنًا لنشرها ونصرها.
إن المفكِّر الذي يعرِّف الناس الحقَّ ويوصيهم بالإيمان به وتقديره، إنما يقوم مع الناس بالنصف الأول من وظيفته، وهي "التواصي بالحق"، ويبقى النصف الثاني والمهم من وظيفته ومهمته العظيمة، وهو "التواصي بالصبر"، ويعني دعوة الناس إلى الصبر على تحويل معرفة الحق من المعرفة العلمية إلى الواقع العملي؛ فإذا كانت قواعد البناء لشخصية المفكِّر هي ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (العصر: من الآية 3)؛ فإن مهمته في بناء الآخرين هي ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: من الآية 3).
هذه هي مهمته التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها في عصرٍ تراجعت فيه أمتنا بعد التقدم، وضعفت فيه بعد القوة، وافتقرت فيه بعد الثراء، وفي كتابه الذي كتبه بعد حرب الخليج الثانية 1991م الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون يقول: "إن قلة قليلة من الأمريكيين تعرف الإرث الغني للعالم الإسلامي، إنهم يظنون أن سيف محمد هو الذي أدخل الإسلام آسيا وإفريقيا وحتى أوروبا، وهم يتغاضون عن حقيقة أن الإسلام لا يشمل مبدأ الإرهاب، وبينما ذبلت أوروبا في العصور الوسطى فقد تمتعت الحضارة الإسلامية بعصرها الذهبي، وقد أسهم الإسلام بمجهودات طائلة في مجال العلوم، كان ابن سينا أعظم الكُتَّاب في الطب، والرازي أعظم طبيب، والبيروني أعظم جغرافي، وابن الهيثم أعظم صانع للآلات البصرية، وجابر بن حيان أعظم كيميائي، وابن رشد واحد من أعظم الفلاسفة.. لقد كان العرب فاعلين في تطوير الفكرة العلمية، إن تلك الإنجازات تمثِّل ما كان عليه العالم الإسلامي في الماضي، وما يمكن أن يكون عليه في المستقبل" (4).
وإذا كنا نريد أن نستعيد ماضيَنا المشرق بتحقيق الإنجازات العظيمة في المستقبل- كما يتوقَّع الرئيس الأمريكي نيكسون- فعلينا أن نعالج ما يطلقه البعض على الفكر العربي المعاصر بأنه "ظاهرة صوتية" لأنه مصاب بالإسهال اللفظي الذي لا يعرف العمل ولا يعرفه العمل.
إن مؤتمراتنا السياسية والاقتصادية أو غيرها تكون أغلب قراراتها حبرًا على ورق، والصديق والعدو يعرف عنا ذلك.
إنها جريمةٌ في حق إيماننا وفي حق وطننا وشعوبنا أن نقول ونقرر ما لا نفعله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).
ولقد وضع الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود يده على أهم أسباب التراجع الحضاري والعلمي لعالمنا العربي المعاصر حينما قال: "المفكر العربي شأنه شأن الإنسان العربي؛ يخاف أن تجعلها له صريحةً بأن الفكرة أو العبارة إما تحوَّلت إلى عمل وإما كانت وهمًا ولغوًا.. إنه يخاف ذلك لأننا أصبحنا منذ فترة نأكل لفظًا ونشرب لفظًا ونتسلَّى في أوقات فراغنا بلفظ" (5).
وأضاف قائلاً: "فالفكرة في الحقيقة هي خطة لعملٍ نؤديه، وإما لا تكون فكرة، وإنما هي تشبه الأفكار وليست منها.
إن الفكر لا يستحق أن يكون فكرًا بمعناه الصحيح إلا إذا رسم الطريق المؤدي إلى التغيير، وهي حقيقة التقت عندها كل مذاهب العصر.. الفكرة ليس لها في عصرنا معنى إلا أن تكون أداة لتغييرِ ما نودُّ تغييرَه مما يحيط بنا؛ من مواقف في السياسة، إلى شئون الاقتصاد، أو في التعليم، أو في نقد الفنون، أو فيما شئت أن تغيِّره، وهذا هو أول الإصلاح الفكري في حياتنا: أن ندمج العالمين في واحد، فيكون عالم الكلام هو جانب التخطيط لعالم العمل" (6).
ولكي ننتصر في معركة التغيير والإصلاح فعلى المفكرين العرب- وهم القادة والمخططون لهذا النصر- أن يشحذوا عقولهم وهممهم لإيقاظ أمتنا وتقوية همتنا؛ فمهمة المفكِّرين لا تقف عند حد إيقاظ الأمة من غفلتها وكشف المخاطر التي تتهددها وتوضيح الأهداف الكبرى التي يجب تحقيقها لحفظ مصالح الأمة واسترداد حقوقها، بل لا بد أن تكون مهمتهم أيضًا رفع همة الأمة واستنهاض همة الحكومات العربية وجامعة الدول العربية ومؤسساتنا المدنية ومراكزنا البحثية والدراسية والعلمية؛ لينهض الجميع ويتعاون الجميع في صد الهجمة الشرسة التي تتعرَّض لها أمتنا وثقافتنا وحضارتنا وهويتنا ومواردنا.
ويُجمع الخبراء في بناء الأمم ونهضتها على أن أية خطة لإيقاظ أية أمة واستنهاض همتها لا بد أن تكون صادرةً ونابعةً من ثقافتها؛ فعلى المفكِّرين العرب أن يغوصوا في بحار ثقافتنا العظيمة وتراثها المبهر الذي أدهش مفكري العالم حين عرفوه، ليستخرجوا لنا أقوى وأجود مواد البناء لإقامة القواعد المتينة التي نؤسِّس عليها وبها خطة النهضة لأمتنا العربية في واقعنا المعاصر.
