جمال ماضي

 

ليست الهجرة مرةً في العمر، وليست الهجرة من مكانٍ إلى آخر، بل هي هجرة في كل لحظة ما دامت إلى الله؛ فهي استمساكٌ بالدين، ودعوةٌ إلى الله، والتزامٌ بالأخلاق، ومواجهةٌ للفتن، وتحقُّيقٌ للإيمان وتحصنٌ بالتقوى، فليكن شعار مرحلتنا اليوم: "إني مهاجر إلى الله".

 

فهل نحن قادرون على ترك السيئات؟ ومفارقة المُعيقات؟ والخروج من المُثبِّطات؟.

 

ما كانت كلمة الهجرة تَرِدُ في القرآن أكثر من عشرين مرة إلا لحكمة أراد الله منا أن نفهمها ونتدبرها وننفذها؛ فهي مخرجنا اليوم مما يحاصرنا من صعاب وأزمات؛ حيث نعلن رفضنا لغير التمسك بديننا منهجًا للحياة، ولو تعاظمت الأقاويل، وكثر العصاة؛ فقول الله صريح: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً﴾ (المزمل: 10)، ولو تناثرت العادات وتفاقمت الأخلاق السيئة، وانتشرت المعاصي وقبحت الذنوب، فنداء الله قريب: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المزمل: 5)، ولو تخبطت بنا المواقف، وادلهمَّت بنا الحوادث، فصوت القرآن يطمئن القلوب: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (النساء: 100).

 

ففي الهجرة حياتنا، وفي الهجرة انطلاقنا من الكسل إلى التضحية، ومن التواني إلى البذل، ومن الادّعاء إلى الصدق؛ فبشارة الله تستقبل المهاجرين: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (آل عمران: من الآية 195)، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41)، فهل نحن في البشارة راغبون؟

 

ولِمَ لا وقد عقدنا العزم على ابتغاء فضل الله ورضاه، وقد تعاهدنا على نصرة الله وافتداء رسوله لنحظى بمرتبة الصادقين، في عالم يموج بالزعم، وينتصر للزيف، لنتشبَّه بجيل الهداة المهديين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 8)؟!

 

فأين أهل الإيمان العميق؟ أين أصحاب التكوين الدقيق؟ أين مُلاَّك العمل المتواصل؟ أين راغبي الدرجة العلياء؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة: 20).

 

إني مهاجر إلى الله..

لا هفوة صلة، لكن تواصل مع كل الناس لا ينقطع؛ فالمهاجر الحبيب يحذرنا: "لا هجرة بعد ثلاث"، أفٍّ لمن لا ينهض فيصل أحبابه، ويصفو مع خلاَّنه من الآن.

 

إني مهاجر إلى الله..

لا تهاون بُرهة، بل عمل ودعوة، جهاد ونية، مقاومة ونضال؛ فالمهاجر الحبيب قد أفصح وأبان: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"؛ فعلامَ التواني والمتربصون لا ينامون؟!

 

إني مهاجر إلى الله..

لا غفلة خفقة، لكن قلب حي، وفؤاد مستيقظ، وروح وثَّابة؛ فالمهاجر الحبيب يعلِّمنا ويربِّينا ويزكِّينا، فيقول صلى الله عليه وسلم: "ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرًا"، يريد هجران القلب، وترك الإخلاص في الذكر والمناجاة، وكذلك يرشدنا فيقول صلى الله عليه وسلم: "لا يسمعون القرآن إلا هجرًا" يريد الترك والإعراض عن فَهْم معانيه، فهل نحن منتبهون لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30).

 

إني مهاجر إلى الله..

لا توقف لحظة، بل استمرار دائم؛ فلا عذر مع نَفَس نبديه؛ فالمهاجر الحبيب يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها"، فهل هِجْرتُنا عارضةٌ أم دائمةٌ؟ وهل هجرتنا ممدودة أم مقطوعة؟

 

إني مهاجر إلى الله..

لا تراجع حال، بل هجران لكل ما يكرهه الله إلى ما يحبه الله؛ فهي هجرة كل وقت، والتقهقر فيها محال؛ فالمهاجر الحبيب قد أرسى القاعدة: "المهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه"، فهل تحرَّكت إرادتنا وقويت عزيمتنا وعلت همتنا؟!

 

إني مهاجر إلى الله..

نجعلها شعارنا من اليوم، ونرددها في كل حين، ونطرب لها في كل لحظة، ونتأسَّى بشيخ الأنبياء إبراهيم عليه وعلى مهاجرنا الحبيب الصلاة والتسليم وهو يقول: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99) أي مهاجر إلى ربي سيهدين، وصدق الله العظيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

---------

* gamalmady@yahoo.com