النقد في كل الأحوال مفيد حتى وإن كان مغرضًا، وهو ظاهرة صحية حتى لو لم يكن منصفًا، وهذه ليست دعوة إلى عدم الإنصاف في النقد أو تبريرًا لأصحاب الأغراض، ولكنها دعوة إلى قبول النقد كمبدأٍ وعدم محاربته ومهاجمته لخللٍ في الأسلوب أو عيبٍ في الأداء أو لاستغلاله من مغرض.
حتمية النقد
والنقد سمة من سمات المجتمعات بمختلف ثقافاتها.. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (يوسف: من الآية 30)، وانتقالٌ إلى المجتمعات المتماسكة والعائلات في القرى والأرياف من انتقادٍ للسلوكيات والتصرفات غير السوية، وقد يتدخَّل الغرض والهوى والحقد والحسد ليحوِّل النقد إلى إشاعة مغرضة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (النور: من الآية 19) ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 47).
ولا شكَّ أن هذا النقد بخيره وشرّه يدفع الناس إلى الاحتياط في تصرفاتهم والامتناع عن الكثير من السلوكيات مخافة النقد.
ثم يأتي النقد لكل ما هو جديد على المجتمع، حتى وإن كان مفيدًا، ومنه كان الاعتراض على الرسل والرسالات ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: من الآية 7)، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31)، ومنه الاعتراض على أصحاب التغيير ومناهجهم ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23)، ﴿قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).
وكذلك كل صاحب منهج إصلاحي- ومنهم الإخوان- وكل الحركات الإسلامية والإصلاحية؛ فالنقد لهم والاعتراض عليهم حتمية لا بد منها ولا فكاك عنها.
وبالنقد تتمايز الأفكار؛ فمهاجمة المغرضين للفكرة من دلائل صحتها واستقامتها، وكم استفادت الحركة الإسلامية عمومًا والإخوان خصوصًا من هجوم ونقد المغرضين! "فإن الله إذا أراد نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حقود"، وبالنقد ترتقي الحركة وتتقدم وتتقن وتجوِّد منتجها كما قال الشاعر:
همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها *** وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
المباح من النقد
مما لا شك فيه ولا جدال معه أن حتمية النقد لا تعني إباحته على الإطلاق؛ فالنقد المباح هو النقد البنَّاء الذي يتناول العموميات لا الخصوصيات، والسياسات العامة لا الهيئات والأشخاص، وهذا هو نهج الإسلام الذي نهى عن تتبع العورات "فإن من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته وكاد يفضحه" (الحديث)، وهذا ما جعله الإمام البنا شعارًا عامًّا ومبدأً من مبادئ الإخوان حين نهى عن تجريح الهيئات والأشخاص، وموقفه من نقد كتاب الدكتور طه حسين أبلغ دليل، وهذا ما حثَّ عليه القرآن ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125)، وندبنا إلى إحسان القول ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء: من الآية 53)، ونهى عن فحش القول لقول الرسول الكريم: "ليس المسلم بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذيء".
ويباح نقد السلوكيات للأفراد أو الجماعات دون الإشارة إلى أسمائهم أو مواقعهم، إلا أن يكون شخصية عامة يستغل موقعه في فجره وفساده ويعلنه على الملأ يتباهى به، هنا ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر، هتكوه حتى يحذره الناس"، مع أن الأصل في الإسلام السَّتر، والله سبحانه وتعالى سَتير على عباده يمهل ويستر ولا يفضح "اللهم اغفر ذنوبًا سترتها واستر عيوبًا لا يعلمها الناس وعلمتها".
النقد المتاح
الأصل كما قلنا السَّتر والإمساك عن فحش اللسان "أمسك عليك لسانك، وَلْيَسَعْك بيتك، وَابْكِ على خطيئتك"، وليس كل ما يعرف يقال، وأيضًا لكل مقام مقال، وهنا تتجلى حدود وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فما يقال من الأب للابن يختلف عما يقوله الابن للأب، وكذلك ما يقوله الابن الأصغر للأخ الأكبر، وما يقوله الموظف لرئيسه في العمل يختلف عما يقوله الموظف لزميله، وهكذا.
ولقد أغلظ يومًا أحد العلماء على الحَجَّاج في القول والنصيحة فلقَّنه الحجاج درسًا لا يُنسى: "يا هذا.. لقد أرسل الله من هو أتقى منك لمن هو أفجر مني؛ أرسل موسى إلى فرعون فقال له ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 44)".
ولا يصح لكل من امتلك منبرًا أن يقول ما يشاء؛ لأن الكلمة أمانة ومسئولية، وما من كاتب إلا سيفنى ويُبقي الدهر ما كتبت يداه، فلا تكتب بيدك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه.
مناخ النقد
على المسلم أن يكون بصيرًا بزمانه ومكانه، مدركًا لكل ما يدور حوله؛ حتى لا تُستغَل الكلمات، كما قال سيدنا علي للخوارج: "كلمة حقٍِّ أُريدَ بها باطلٌ".
ولقد هوجم الرسول صلى الله عليه وسلم في عِرضه وشرَفه، وكشف الحق سبحانه حقيقة الأمر وفضح صاحب الإشاعة والغرض، وكان ذلك بعد تسعة عشر أو عشرين عامًا من البعثة؛ أي بعد اكتمال الأحكام والتشريعات، ولكن لم يكن المناخ العام المليء بالمنافقين وأصحاب الغرض والهوى مع وجود ضعاف النفوس من المسلمين ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 47)، فقال قولته المشهورة: "أتريد أن يُحدِّث العرب بعضهم بعضًا أن محمدًا يقتل أصحابه"؛ وذلك حين سئل عن إقامة الحدِّ على صاحب الإشاعة ومروِّجها، ومن هنا وجب على كل صاحب قلم ورأي:
- ألا يتوقف عن النقد؛ فالنقد حياة للفكرة، واستقامة للنهج، وبه يتميز الخبيث من الطيب، وتُنشَر الفضائل وتُعرَف الرذائل.
- وألا يتعرَّض للأشخاص أو الهيئات، ولا يفضح الخصوصيات ولا ينتهكها.
- وأن يتحرَّى حدود وآداب النقد والمباح منه، وأن يراعيَ المناخ العام من حوله؛ حتى لا يُستغلَّ رأيه ولا يراد بكلامه غير ما يريد، ولا ينتفع صاحب غرض أو هوى من النقد.