ولي وجهة نظر أريد عرضها، وهي أن هذه القواعد الثقافية لإيقاظ أمتنا العربية ورفع همتنا تتركز في ثلاث قواعد؛ هي:
* القاعدة الأولى: ثقافة التربية والتكوين: والتي تقوم على الإيمان بالله وحب ثقافتنا وأوطاننا التي هي مهبط الرسالات السماوية، وحب قومنا والولاء لهم والتفاني في خدمتهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، والهدف من هذه الثقافة هو إنتاج المواطن الصالح المصلح النافع لغيره صاحب التفكير السليم والإرادة الفاعلة والهمة العالية، والذي لا يقع ضحيةً للقهر أو التضليل.
* القاعدة الثانية: ثقافة التجمع والعمل الجماعي وروح الفريق: وهي ثقافة تقوِّي فينا روح الوحدة والائتلاف ونبذ الفُرقة والاختلاف ونبذ الفردية والعزلة، والعمل معًا في ظل الخلاف في الرأي أو الاعتقاد، فنتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونترك التعصب والجمود والعنصرية.
والهدف من هذه الثقافة هو توحيد جهود الصالحين المصلحين من أبناء الوطن من شتى الانتماءات العقائدية والمذهبية والقومية، فتعظم بذلك طاقة الإنتاج، ويسهل تنفيذ أهدافنا الكبرى والحفاظ على مصالحنا واسترداد حقوقنا.
* القاعدة الثالثة: ثقافة المقاومة: وهي تحفِّزنا جميعًا على أن نقاوم التخلف والجهل والفقر الذي يحاول أعداء الأمة أن يفرضوه علينا، كما نقاوم أي غزو خارجي، وأن نقاوم أي احتلال لعقولنا وإرادتنا ومواردنا، كما نقاوم الاحتلال لأي شبر من أرضنا.
والهدف من هذه الثقافة هو الحفاظ على أمننا القومي للأمة والوطن ضد المخاطر والمؤامرات التي تتهددنا من أية جهة كانت، والحفاظ أيضًا على القاعدة الأولى، وهي ثقافتنا التربوية التكوينية، والقاعدة الثانية لثقافتنا الوحدوية لجماعتنا الوطنية؛ لأن أي ضعف في هاتين القاعدتين سيؤثر في القاعدة الثالثة، وهي المقاومة والتصدي لأي هجوم ضد أمتنا وحضارتنا وثقافتنا وحقوقنا ومصالحنا.
هذه رسالة إلى المفكِّرين العرب، والذين نحسبهم أنهم أمل الأمة في تحقيق نهضتها واسترجاع عزتها وقوتها لتكون طرفًا فاعلاً في لعبة السياسة الدولية بدلاً من التغييب أو التهميش الذي نعاني منه الآن.
وعلى المفكِّرين العرب أن يكونوا عند حسن ظن الأمة بهم، والمفكِّرون هم الذين ينتجون بذور الآمال العظيمة، ثم يزرعونها في عقول وقلوب الأمة، ثم يتولونها بالرعاية والحماية حتى تُثمر قناعات عظيمةً وحماسًا شديدًا عند القطاعات الفاعلة في الأمة، وهذا يُثمر ضغطًا قويًّا على الحكومات، ومهما عاندت أو ماطلت فسوف تضطر هذه الحكومات تحت الضغط الغامر والجارف لآمال وطموحات الأمة إلى أن تستجيب لها فتتحول الآمال إلى أعمال.
من كان يظن أن تتحقَّق الآمال التي كتبها المفكِّر الألماني باول شمتز (7) بعد الحرب العالمية الأولى، والتي نادى فيها بضرورة أن تترك الشعوب والحكومات الأوروبية الحروب فيما بينها وتكون وحدة أوروبية تكون بها قوية وغنية وقادرة على مواجهة التحديات؛ فقد تحقَّقت الآمال، وتكوَّنت الوحدة الأوروبية الفاعلة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
فعلى المفكِّرين العرب أن يحلموا ويأملوا ويزرعوا الآمال في عقول وقلوب أمتنا ويتعهَّدونها بالرعاية والحماية، ومهما طال المدى فستتحول الآمال- بإذن الله- إلى أعمال، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
--------
* هذه أفكار للحوار؛ نطرحها على المفكرين الأحرار حتى نبدأ التفكير الجماعي لإصلاح أمتنا، فهيا لـ"عضونة الفكر العربي" وتنظيم تياره وتفعيل أفكاره وإحياء مشروع "اتحاد المفكرين العرب"؛ من أجل عودة أمتنا إلى مكانتها العظيمة على خارطة السياسة الدولية.
ويُسعدني تلقِّي آرائكم على عنوان بريدي: Dr_hyms@yahoo.com.
----------
المراجع:
1- إعادة تشكيل العقل الحديث، كرين برنتون، مكتبة الأسرة، مصر.
2- عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة، ص 195، جان ماري.
3- معالم التقريب، ص 63، محمد عبد الله المحامي، دار الهلال، مارس 1989م.
4- انتهزوا الفرصة، ص 43، ريتشارد نيكسون.
5- ثقافتنا في مواجهة العصر، ص 53، د. زكي نجيب محمود.
6- المصدر السابق.
7- الإسلام قوة الغد العالمية، باول شمتز، مكتبة وهبه، مصر، د. حسن يوسف.
