إخوتي وأخواتي المسلمين.. جاء عيد الأضحى ليذكِّرنا بتلك الأسرة المسلمة: أسرة خليل الرحمن، التي اجتمعت على طاعة الله، فنفَّذت كل أوامره، فنالت رضاه، واتخذت من الشيطان عدوًّا فرجمته بالجمرات عن يد واحدة، فردَّ الله عنهم كيده وكفاهم شره.
ولعل حُجَّاج بيت الله الحرام- الذين نسأل الله أن يكتبنا منهم, إذا كنا لم ننل هذا الشرف حتى الآن- يتردَّدون على الأماكن التي تركت فيها هذه الأسرة المباركة, لا أقول بصماتها ولا مواقع أقدامها، ولكن قيمها وأخلاقها التي عاش عليها وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وبعد هذا الاعتقاد الجازم يأتي الواجب العملي ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: من الآية 78).
أيها الإخوة الأحباب.. هيا بنا نزور هذه الأسرة المباركة في العيد لنتعرَّف على علاقاتها ببعضها، ثم منشأ هذه الرابطة وعلاقتهم بربهم عز وجل، وإنه منه- عز وجل- البداية وإليه المنتهى.
الأب: الخليل إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء: ولنا عظيم الشرف أن ننتسب إليه أيضًا؛ فهو أبونا، وهو الذي سمَّانا باسم المسلمين, وهو الذي ما تكرَّر اسمه في القرآن إلا ومعه صفته المميزة ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 67)، فأين نحن من أبينا إبراهيم ومن حفيده محمد صلى الله عليه وسلم؟! سؤال عام يحتاج إلى تفاصيل؛ بأذن الله نتناول بعضها في لقاءات قادمة.
الأم: هاجر: فهي نموذج فريد في طاعة الزوجة لزوجها، والحب والعطف والخوف على ولدها ووحيدها الذي رزق به أبوه بعد سنين طويلة من انتظار الذرية، وكذلك هي نموذج فريد في اليقين في وعد الله ورعايته وحفظه لعباده الصالحين، ويكفي أن يكرمها ربها ببركة أخذها بالأسباب في السعي ثم توكلها على رب الأسباب بماء زمزم الذي نشرب معه جزءًا من يقين أمنا؛ إذ قالت يقينا في الله بعد أن علمت أن مراد الله أن يتركها زوجُها وحيدةً مع ولدها "إذن.. لن يضيِّعنا"، وهذا هو الإيمان، وهذا هو الإسلام.
أما الابن فهو الذبيح إسماعيل عليه السلام: فنحن ما زلنا نقدِّم الأضحية شكرًا على نجاته وفرحًا بفداء الله إياه بكبشٍ من الجنة، وإلا كان علينا أن نذبح ولدًا من أولادنا قربانًا إلى الله عز وجل وتنفيذًا لأمره.
وقد مدحه ربه عز وجل في كتابه الكريم ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (الصافات: من الآية 103)، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)﴾ (مريم)، وتعتبر طاعتَه أباه نموذجًا لم تَرَهُ البشرية من قبل.
نعم.. يطيع الابن أباه في كل أوامره، فهل رأيتم أبًا يطيع ربه في ذبح ابنه؟! أو ابنًا يُطيع أباه إذا ناداه ليذبحه؟!
فهل يكون لنا فيهم كأب وأم وزوجة وابن أسوة حسنة؟! ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الممتحنة: من الآية 6) ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
--------
* عضو مكتب الإرشاد.